وطن-تواجه بطولة ليف غولف، المدعومة من السعودية والتي أطلقت قبل سنوات لمنافسة جولة الغولف الأميركية للمحترفين، مرحلة هي الأصعب منذ تأسيسها، وسط تقارير عن استعدادها لإجراءات إفلاس محتملة بعد تراجع التمويل المقدم من صندوق الاستثمارات العامة السعودي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعيد فيه الرياض تقييم عدد من مشاريعها الكبرى وتراجع أولويات الإنفاق، فيما تواجه «ليف غولف» خسائر مالية كبيرة وضغوطاً متزايدة بشأن قدرتها على الاستمرار بالنموذج الذي اعتمدته منذ انطلاقها.
عروض تسوية للاعبين بمبالغ زهيدة
وقالت صحيفة فايننشال تايمز إن «ليف غولف» بدأت تقديم عروض تسوية لعدد من لاعبي الغولف الذين كانت عقودهم تتضمن مدفوعات مالية مضمونة بملايين الدولارات.
لكن قيمة التسويات المقترحة، وفق الصحيفة، تراجعت بصورة كبيرة مقارنة بالمبالغ التي كان اللاعبون يتوقعون الحصول عليها، لتصل في بعض الحالات إلى بضعة سنتات مقابل كل دولار من المستحقات الأصلية.
ويعكس ذلك حجم الأزمة المالية التي تواجه البطولة، خصوصاً مع عدم وجود مؤشرات واضحة على استمرار تدفق التمويل السعودي بالمستويات التي اعتادت عليها خلال السنوات الماضية.
إفلاس محتمل لإعادة هيكلة البطولة
وبحسب التقرير البريطاني، تستعد «ليف غولف» لاحتمال الدخول في إجراءات إفلاس منظمة، قد تُستخدم لإعادة هيكلة المشروع والتعامل مع الالتزامات المالية المتراكمة.
ولا يعني ذلك بالضرورة اختفاء البطولة نهائياً، إذ يمكن لإجراءات الإفلاس أن تكون وسيلة لإعادة ترتيب الديون والعقود والملكية، ثم إطلاق المشروع مجدداً بتكاليف أقل ونموذج مالي مختلف.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المشروع قد يدخل مرحلة جديدة تحت اسم «ليف 2.0»، في محاولة للحفاظ على البطولة والعلامة التجارية مع تقليص الالتزامات المالية الضخمة التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
تراجع الدعم السعودي يغيّر المعادلة
منذ إطلاق «ليف غولف»، كان صندوق الاستثمارات العامة السعودي القوة المالية الرئيسية خلف المشروع، الذي جذب مجموعة من أشهر لاعبي الغولف العالميين بعقود ضخمة. لكن المعادلة تبدو مختلفة الآن، مع تراجع استعداد الصندوق لمواصلة ضخ الأموال بالمستويات السابقة.
وكان ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة ورئيس مجلس إدارة «ليف غولف»، من أبرز الشخصيات المرتبطة بالمشروع منذ بدايته، فيما ظهرت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على إعادة النظر في هيكل البطولة ومستقبل قيادتها.
ويأتي ذلك بالتزامن مع مراجعة أوسع لعدد من المشاريع السعودية العملاقة، في ظل محاولة المملكة تحقيق توازن بين الإنفاق على المشاريع الطموحة والحفاظ على الاستدامة المالية.
مشروع رياضي كلف المليارات
كان إنشاء «ليف غولف» جزءاً من استراتيجية سعودية أوسع تهدف إلى تعزيز حضور المملكة في الرياضة العالمية، وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، وبناء نفوذ دولي من خلال استضافة واستقطاب الأحداث والنجوم الرياضيين.
لكن المشروع دخل منذ البداية في مواجهة مباشرة مع جولة رابطة لاعبي الغولف المحترفين الأميركية، بعدما قدم للاعبين عقوداً مالية ضخمة دفعت عدداً من كبار النجوم إلى مغادرة الجولة التقليدية.
ومن أبرز اللاعبين الذين انضموا إلى «ليف غولف» جون رام، وبرايسون ديشامبو، وفيل ميكلسون، وكاميرون سميث، في صفقات أثارت جدلاً واسعاً وغيرت شكل المنافسة في رياضة الغولف الاحترافية.
خسائر ضخمة تضغط على المشروع
وتشير تقديرات نقلتها «فايننشال تايمز» إلى أن خسائر «ليف غولف» خارج الولايات المتحدة تجاوزت 1.1 مليار دولار، بينما يُعتقد أن الخسائر داخل السوق الأميركية وصلت إلى مليارات إضافية.
وتكشف هذه الأرقام حجم الإنفاق المطلوب للحفاظ على البطولة منذ إطلاقها، خصوصاً في ظل العقود المرتفعة التي حصل عليها النجوم وتكاليف تنظيم البطولات والتوسع في الأسواق العالمية.
كما أن قدرة البطولة على تحقيق إيرادات تجارية تتناسب مع حجم الإنفاق بقيت موضع تساؤل، ما جعل استمرار الاعتماد على التمويل الخارجي أمراً أساسياً لبقائها بالنموذج الحالي.
«ليف 2.0».. محاولة لإنقاذ المشروع
في حال المضي في إجراءات إعادة الهيكلة، قد تتجه البطولة إلى نموذج مختلف تماماً عن الصيغة التي أطلقت بها. وتشير التقارير إلى إمكانية تقديم حصص ملكية للاعبين بدلاً من الاعتماد على العقود النقدية الضخمة التي ميزت المرحلة الأولى من «ليف غولف».
وقد يسمح هذا النموذج بخفض النفقات الثابتة، وتحويل اللاعبين من مجرد متعاقدين يحصلون على مبالغ مضمونة إلى شركاء لديهم مصلحة مباشرة في نجاح البطولة مستقبلاً.
لكن نجاح هذه الخطة سيعتمد على قدرة «ليف» على بناء نموذج تجاري أكثر استدامة، وجذب جمهور أكبر، وتحقيق إيرادات من الرعاية والبث وحقوق التسويق.
الأزمة تتزامن مع مراجعة المشاريع السعودية
لا تبدو أزمة «ليف غولف» منفصلة عن التحول الذي تشهده استراتيجية الاستثمار السعودية، فخلال الفترة الأخيرة، أعادت الرياض ترتيب أولويات عدد من المشاريع الضخمة، وقلصت أو أبطأت بعض الخطط التي كانت تتطلب استثمارات هائلة.
ومن بين المشاريع التي ارتبط اسمها بعمليات المراجعة مشروع «المكعب» في الرياض، إضافة إلى خطط أخرى مرتبطة بالسياحة والبنية التحتية والمشاريع الترفيهية.
وكان وزير المالية السعودي محمد الجدعان قد أكد في تصريحات سابقة أن المملكة مستعدة لإعادة تقييم المشاريع وفقاً للظروف الاقتصادية والأولويات المالية، في إشارة إلى أن بعض المشاريع قد تتغير جداولها أو أحجامها إذا اقتضت الحاجة.
هل تغيرت أولويات صندوق الاستثمارات العامة؟
يمثل صندوق الاستثمارات العامة أحد أهم أدوات التحول الاقتصادي السعودي، إذ ضخ خلال السنوات الماضية استثمارات ضخمة في الرياضة والتكنولوجيا والسياحة والترفيه والصناعة.
لكن المرحلة الجديدة تتطلب، على ما يبدو، التركيز بصورة أكبر على المشاريع القادرة على تحقيق عوائد اقتصادية طويلة الأجل، بدلاً من تمويل مشاريع ضخمة ذات تكلفة مرتفعة وعائد تجاري غير واضح.
ومن هنا تكتسب أزمة «ليف غولف» أهمية تتجاوز رياضة الغولف نفسها، لأنها قد تكون مؤشراً على الطريقة التي تعيد بها الرياض تقييم بعض استثماراتها العالمية.
مستقبل البطولة أمام اختبار حاسم
رغم الحديث عن الإفلاس المحتمل، لا يعني ذلك بالضرورة نهاية «ليف غولف». فقد يكون الهدف من إعادة الهيكلة تخفيض الديون والالتزامات وإعادة إطلاق البطولة في صورة أكثر كفاءة وأقل اعتماداً على التمويل المباشر.
لكن المشروع يواجه اختباراً صعباً: هل يستطيع التحول من بطولة تعتمد على الإنفاق الهائل لاستقطاب النجوم إلى مؤسسة رياضية تحقق إيرادات مستقلة ومستدامة؟
إذا نجحت خطة «ليف 2.0»، فقد تتحول الأزمة الحالية إلى نقطة انطلاق جديدة للبطولة. أما إذا فشلت إعادة الهيكلة، فقد تصبح «ليف غولف» أحد أبرز الأمثلة على حدود الإنفاق الرياضي الضخم في إطار مشاريع التحول الاقتصادي السعودي.
وفي الحالتين، فإن مستقبل البطولة سيكشف الكثير عن المرحلة الجديدة التي يدخلها الاستثمار الرياضي السعودي، بعدما انتقلت المملكة من سياسة الإنفاق السريع لجذب أكبر الأسماء العالمية إلى مرحلة أكثر تركيزاً على الكلفة والعائد والاستدامة المالية.
اقرأ المزيد
رؤية 2030 تحت الضغط.. هل تحولت مشاريع محمد بن سلمان إلى مقامرة بمليارات السعودية؟
السعودية تشدد الرقابة على التحويلات المالية إلى الإمارات وسط تصاعد التوتر بين البلدين
أخطر تحول في تاريخ الأراضي المقدسة.. السعودية تفتح مكة للاستثمار العالمي
3 مدن ملاهٍ و6 مليارات يورو.. مشروع ترفيهي سعودي ضخم قرب باريس يثير جدلاً سياسياً..

