وطن-في تطور ينذر بعودة التوتر إلى جبهة اليمن، تدرس السعودية عدة خيارات للتعامل مع جماعة الحوثي، بعد تصعيد لافت في تهديداتها ضد المملكة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي أي انزلاق عسكري جديد إلى إنهاء حالة “اللا حرب واللا سلم” التي استمرت خلال السنوات الأخيرة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان أشار، وفق ما نقلته عن مسؤولين أمريكيين وإقليميين، إلى أن الولايات المتحدة منحت الرياض هامشاً واسعاً للتحرك عسكرياً وتنفيذ ضربات هجومية ضد الحوثيين، غير أن القيادة السعودية لم تتخذ قراراً نهائياً حتى الآن بشأن طبيعة الرد.
وبحسب الصحيفة، فإن النقاشات الجارية قد تعكس وجود تباينات داخل دوائر الحكم السعودية بشأن كيفية التعامل مع تهديدات الحوثيين، خصوصاً في ظل اتساع رقعة التصعيد الإقليمي المرتبط بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتعرض فيه الهدنة غير المعلنة بين السعودية والحوثيين، التي صمدت لنحو أربع سنوات، لاختبار صعب بعد تبادل هجمات وتصريحات تصعيدية خلال الأيام الماضية، ما أعاد ملف الحرب في اليمن إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي.
وأضافت صحيفة “ميدل إيست آي” أن التوتر تصاعد مطلع الشهر الجاري بعد وصول طائرة إلى مطار صنعاء لنقل مسؤولين حوثيين للمشاركة في جنازة المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي قالت الصحيفة إنه اغتيل. واتهم الحوثيون السعودية بقصف مطار صنعاء لمنع الطائرة من العودة.
وعلى الرغم من أن الهدنة المدعومة من الأمم المتحدة بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية قد انتهت رسمياً، فإن الأطراف ظلت، حتى وقت قريب، ملتزمة بإطار غير معلن يتيح الرحلات الجوية إلى اليمن من عمّان في الأردن والقاهرة في مصر.
وكشفت الصحيفة، نقلاً عن مصادر أمريكية وإقليمية، أن الرحلة التي هبطت في صنعاء كانت تضم خبراء عسكريين من لبنان وإيران وسوريا والعراق، متخصصين في تقنيات الطائرات المسيرة والصواريخ. كما ضمت الرحلة المتجهة إلى إيران مسؤولين حوثيين كان مقرراً أن يخضعوا لتدريبات هناك، إلى جانب شخصيات سياسية بارزة في الجماعة.
ورد الحوثيون على الهجوم الذي استهدف مطار صنعاء بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه مدينة أبها جنوب غربي السعودية في وقت سابق من الأسبوع الجاري، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على ارتفاع مستوى المخاطر على الحدود السعودية اليمنية.
وأوضحت “ميدل إيست آي” أن أي عودة واسعة للقتال بين السعودية والحوثيين لن تؤدي فقط إلى تعميق الأزمة الإنسانية في اليمن، بل قد تهز أسواق الطاقة والاقتصاد السعودي، خصوصاً أن المملكة تتحرك بالفعل في بيئة إقليمية مضطربة بفعل الحرب مع إيران.
ومع محاولة إيران فرض نفوذها على مضيق هرمز، بات البحر الأحمر شرياناً رئيسياً لصادرات النفط السعودية. وتضخ المملكة نحو 4.5 ملايين برميل يومياً عبر البحر الأحمر من خلال خط الأنابيب شرق-غرب، ما يجعل أمن الملاحة في هذه المنطقة جزءاً أساسياً من أمن الطاقة السعودي والعالمي.
ونقلت الصحيفة عن الخبير اليمني المقيم في الولايات المتحدة محمد الباشا قوله: “لا أتمنى أن أكون سعودياً اليوم. لا يوجد حل سهل في اليمن”. وأضاف أن التوصل إلى اتفاق سلام مع الحوثيين قد يعني دفع مليارات الدولارات كتعويضات، بينما العودة إلى الحرب تحمل فرصاً متساوية تقريباً بين النجاح والفشل بالنسبة للسعودية.
وكان الحوثيون قد بدأوا شن هجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي قادته حركة حماس على جنوب إسرائيل، وقالت الجماعة حينها إن عملياتها تأتي تضامناً مع الفلسطينيين في غزة، وهو ما أكسبها تعاطفاً في قطاعات واسعة من العالمين العربي والإسلامي.
وبحسب ما أوردته ميدل إيست آي، أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عام 2025 بحملة قصف واسعة ضد الحوثيين، قبل أن يوقفها لاحقاً قبيل زيارة إلى الخليج، وذلك استجابة لضغوط سعودية، وفق ما كشفت الصحيفة في حينه. ومنذ هدنة مايو 2025 في البحر، التزم الطرفان إلى حد كبير بوقف الهجمات البحرية المتبادلة.
وعلى الرغم من أن الحوثيين أعلنوا رسمياً عدم مشاركتهم في الحرب التي اندلعت بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في فبراير، فإن مسؤولين خليجيين وأمريكيين تحدثوا إلى الصحيفة يعتقدون على نطاق واسع أن الجماعة كانت مسؤولة عن بعض الضربات البرية التي استهدفت السعودية.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن مسؤول أمريكي سابق قوله إن المشكلة الأكبر بالنسبة للطرفين تكمن في أن الهدنة الأممية “تجاوزت منذ فترة طويلة تاريخ صلاحيتها”، من دون أن يظهر بديل سياسي قادر على إنهاء الصراع أو الدفع نحو تسوية شاملة في اليمن.
يسيطر الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء ومعظم مناطق الشمال الغربي ذات الكثافة السكانية، بينما تدعم السعودية الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمتمركزة في عدن. وبين هذين المعسكرين، بقي اليمن عالقاً في حالة جمود سياسي وعسكري لم تنتج تسوية قابلة للحياة.
وقال إبراهيم جلال، وهو خبير مستقل في شؤون اليمن والخليج، للصحيفة إن حالة “اللا حرب واللا سلام” لم تقرّب الأطراف من أي تسوية سياسية. وأضاف أن الخطاب الحوثي المعادي للسعودية عاد إلى التصاعد بشكل واضح خلال الفترة الأخيرة.
وفي خطاب متلفز بث يوم الخميس، صعّد زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي تهديداته ضد السعودية، قائلاً إن “كل المنشآت النفطية والحيوية السعودية ستكون أهدافاً لصواريخنا وطائراتنا المسيرة إذا تورطت الرياض مجدداً في ضرب اليمن”. وأضاف: “مطارات مقابل مطارات، وموانئ مقابل موانئ، وحصار مقابل حصار”.
وفي المقابل، تسعى السعودية إلى تعزيز الدعم الأمريكي في ظل تصاعد المخاطر الإقليمية. فالمملكة، مثل دول خليجية أخرى، تعرضت لضربات من إيران رداً على الحرب الأمريكية الإسرائيلية، رغم أن الرياض كانت قد ضغطت على واشنطن لتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
وبحسب ما أوردته وكالة “رويترز”، حذرت باكستان الحوثيين من مهاجمة السعودية، علماً أن إسلام آباد ترتبط بمعاهدة دفاع مشترك مع الرياض، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات ودية مع طهران، ما يعكس حساسية التوازنات الإقليمية المحيطة بالأزمة اليمنية.
وفي مؤشر على تنسيق عسكري أمريكي سعودي، التقى نائب قائد القيادة المركزية الأمريكية، الفريق باتريك فرانك، رئيس هيئة الأركان العامة السعودي الفريق الأول فياض الرويلي في الرياض يوم الأربعاء. كما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في اليوم نفسه موافقتها على بيع 20 ألف نظام من أنظمة الأسلحة الدقيقة المتقدمة للسعودية.
وترى أوساط أمنية، وفق ما نقلته “ميدل إيست آي”، أن الضربات المتبادلة حتى الآن بين السعودية والحوثيين تبدو محسوبة بعناية، رغم ارتفاع سقف التهديدات. ويحذر بعض الخبراء من احتمال أن يلجأ الحوثيون إلى التصعيد عبر مضيق باب المندب، غير أن محمد الباشا استبعد هذا السيناريو في المرحلة الحالية.
وقال الباشا إن التسريبات الإعلامية الإيرانية والإسرائيلية تركز على باب المندب لمحاولة جر الولايات المتحدة إلى هذه المواجهة، لكنه أضاف أن الحوثيين لا يريدون ذلك. وتابع: “ترامب لديه بالفعل ما يكفي من المشاكل في مضيق هرمز”.
وبين تهديدات الحوثيين، وحسابات السعودية الأمنية، والتوتر الأمريكي الإيراني، يبدو ملف اليمن مرشحاً للعودة إلى صدارة الأزمات الإقليمية. غير أن القرار السعودي النهائي، سواء بالتصعيد أو الاحتواء، سيظل مرتبطاً بحسابات معقدة تشمل أمن الحدود، وأسواق النفط، ومسارات الحرب الأوسع في المنطقة.
اقرأ المزيد
السعودية تحت نيران الحوثي: هدنة السنوات الأربع انتهت والصواريخ تعود إلى الواجهة
قصف مطار صنعاء يهدد بانهيار التهدئة.. الحوثيون يتوعدون بالرد والسعودية تلتزم الصمت

