وطن-في خطوة وُصفت بأنها الأكثر تأثيراً خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أنقرة هذا الأسبوع، بدأت الولايات المتحدة رسمياً، الأربعاء، إجراءات شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وذلك بعد لقاء جمع ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في تركيا.
وقال موقع “ميدل إيست آي” إن الإعلان جاء بعد ساعات من اجتماع ترامب والشرع في مجمع بشتبه الرئاسي بالعاصمة التركية أنقرة، في مشهد سياسي يعكس تحولاً لافتاً في مسار العلاقات الأمريكية السورية، بعد سنوات طويلة من القطيعة والعقوبات والحرب الأهلية التي أنهكت سوريا على مدى 14 عاماً.
وتضم قائمة الدول الراعية للإرهاب حالياً أربع دول فقط، هي كوبا وإيران وكوريا الشمالية وسوريا، التي أُدرجت على القائمة منذ عام 1979. ويُعد بدء إجراءات شطب دمشق من هذه القائمة تحولاً قانونياً وسياسياً كبيراً، إذ يفتح الباب أمام تخفيف قيود واسعة كانت تعرقل إعادة إعمار سوريا وعودتها التدريجية إلى النظام الاقتصادي الدولي.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في بيان نقلته «ميدل إيست آي»، إن هذه الخطوة تمثل «إجراءً تاريخياً آخر من الرئيس ترامب لمنح الشعب السوري فرصة نحو مستقبل أفضل». وأضاف أن رفع العقوبات عن سوريا سيتيح تنشيط التجارة الدولية والاستثمار، ويمنح البلاد فرصة لإعادة البناء، ويفتح فصلاً جديداً أمام السوريين.
وتابع روبيو أن «سوريا مستقرة وموحدة، تعيش في سلام مع نفسها ومع جيرانها، لا تفيد المنطقة فحسب، بل العالم بأسره»، في إشارة إلى الرؤية الأمريكية الجديدة التي تربط بين استقرار سوريا ومصالح الأمن الإقليمي والدولي.
وبحسب ما أورده موقع “ميدل إيست آي”، فإن إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب ستؤدي بالدرجة الأولى إلى فك قيود التصدير المفروضة على المواد المرتبطة بالدفاع، كما ستسمح للولايات المتحدة بتقديم مساعدات خارجية أوسع، قد تشمل دعماً للجيش السوري وقوات الشرطة المحلية، في وقت تحاول فيه البلاد تجاوز آثار الحرب الطويلة.
ووصفت ناتاشا هول، الزميلة المشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد «تشاتام هاوس»، تأثير القرار على سوريا بأنه «زلزال سياسي واقتصادي». وقالت للموقع إن هذه الخطوة كانت تمثل «أحد آخر الحواجز أمام التعافي الاقتصادي في سوريا».
كما رحب المجلس السوري الأمريكي، الذي دفع بقوة باتجاه شطب سوريا من القائمة، بالقرار، معتبراً أنه يمثل إنجازاً مهماً. ونقل «ميدل إيست آي» عن ألبرتو هيرنانديز، مسؤول العمل الشعبي في المجلس، قوله إن الخطوة «انتصار واضح للسياسة الأمريكية من منظور الأمن القومي الأمريكي»، مضيفاً أن هذا هو «الطريق الصحيح للانخراط» مع سوريا.
ولبدء هذا المسار رسمياً، أخطر ترامب الكونغرس، الأربعاء، بنيته إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، وذلك بعد انتهاء فترة إخطار تمهيدية مدتها 45 يوماً، وهي خطوة إجرائية مطلوبة قبل المضي في التغيير القانوني.
وقالت ناتاشا هول لـ”ميدل إيست آي” إن المؤسسة الجمهورية في الكونغرس تميل غالباً، سواء رغبت في ذلك أم لا، إلى مجاراة ما تعلنه إدارة ترامب، مشيرة إلى أن هذا كان النمط السائد في معظم القضايا داخل الكابيتول هيل.
أما في المعسكر الديمقراطي، فقد كشفت الصحيفة أن السيناتورتين جين شاهين وإليزابيث وارن بعثتا برسالة مشتركة إلى ترامب الأسبوع الماضي، حثتاه فيها على إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، معتبرتين أن هذا التصنيف يمثل «أكبر عائق قانوني متبقٍ أمام إعادة إعمار سوريا». وتشغل شاهين موقع أبرز ديمقراطية في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أنه تلقى «ضمانات رسمية» من الرئيس السوري أحمد الشرع تفيد بأنه «لن يدعم أعمال الإرهاب الدولي في المستقبل»، وهي ضمانات بدت أساسية في تبرير التحول الأمريكي الجديد تجاه دمشق.
وجاء إعلان شطب سوريا من قائمة الإرهاب بعد ساعات فقط من إشادة نادرة أطلقها ترامب بحق الشرع، إذ وصفه بأنه «رائع» و«يحظى باحترام كبير»، وذلك خلال لقائهما على هامش قمة الناتو في أنقرة. وبحسب «ميدل إيست آي»، فإن الاجتماع نفسه يُعد مكسباً سياسياً كبيراً للشرع، الذي كان قد تعرّف إلى ترامب قبل أكثر من عام بقليل في الرياض، قبل أن يجد نفسه لاحقاً في المكتب البيضاوي يتبادل الهدايا مع الرئيس الأمريكي في نوفمبر.
ولفت الموقع إلى أنه لم يزر أي زعيم سوري البيت الأبيض منذ عقود، فضلاً عن أن يكون هذا الزعيم شخصية كانت مصنفة سابقاً من جانب الولايات المتحدة على أنها إرهابية، ما يضفي على اللقاء بعداً استثنائياً في تاريخ العلاقات بين واشنطن ودمشق.
وأوضحت ناتاشا هول أن الفرصة التي أتيحت الأربعاء جاءت في سياق الدور التركي البارز في صعود الشرع إلى السلطة منذ ديسمبر 2024، إذ تسعى أنقرة إلى وجود سوريا مجاورة ضمن مجال نفوذها السياسي والأمني.
وأضافت هول، في حديثها إلى “ميدل إيست آي”، أن احتضان ترامب السريع للشرع يُعد من أبرز خطوات السياسة الخارجية الأمريكية خلال العام الماضي، وربما خطوة لم يكن أي رئيس أمريكي آخر، ديمقراطياً كان أم جمهورياً، ليقدم عليها بالطريقة نفسها.
ومع أن معظم السوريين سيحتفون بإعلان شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ترى هول أن قطاعات واسعة من المجتمع المدني قد تشعر بخيبة أمل، لأن القرار لم يرافقه تركيز أكبر على قضايا مثل الشمول السياسي، والمساءلة، والملفات التي ناضل السوريون من أجلها طويلاً في مرحلة ما بعد حكم بشار الأسد.
وفي المقابل، قال ألبرتو هيرنانديز إن إعلان الأربعاء هو الطريق الوحيد لضمان مكاسب متبادلة، خصوصاً في ظل تحول تركيز إدارة ترامب نحو أمريكا اللاتينية والصين. وأضاف، بحسب «ميدل إيست آي»، أن استمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وما يتطلبه من تدخل عسكري أو سياسي أمريكي، يضر بجميع الدول المعنية، مؤكداً أن «سوريا قوية ومستقرة تخدم مصالح الأمن القومي الأمريكي».
ويأتي إلغاء التصنيف بعد الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب في 30 يونيو 2025، والذي وجّه بتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، استناداً إلى ما وصفته واشنطن بالتغييرات الإيجابية والإجراءات المرتبطة بمكافحة الإرهاب التي اتخذتها الحكومة السورية بقيادة الشرع، إضافة إلى الضمانات الرسمية التي قدمتها دمشق.
وختم روبيو بيانه بالقول إن اليوم يمثل «محطة مهمة في العلاقة الثنائية المتجددة بين الولايات المتحدة وسوريا، وفي تاريخ سوريا كدولة»، مشيداً بالحكومة السورية «لرسمها مساراً جديداً»، ومؤكداً تطلع واشنطن إلى تعزيز شراكتها مع سوريا وشعبها.
اقرأ المزيد
لماذا يتجاوز ماكرون وترامب ماضي الرئيس السوري الجهادي؟ حسابات السياسة والمصالح تتقدم..
لقاء ترامب والشرع في أنقرة.. مكسب سياسي للرئيس السوري ورسائل أمريكية تتجاوز قمة الناتو
اعتقال 225 ناشطاً وحظر صحف معارضة.. الوجه الآخر لقمة الناتو المشحونة في العاصمة التركية

