داعش …هل تشكل خطرا حقيقي على الأردن؟

0

مقدمة
في أجواء جدلية بين الجانب الرسمي وأحزاب المعارضة انخرط الأردن في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية داعش مشاركا بالتحالف الدولي الذي يخوض حرب ضدها بموجب قرار مجلس الأمن الصادر في الخامس عشر من أغسطس من عام 2014 ،

(1) داعش ميلاد أردني

بعد حرب الخليج الأولى قدم عصام البرقاوي الملقب بـ أبو محمد المقدسي من الكويت إلى الأردن ، شخص هجر كلية الطب في شبابه وتفرغ لدراسة العلوم الشرعية جاء إلى عمان مع موجة الهجرة الفلسطينية إلى الأردن بعد أزمة الكويت عام 1990 ، أقام في الزرقاء وتعرف على أبو مصعب الزرقاوي ابن القبيلة البدوية الأكبر في الأردن واخذ بنشر أفكاره الجهادية والدعوة إلى إقامة حلم دولة الخلافة الإسلامية .
في عام 1993 تم القبض على أبو محمد المقدسي وأبو مصعب الزرقاوي وسجنوا بتهمة تنظيم التوحيد وقد ضبط لدى أبو محمد المقدسي قنابل قدم بها من دولة الكويت أبان الحرب العراقية الكويتية واجتياح الكويت .
في هذه الأثناء لاقت كتب المقدسي رواج في مدينة السلط في وسط الأردن عن طريق طلاب الجامعات، وفي ظل غياب المقدسي في السجن ظهر قيادات فكرية جديدة لهذا الطرح في السلط حتى أصبحت بيوت هؤلاء القادة الجدد محجا روحيا للفكر الجهادي من كل أنحاء المملكة .
تزايدت الأعداد للمومنين بهذا الفكر والتحق به مجموعة من الثلة الأكاديمية بدأت حينها تتبلور أكثر فأكثر فكرة إقامة تنظيم لهذا تجمع عدد من مريدي أفكار أبو محمد المقدسي ، تجمع كان أشبه بالتنظيم الهلامي مناهجهم التعليمية لم تكن واضحة يختاروا كتب مختلفة ويدرسوها إلا أن كتاب الظلال لسيد قطب كان العامود الفقري لتلك المناهج ومعالم على الطريق هي المادة الراتبة والدائمة على مائدة تعليمهم التي نشا عليها أتباع هذا التوجه .
في أوقات مبكرة شعر القائمين على هذا التجمع الهلامي بثقل المسؤولية وتقابلت الخواطر لقيادات هذا التيار على ما يبدو على ضرورة إنهاء هذه الحالة فالأعداد في تزايد ولا يوجد علماء يؤصلوا لهذه الفكرة وهناك أعباء أخرى بدأت تفرض نفسها عليهم وسريعا تم إنهاء هذا التجمع او الحالة وتشتت بين عدة أفكار إلا أن هناك مجموعة بقيت متمسكة بأفكارها .
أمضى أبو مصعب الزرقاوي سنوات محكوميته في السجن وخرج وبقي أبو محمد المقدسي قيد الاعتقال الإداري ، توجه الزرقاوي إلى أفغانستان وبقي هناك إلى الحرب العراقية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبدا يلمع نجمه في الأوساط الجهادية بعد أن قام بذبح احد الرهان بالسكين في عام 2004 .
كان لبقايا التجمع السلطي المنحل ومن تناسل من أفكارهم المادة الخام التي استثمر بها أبو مصعب بعد هجرته إلى العراق عن طريق سوريا آنذاك والتي كانت تشجع الجماعات الجهادية في العراق فكان هؤلاء النواة لتنظيم جهادي اشد تطرفا من القاعدة واتخذ من الفلوجة العراقية مركزا له .
أعلن أبو مصعب وتنظيمه بيعته لزعيم تنظيم القاعدة حتى مقتله عام 2006 ، عاشت القاعدة بين مد في بداية المقاومة العراقية للأمريكان ثم جزر وانحسرت زمن الصحوات وبقي ذلك الانحسار حتى الثورة السورية ودخول جبهة النصرة ثم الاختلاف مع أمير التنظيم في العراق أبو بكر البغدادي وإعلانه الدولة الإسلامية في العراق والشام \\\”داعش \\\”.

(2) جدلية لا تتوقف

الجدلية لا تتوقف بين المعارضة الأردنية والمؤسسة الرسمية في مشاركة الأردن في التحالف الدولي والحرب على الإرهاب جدلية تجدد سجالها بسقوط الطيار الأردني معاذ الكساسبة أسيرا بيد قوات داعش بعد أن سقطت طائرته فوق مدينة الرقة لأسباب لم تحدد بعد من قبل قوات التحالف الدولي .

التيار الإسلامي وأحزاب المعارضة وفئات واسعة من الشعب ترى أنها حرب لا ناقة للأردن فيها ولا جمل بهذه العبارة يختصر الجميع العبارة للتدليل على رفضهم لهذه الحرب .

هيئة العلماء في حزب جبهة العمل الإسلامي اكبر حزب سياسي في الأردن يصدر فتوة دينية بتحريم المشاركة مع القوات الدولية ضد داعش وجماعة الإخوان تصدر بيان رسمي تعارض فيه الحرب على داعش وتعتبرها مقدمة لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية على المنطقة وتقسيمها من جديد وفقا لنظرية الشرق الأوسط الجديد التي بشرت بها كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة والتي تقضي بإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط وفقا لأسس طائفية .

مواقف متكئة على توجه شعبي تستثيره تلك الحرب التي يروج ضدها على أنها حرب ضد الإسلام السني وأنها هدية للمشروع الإيراني المتحالف سرا مع المشروع الغربي ليتمدد أكثر في المنطقة على حساب السنة ويجدون ما يؤكد لهم هذا الطرح فيما يجري في اليمن من غض الطرف عن التهام الحوثيون لليمن بدعم إيراني وتحت عين وبصر العالم اجمع .

يبدو أن الشارع الأردني ينحاز إلى أي طرف يقف على الطرف النقيض للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة ، إذ أن رفض الحرب لا يعبر عن تأييد لداعش إذ جاء في استطلاعات الرأي الرسمية 89 % من الشعب الأردني المستطلعة آراءهم ترى في القاعدة وداعش وجبهة النصرة خطرا وان 7% فقط تؤيد داعش وجبهة النصرة .
شارع يعيش حالة جدلية حول داعش إذ يراها البعض بأنها صنيعة أمريكية أوجدتها لتؤدي غرضها السياسي في التخلص من المالكي التابع لإيران وإحباط الربيع السني وتشويه الإسلام السياسي ، فيما يرى فريق أخر أنها صنيعة إيرانية أوجدتها لتنقذ نظام الحكم الطائفي في سوريا فيما يرى فريق أخر أن داعش مولود طبيعي لحالة الفقر والاستبداد وانعدام الأفق في المنطقة بعد الانقلاب على الربيع العربي وفريق رابع يرى أن داعش نتيجة حتمية لتراث متطرف تعج به كثير من الكتب القديمة التي لم تجد من ينقح تراثها ويعيد إنتاجه بما يناسب العصر الحالي فما هو موجود في قدر الفكر المتطرف تخرجه مغرفة العمل الدموي ، جدلية شعبية عفوية تنطلق من ثقافة المؤامرة التي تعيشها كثير من الشعوب العربية حاليا

الجانب الرسمي يقدم رواية أكثر تماسكا في تبرير مشاركته في الحرب على الإرهاب الداعشي ويجملها بعدة أمور
إذ يبرر أن الحرب على داعش هي حرب وقائية وان مقاتلة داعش في أرضها التي تحتلها يجعل الأمر أسهل بكثير من مقاتلها على الأراضي الأردنية وان داعش تشكل خطر حقيقي وناجز على امن الأردن ويدللون بذلك ما ينشر في المواقع الرسمية لتلك التنظيمات وكيف أنها تتوعد الأردن وتهدده ، تهديد ينطلق من قراءة واقعية بان داعش أصبحت قادرة وتمتلك من الأسلحة التي استولت عليها من الجيش العراقي ما يؤهلها لتنفيذ تهديداتها .

كما يرى أن الحرب على داعش جاء لتحصين الجبهة الداخلية إذ أصبح القضاء على داعش ضرورة ملحة لوقف تمدد داعش داخل الأردن فكريا إذ أن التقديرات الأمنية المنشورة تشير إلى أن داعش يملك تنظيما يقدر ب 7000 عضو مؤمن بهذه الايدولوجيا ويعمل من اجلها في الداخل الأردني ويتواجد في كل محافظات المملكة .

كما انه يرى في قتال داعش مقدمة لإسقاط نظام الأسد الذي استفاد كثيرا على الأرض من وجود الجماعات المتطرفة إذ أحجمت القوى الغربية التي تملك السلاح القادر على حسم المعركة عن دعم المعارضة بالسلاح خشية أن تسقط تلك الأسلحة بيد الجماعات المتطرفة إذ أنهم لا يريدون استبدال دكتاتور مستبد بشيطان شرس .

قتال داعش والجماعات المتطرفة من وجهة نظر النظام الأردني ضرورة لحماية سوريا من شبح الصوملة ، إذ أن شبح فشل الدولة سيكون حاضر إذا ما سقط النظام وبقيت تلك الجماعات الأقوى على الأرض والأردن معني بشكل كبير بعدم وجود دولة فاشلة تثير القلاقل على حدوده التي تمتد طويلا مع سوريا والعراق التي تتمدد بها داعش .

الأردن يبني اقتصاده في المرحلة الحالية والمقبلة على عامل جذب الاستثمارات الخارجية وسط هذا المحيط الملتهب وأي عثرات أمنية يمكن آن تشكلها داعش ستكون طاردة للاستثمار الاقتصادي مما يفاقم من مشكلة الأردن الاقتصادية ويعرضها للفشل ويعمق أزمة الدين العام لديها .

(3)  الحرب البرية تطل برأسها .

خوض الحرب البرية على داعش أصبح خيار أكثر إلحاحا يتحدث به التحالف الدولي بعد أن أثبتت الوقائع على الأرض أن تنظيم داعش يدير الحرب مع التحالف الدولي بطريقة تجنبه الكثير من الخسائر التي كان يخطط لها التحالف الدولي .

قد لا يبدو خيار المشاركة في الحرب البرية أمرا مستبعدا لدى صناع القرار في الأردن وخاصة إذا ما أقدم التنظيم الدولة على قتل الطيار الأردني الأسير لديه حيث أن الحديث عن الدخول في حرب برية بدا صوته يرتفع في الآونة الأخيرة في الأوساط الإعلامية الموالية للحكومة .

للحرب البرية فاتورة عالية سوف تدفع إذا ما رضخ الأردن للضغوط الدولية ودخل تلك الحرب ، مما يستوجب على المعارضة أمام هذه الاحتمالية القائمة أن تتحرك مبكرا للوقوف في وجه تلك الحرب التي يمكن أن تقلب المشهد في الساحة الأردنية وتجعل مشهد النعوش الملفوفة بالعلم الأردني هي الصورة الراتبة يوميا في وسائل الإعلام المحلية .

المعارضة عليها أن تخرج من خندق العاطفة اتجاه داعش وشيطنتها لكل ما يمكن أن يقوم به التحالف الغربي انطلاقا من مواقف مسبقة وثوابت سياسية اتجاه الغرب ، والتعامل مع كل حدث بشكل منفرد حيث آن السياسات تتبدل من ساحة لأخرى ومن موقف لأخر ومن الثابت أن الوقوف في وجه داعش هو ضرورة ملحة ومصلحة للجميع في المنطقة .

الأردن يبدو انه بحاجة إلى موقف موحد بين ما هو رسمي وما هو شعبي موقف تقف به المعارضة إلى جانب النظام في حربها الجوية على داعش وتساعد به المعارضة النظام في مقاومة الضغوط الدولية في للمشاركة في الحرب البرية التي ستكون كارثية على الجميع إذا ما دخل الأردن بها .

وفق مجريات الأمور فان الحرب البرية على داعش أصبحت في حكم المحققة في القادم القريب وان الأردن سوف يتعرض لضغوط كبيرة في هذا الصدد ما لم تجد من يقف معه لصالح الوطن ويقنص الفرصة ويعيد لنا مشهد الموقف الموحد بين النظام والمعارضة والشارع الأردني الذي تمثل في حرب الخليج الأولى وما عرف بـ \\\”مشهد الملك حسين عربيات رئيس مجلس النواب \\\” مشهد اسقط به بيد جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك\\\” والذي استفاد الملك حسين حينها من موقف المعارضة وسخره في التخلص من الضغوط الأمريكية والحرج أمام المجتمع الدولي ورفض استخدام أراضيه في شن هجوم بري على العراق فحفظ الأردن مصالحه مع العراق والجميع في تلك المرحلة .

نتمنى أن يتفهم الجميع انه من مصلحة الأردن سياسيا الخلاص من داعش وحماية سوريا موحدة وعدم الدخول في حرب برية ضد أي كان وهذا ما يمكن تحققه في دعم قرار الحرب الجوي وتجنب الحرب البرية وتضافر الجميع لرفع الحرج الدولي وهذه كل لن يكون إلا بمعارضة واعية وموقف حكومي شفاف وصادق والتفاف شعبي راشد .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.