2014..حزناً على الإنسان!

0

عودٌ آخر مشرئباً باللون الأخضر الممزوج بلون الخريف التركوازي، عود كامل من شجرة العمر المقبلة على الجفاف التام، أشعر به في أدق نقطة من الشعور لدي، أشعر به يذوي متخلياً عن ثباته في حياة صاحب هذه الكلمات، وعن ثبات اعواد قليلة إلى جواره أقل خضرة منه، بأفولها تذهب شجرة العمر كاملة إلى غير رجعة، أما 2014م أو العام الخامس والأربعين منها، فيا لهف قلبي إذ كان ذا خصوصية نادرة أجبرت أربعة وأربعين عاماً سابقة على النظر إلى الأرض في خجل شديد وخذلان، إذ إن فكرة عصارة الاخضرار فيها كانت بمناى عن التصور الصحيح، وأثبتت الأيام منذ 1 من يناير حتى 13 من ديسمبر من عام الاخضرار الأقل في الحياة إن الإنسان في بلادي إلى زوال..
معذرة صحبتي ..
قلبي حزين .. من أين آتي بالكلام الفرح..
شطرا صلاح عبد الصبور درستهما عام 1989م على يد أستاذ جامعي بالغ الاحساس والبعد عن الناس (د. عمر عبد الواحد، أستاذ بكلية الآداب بجامعة المنيا) ليت شعري أين هو الآن؟ .. كنتُ أتمنى أن تجىء كلماتي عن العام الجديد مفعة بالأمل .. لكن الله تعالى كريم ..

كنتُ في عملي في بداية العام في مصر أسير على الأشواك محاولاً زرع فسيلة خضراء في عالم التلفزيون المصري الروتيني البالغ العصف بمن ليسوا على هواه، وكان لي موقف خاص يتمثل في إبعادي أيام مبارك بلا جريرة سوى مقال فيه لم أوافق على الاعتذار عنه بالعمل مع جهاز سيادي بالدولة وقت طردي، وكان أن عدت بقرار على (أبوه) أي أن ابقى، محلك سر، كما كنت عام 1999م حين إقصائي، وبقية القصة طويل لكن زملاء بالعمل آثر من يعمل لدى المخابرات منهم أن يحذرني قائلاً:
ـ أعرف إنك لن تقول مثلنا إن الإخوان يقتلون الناس في الشوارع .. احتفل معنا بأعياد ميلاد الفنانين .. الراقصة يحين عيد وفاتها بعد أيام..
وذكر اسم راقصة ملئت الشاشة الصغيرة والكبيرة في زمانها طرباً وغناءً ورقصاً..
بالطبع لم افعل، وتم رفع تقرير إلى مكتب الوزيرة صاحبة شعار المخطوف ذهنياً بإني من الإخوان، وإنني قلت أمام إحدى صحفيات إحدى أكبر جرائد مصر:إنه شرف لا أدعيه وتهمة لا أنكرها، أما الصحفية فنشرت في الأهرام مرات في يناير الماضي إنني إخواني مطلوب طردي من عملي، وأما الوزيرة فلي معها موقف عام 2003م لا أنساه ولم أبح من قبل به..
كنتُ أعمل في عمل خاص بجمع معلومات عن شعراء ماتوا، ورأيتُ شعراً لرجل كان يبدو فاضلاً يعمل في وزارة المعارف مفتشاً وهو من المنصورة، واسمه عبد الحق علي شرف الدين، والشعر بصحيقة دار العلوم، وكان بحثنا يلزمه سيرة حياة للشاعر، وهمس في إذني “أحدهم” بإن درية شرف الدين ابنته، واتصلت بالسكرتارية، وكانت يومها تدير الفضائية المصرية، وتم أخذ ميعاد، وهناك قالت لي إنني الوحيد الذي ذكرها بأبيها بعد عشرين عاماً من موته..
وفي نهاية البيانات المطلوبة قالت لي:
ـ لابد أن تكتب، وإن لم يكن مطلوباً في السيرة الخاصة بكم ل:”بابا” إنه كانت لديه فطرة صحيحة تحثه على رؤية الحق، بل التنبؤ به.. فلما قامت ثورة 1952م كان رأي أبي إن ” العسكر” صغير السن ك”فرخ” الحمام وإنه سيفسد مصر ويخربها ..
لاحقاً خرجت من عملي بسبب تعنت الوزيرة وموقفها الداعم للعسكر ضد رغبة أبيها الراحل..

مات الإنسان في مصر إلا قليلاً ..
هذا هو درس 2014م الذي لا أنساه .. يوم 25 من يناير اشتعلت الأرض من حولنا نيراناً، اللهم تقبل، وهرولت لأركب عدة مواصلات في طريقي للعودة إلى حيث كنت أقيم، بعد تنقل في بيت اكثر من صديق، جزاهم الله خيراً، وفي الذاكرة ليلة 6 أكتوبر التي لم أر الموت قريباً مثلها، من عام 2013م، فوجئت بالمدرعة، بذات نفسها، تطاردني ومجموعة من الثوار، وكانت زوجتي المصابة، حفظها الله وتقبل منها قد اعطتني في ذلك الصباح كيساً قماشياً أجمع فيه زجاجة البيبسي وما شابه، وفي لحظة هرولت، ولم أجد مكاناً أختفي من الرصاص فيه سوى دكان للمعجنات كانت فتاة تبدو الطيبة عليها تغلقه بسرعة بمعاومة شباب فهتفت رغماً عني:
ـ حرام عليك إنك تتخلين عن أبرياء يموتون؟!
فقالت:
ـ هل منعت أحداً تفضل..
ففعلت وإن كان شباب رفض الدخول، وفي الداخل وجدت خيطاً من الدماء قد شربه الكيس المحتوي لأغراضي..
وكان علي أن أعود من نفس الطريق الذي استشهد فيه شهيد الطالبية، هاني المنشاوي، ولا انسى سيدة مصرية انهمرت في البكاء مرددة:
ـ الجيش يقتل الشباب في الشوارع!
وكل “الميني باص” يكاد يفتك بها لولا أن أعانني الله وآخر فاحتوينا الموقف..
(3)
5 شهور و23 يوماً قضيتهم في مصر من العام الماضي عنا للأبد، تجولت فيهم من بيت صديق لآخر مصطحباً أسرتي، وكانت آخر شقة لجأت إليها قد قطعت شركة المياه عنها المياه لإن أهل العمارة أدمنوا سرقتها، رغم فخامة الحي، أعدت زوجتي وصغاري لمكان آخر لدى صديق آخر غائب، ولجأت إلى الاشقة ذات ليلة بصديق فاضل واحتجنا لماء فذهبنا نملىء من صنبور عمومي فما هالنا إلا إن الرجل البواب تشاجر معنا ومنعنا المياه ..

أسفل شقتنا بمصر مسجد صغير خادمه طوال فترة حكم الرئيس مرسي صدّع رأسي بالحديث عن سلبياته وسلبيات الجماعة، كما كان يسمعها من الإعلام والمحيطين به، وكانت اللعنات ترتفع بصوته من قلب المسجد لما يقطع النور أيامها، لكن بعد الإنقلاب غاب صوته، ولما قطع النور في صلاة العصر صاح:
ـ الله نور السموات والأرض..
(5)
السيدة الفاضلة التي أتاحت لي الفرصة لدخول مطعم المعجنات، ورفاق لها فيه منعوني من الخروج حتى استتب الأمر في الشارع، المرأة التي بكت بالدمع السخين في الميني باص لقتل الجيش الشباب، أصدقاء أووني وأسرتي في شققهم، ومنهم من لم يكن قد سكنها بعد، محام شهير قبل قضيتي في العمل دون مطالبتي بمال، ولما أتيت له بما قسم منه ذهل، رجل فاضل لما علم بأمر جراحة زوجتي في الغربة قبلي، إذ ذهبت للكشف مع زوجتي، أنكر الأمر لي وتوسط لدى من تكفل بالجراحة، بواب عمارة أسكن بها في مصر ممتلئة بمحبي الإقلاب بكى لما غادرت ..صديق صيدلاني عرفته لشهور يقيم قريباً من عنواني في مصر أعان زوجتي وأبنائي على إعداد أوراق السفر في غيابي، صحفي كبير نصحني بالبعد، وهو صديق مشترك مع الدكتور والبواب الرجل العظيم سالفي الذكر ..
هؤلاء هم المصريون برغم الإنقلابيين سالفي الذكر .. حزني كبير على الإنسان إذ لستُ إلى جوارهم اليوم.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.