معالم الثورة المضادة في تونس

0

 

حين أوردت أحد المحطات التلفزية التونسية خلال اليوم التالي لفرار المخلوع خبرا عاجلا تداولته وكالات الانباء العالمية ومضمون هذا الخبر يتحدث عن مجابهات مسلحة بين الجيش التونسي ووحدات من الامن الرئاسي المتحصنين بثكنة رئاسية كان كل التونسيين في حالة رعب وفزع شديدين خيفة أن تتطور الاوضاع الامنية والمجابهات لما لا يحمد عقباه.

 

لم أكن حينها متيقنا من صدقية الخبر فربما تكون المجابهات حقيقية ولكن في مكان آخر لأن الثكنة الرئاسية موضوع الخبر كانت تقع على مسافة قصيرة من محل سكناي ولم أكن أسمع شيئا من ضجيج المجابهات والطلق الناري المزعوم ورغم خروجي أمام المنزل للتثبت في الامر لم ألحظ إلا حركة مروحيات عسكرية صغيرة الحجم كانت تحلق في السماء و تمشط المكان وتمر بين الفينة والأخرى على علو منخفض فوق المنزل.

وفي الصباح و قبل التوجه للعمل دفعني فضولي لأن أوجه مقود سيارتي فجأة باتجاه مكان الثكنة الرئاسية موضوع الخبر العاجل فمكانها لا يفصلها عني إلا دقيقتين من الزمن وحين وصلت وجدت الاوضاع هادئة والناس نيام إلا من بعض الحراس ولا آثار عينية لأية مجابهات أو اشتباكات مسلحة فأمعنت النظر في تأمل جدران الثكنة على ثلاثة واجهات لعلي أجد سورا منهارا أو آثارا للرصاص على الحيطان لكني فشلت في العثور على أية علامة من علامات المواجهة المسلحة المزعومة التي نقل خبرها الاعلام التونسي وداولتها وكالات الانباء العالمية الليلة الفارطة.عند ذلك عدت أدراجي من حيث أتيت وفي بالي وعلى لساني كلمة واحدة :لقد ابتدأت اللعبة … لقد ابتدأت اللعبة.

إنها لعبة ترهيب الشعب وإلزامه مكانه لكي لا يطالب بحقوقه المشروعة ويكتفي بالبحث عن الأمن والاستقرار وهي نفس لعبة بن علي المخلوع الذي جثم بها على صدورنا لمدة عقدين من الزمن وذلك بخلق الفزاعات الوهمية.

 

إن حجم المؤامرة على الشعب التونسي التي بصدد حبكها مرتزقة الاعلام كبيرة وفي غاية الخبث والمكر وأن حليمة مازالت على عادتها القديمة فقد تفنن نظام بن علي في استعمال سلاح الاعلام لترهيب الشعب التونسي وتركعيه بالإضافة إلى جهاز أمني لا يعرف الشفقة ولا الرحمة فنظام بن علي كان سباقا في تطبيق قانون الارهاب على الشعب التونسي بمختلف تياراته الفكرية والسياسية قبل أن يطبقه الامريكان إثر حوادث 11 سبتمبر وكانت أبواقه الاعلامية تتبجح بذلك جهارا نهارا وتقول أن نظام بن علي سبق الامريكان بما لا يقل عن عشرين سنة .و إنها النظرة المستقبلية والرؤية الاستشرافية لبن علي صانع التغيير كما كان يؤكد ذلك رموز الاعلام الدعائي لنظام المخلوع الهارب.

ورغم خلع بن علي عن الحكم وهروبه المخزي من البلاد في حادثة غير مسبوقة فقد ترك وراءه طبقة إعلامية وسياسية وجماعات نفوذ مالي واقتصادي وأجهزة منظمة وذات خبرة عالية في امتهان سياسات الكذب والخداع وسرقة الوعي العام وتحويل الاكاذيب والأوهام الى حقائق تنشر في الصفحات الاولى للجرائد ويفتتح بها شريط الانباء.

 

كل هذه العناصر الأنفة الذكر اجتمعت بعد هروب بن علي لتشكل قوة جديدة فاعلة في البلاد إنها قوة الثورة المضادة التي اتحدت إعلاميا وسياسيا واقتصاديا لتقطع الطريق على إرادة الشعب التونسي في الحرية والكرامة.

تعمل الثورة المضادة في تونس على أربع محاور رئيسية يمثل المحور الأول في صناعة الاكاذيب والأراجيف الاعلامية لضرب الروح المعنوية للشعب التونسي وإيهامه أنه ينحو نحو الكارثة ويتمثل المحور الثاني في صناعة ثوار جدد من سياسيين وحقوقيين ومحللين يقومون بالتنظير الحقوقي والسياسي ويحللون حزمة الاشاعات والأكاذيب المبرمجة سلفا ويقدمونها على أساس أنها حقائق ثابتة ومشهودة لمزيد دق إسفين الرعب والترهيب داخل المجتمع التونسي ويتمثل المحور الثالث في محاولة إنهاك الاقتصاد وتدميره وضرب مفاصله الرئيسية المكونة من الفلاحة والسياحة والقطاع التصديري خاصة الفسفاط وذلك وفق خطة منهجية لا يخطئها إلا أعمى البصيرة.

إن مأساة تونس خلال العقدين الاخيرين من حكم بن علي هو أن شهادة الانخراط في حزب التجمع المنحل أصبح أكثر أهمية من الشهائد الجامعية والأكاديمية على مستوى الانتداب والتوظيف والترقية المهنية مما فتح المجال واسعا لأن يتصدر المناصب المركزية والحساسة طبقة من المرتزقة والانتهازيين الذين لا دين لهم ولا ملة.

 

هذه الطبقة التي ليس من الممكن الاستغناء عنها بين عشية وضحاها باعتبار أنها متمكنة ومستحوذة على أغلب مفاصل جهاز الدولة ولها شبكة علاقات ممتدة في الداخل والخارج هي بالضرورة عدوة للثورة ولاستحقاقات الثورة لذلك تجدها تعمل كل ما في وسعها بطريقة خفية وأحيانا أخرى بطريقة جلية مكشوفة لتعطيل المسار الانتقالي باعتبار أن نجاح الثورة وتقدمها لتحقيق أهدافها تعني لهم بلا شك ولا ريب الأفول المحتوم و المصير المشئوم. 

 

 

إنها الدولة العميقة التي لا يمكن للسلطة الجديدة أن تستغني عنها كما لا يمكن أن تركن لها وهذا يمثل أقوى تحدي من التحديات التي تواجه الشعب التونسي فالنظام القديم دجن العقول وأقصى الكفاءات وفتح الطريق أمام الانتهازيين من السياسيين والإعلاميين وأدعياء الفكر والثقافة والأدب.

 

إن هؤلاء مستعدون للقيام بكل المحاولات الممكنة وغير الممكنة للدفاع عن حصونهم التي بنوها وآباؤهم خلال أكثر من نصف قرن من الزمن وذلك عن طريق الفساد والرشوة والمحسوبية وشراء ذمم الانفس الضعيفة ونحن رصدناهم خلال عامين من الثورة التونسية وهم بصدد استعمال نفس الأساليب والآليات التي أعتمدها نظام بن علي في التلون والكذب والتزوير وكان لهم الاعلام في ذلك خير سند وخير رفيق.

وليس من السهل أن يتم إرجاع البوصلة لطريقها الصحيح في ظل التجاذب السياسي المرضي والتراجع الاقتصادي والتأثير الاجنبي على دولة صغيرة مثل تونس التي عرفت تاريخيا بالانفتاح الفكري على كل حضارات العالم.

*من مقدمة كتاب

معالم الثورة المضادة في تونس

(تحت الطبع)

تأليف عادل السمعلي

[email protected]

[ratemypost]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

قد يعجبك ايضا

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More