تحرر الكلام

دبيب التطبيع 

كانت الشمس قد مالت إلى المغيب عندما دخلت مع صديقي، إحدى مقاهي الإنترنت على مهل، ننتزع أقدامنا من الأرض انتزاعاً.

فقد قضينا النهار كله سائرين على أقدامنا تحت أشعة الشمس المحرقة.

وما إن بلغت المقهى، حتى انحدرت إلى يسار المقهى، وجلست مع صديقي، وقضينا هناك ساعة تقريباً.

وشعر صاحب المقهى بدخولنا، فرمقنا بنظرة سريعة، ثم سألنا دون أن يحول عينيه عن عمله: ماذا تطلبان؟

فأجاب صديقي: فنجانان من القهوة، وكرت شبكة إنترنت.

فقدم لنا صاحب المقهى ذلك سريعاً وقال: ليس أيسر من ذلك ما دمت تملك المال

فأخرجت المال من جيبي وأعطيته ثمن طلبنا، ثم دخلت شبكة الإنترنت وكتبت ساخراً لأحد عشاق التطبيع  وعشاق حظر حركة حماس من قبل بريطانيا: “أن وعود بريطانيا ممتعة للصهاينة دائما منذ إصدار ما عرف باسم وعد بلفور سنة 1917م، وهي رسالة من المستر بلفور وزير خارجية بريطانيا إلى الثري اليهودي اللورد روتشيلد، وكان من نصها ما يلي:” يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالة الملك بأن حكومة جلالته تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”، لكنه جريمة أعطى الضوء الأخضر للصهاينة لقتل الشعب الفلسطيني، وإرغام بعضه على النزوح والتشرد” 

فرد الرجل: لقد بهت وانتابني القلق بشدة بتلقي عيني مثل هذه العبارة، أنت لا تفهم معنى الوعد، ولا ما حدث بالضبط   

فكتبت رداً عليه: هذا الوعد صدر وكان السكان العرب الفلسطينيين يمثلون 90% من سكان فلسطين، ويملكون 52% من مجموع أراضيها، بينما كان تعداد اليهود 10% من السكان، ويملكون 2.5%، بينما كانت تغتصب حكومة بريطانيا 45.5% من جملة الأرض.

فكتب لي: كيف يُسمح لك بكتابة تلك العبارة المقلقة لنفسية الصهاينة؟ أن الوعد يؤكد أن لكل مشكلة حل، وقد حلت والحمدلله فلا داعي لإثارة المشاكل. 

فكتبت رداً عليه: أن هذا الوعد لا يمكن أن يمنح الصهاينة أي أساس لأي ادعاء لهم في فلسطين، لأن بريطانيا لم تكن تملك شيئاً في فلسطين حتى تمنحها لغير فلسطينيين، إن وعد بريطانيا ليس سوى عملية نصب دولية لاغتصاب فلسطين من شعبها مستغلة في ذلك عملية استعمارها لها، لإن هذا الوعد من وجهة القانون الدولي، لا يمنح أي حق للصهاينة في فلسطين.

وظل يكتب، وكتب يقول: ” إن تعيين السير هربرت صمويل مندوباً سامياً على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى كان عين العقل وحل للمشكلة” 

فكتبت: إن تعيين السير هربرت صمويل مندوباً سامياً على فلسطين، بعد الحرب العالمية، كان بمثابة تهويد فلسطين، بزيادة هجرة اليهود بشتى الطرق غير المشروعة، وزيادة نسبة ما يملكون من أرض هناك فمنحوهم الأراضي المغتصبة استعمارياً بأثمان بخسة، ثم الاعتراف بالوكالة اليهودية كهيئة تشرف على شئون اليهود في فلسطين، في الوقت التي حرمت بريطانيا على العرب إقامة أي تنظيم رسمي لهم، وجعل كلمة ” إسرائيل” الترجمة لكلمة فلسطين ووضعها على الطوابع والنقود وعلى كافة النشرات البريطانية، واعتبار اللغات الرسمية الثلاث للدولة وهي: الإنجليزية والعبرية والعربية

فكتب لي: لماذا لا تنشغل بشيء مفيد؟

  • لأني أفكر، فماذا تريد مني؟
  • ألا تفكر، لأنك تفكر على نحو خطر.
  • اسمع، أحب فلسطين وحالم برؤية أرضها الغالية محررة، مشتاق إلى حبة من ترابها، وأرسل ألف تحية ورحمة إلى كل شهيد ضحى بحياته لترتفع راية فلسطين عالياً، أنا مجنون فلسطين
  • أنا أتحدث مع مجنون إذاً؟
  • نعم، إذا كانت تسعدك هذه الإجابة.

لكن صديقي طلب مني أن أهون على نفسي، فهناك الكثير من قادة الرأي والثقافة والفكر في الوطن العربي يقومون منذ اتفاقية كامب ديفيد بالحفر العميق من أجل التطبيع مع الصهاينة، فمن يستطيع أن يضرب المناهج الدراسية في الوطن العربي ويطمس خريطة فلسطين فليفعل وله كل الشكر من الصهيونية والغرب وأمريكا، ومن يستطيع أن يغتال أي ناجي علي فليفعل، وعذاب الشعب الفلسطيني في النهاية لا بد أن يجد له مخرجاً!

فحوّل صاحب المقهى بصره إلينا، ثم أخرج كيساً مليئاً بالنقود وقال: كل محسن كريم على التطبيع مع الصهيونية، يٌسمح له برحلة إلى القدس، والتحدث لايف مع الإرهابي الصهيوني نتنياهو كما فعل الصحفي الخليجي!، مع قضاء ثلاثة أيام كاملة مع كُتاب وصحفيين وقادة الرأي الصهاينة 

ثم قصدنا إلى حيث نجلس فقلت له: ولكن اليوم وبعد أكثر من نصف قرن تعود بريطانيا وتؤكد أنها المحسن الكريم الأول، وصاحبة الأسبقية على الصهيونية منذ أوائل القرن العشرين بحظرها لحركة حماس.

فقال صاحب المقهى في هدوء: بريطانيا ليست بخير، وأن الكثير من كُتابها وحملة مشاعل حقوق الإنسان بها ليسوا كما يظنهم الناس الحقوقيين، فلا تلوم بريطانيا لأنها مصابة بمرض انعدام الإنسانية والضمير في صياغة القرارات والوعود على حساب جلد وتعذيب شعب فلسطين، ولكن أرثي لحال صحفي أو مثقف في الوطن العربي، الذي أصبحت اسمعه يتحدث بفخر عن حقوق الإنسان في بريطانيا، ويؤيد حظرها لحركة حماس.

فتنهدت ، ولسان حالي يقول: لقد سمعنا وشاهدنا بأم أعيننا البطلة الهمامة بريطانيا  وأمريكا أسيرة المال الصهيوني، مع  الصحفي العلاني الجسور العاشق للتطبيع، يستمتعان باغتصاب الأرض وبيع القضية بالمجان للصهيونية على حساب شعب فلسطين في رحلة المزيد من العذاب والخنق والتهجير، بينما يتم تنويم الشعب الفلسطيني في دوامات، ليغط في نوم عميق دون أن يدري أو يعي أن شعب فلسطين وأصحاب الأرض موزعون بين باحث عن مخيم على أرض عربية يأخذه إلى مجزرة حيث صبرا وشاتيلا، أو يؤدي واجب العزاء في صحبة صورة شهيد كريم كان يدافع بجسده على حي المغاربة.

باسم عبد الحميد سيف قاسم

الاسم :باسم عبد الحميد سيف قاسم الجنسية : يمني المؤهل: بكالوريوس إدارة اعمال الخبرة: 14 سنة في الإدارة والكتابة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى