وطن-تتجه أنظار العواصم الغربية إلى أنقرة، حيث يستعد قادة دول حلف شمال الأطلسي لعقد واحدة من أكثر قمم الناتو حساسية خلال السنوات الأخيرة، في ظل أجواء سياسية وعسكرية مشحونة، يتصدرها غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من ضعف انخراط الحلفاء الأوروبيين في الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران، إلى جانب ملف زيادة الإنفاق الدفاعي داخل الحلف.
وقالت صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية إن قادة دول الناتو سيصلون إلى العاصمة التركية غداً، وسط إجراءات أمنية مشددة، وبعد يوم شهد توقيف الشرطة التركية عدداً من المتظاهرين المناهضين للحلف في أنقرة. وتأتي القمة في لحظة دقيقة، إذ ينتظر الحلفاء ما وصفته الصحيفة بـ”اختبار ترامب” لمدى التزامهم بتعهدات رفع الإنفاق العسكري.
وبحسب الصحيفة، يدخل الرئيس الأمريكي القمة وهو في حالة استياء واضحة من الأوروبيين، بعدما شعر بأن واشنطن تُركت شبه وحيدة في المواجهة العسكرية مع إيران، خصوصاً عقب التطورات الأخيرة في مضيق هرمز ووقف إطلاق النار الهش هناك. ومن المتوقع أن يراجع ترامب، خلال اجتماعات القمة، ما حققته الدول الأعضاء من تقدم في رفع مخصصاتها الدفاعية، بعد اتفاق قمة لاهاي العام الماضي على رفع الهدف إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
ونقلت “لا فانغوارديا” عن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قوله، خلال اجتماع وزراء دفاع الناتو الأخير في بروكسل، إن التقييم المقبل “ستفشل فيه بعض الدول، بينما ستنجح أخرى بدرجات عالية”. وكان هيغسيث قد وجّه انتقادات حادة للدول التي رفضت السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية في حملة ترامب ضد إيران، وفي مقدمتها إسبانيا وإيطاليا.
وأضافت الصحيفة أن غضب واشنطن لم يقتصر على مدريد، بل امتد أيضاً إلى روما، بعد موقف رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ما يجعلها من الشخصيات التي قد تتركز عليها الأنظار خلال القمة. وترى الإدارة الأمريكية أن بعض الحلفاء الأوروبيين لم يقدموا ما يكفي في لحظة تعتبرها واشنطن اختباراً حقيقياً للتضامن داخل الناتو.
وفي المقابل، تسعى بعض الدول إلى تهدئة الأجواء عبر إعلانات دفاعية جديدة قد تلقى ترحيباً من ترامب. وذكرت الصحيفة الإسبانية أن ألمانيا أعلنت في اللحظات الأخيرة استثمارات عسكرية إضافية، وتطمح إلى رفع إنفاقها الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال أربع سنوات، في خطوة قد تُعرض داخل القمة باعتبارها دليلاً على جدية برلين في تحمل أعباء أكبر داخل حلف شمال الأطلسي.
وبحسب ما أوردته “لا فانغوارديا”، حذّر السفير الأمريكي لدى الناتو ماثيو جي. ويتاكر، خلال مؤتمر صحفي قبل القمة، من أن الالتزامات الدفاعية يجب أن تُنفذ فعلياً، مشيراً إلى أن واشنطن مستعدة لمنح أفضلية في المشتريات والمناقصات العسكرية للدول الأكثر التزاماً بزيادة إنفاقها الدفاعي.
أما إسبانيا، فتظل في موقع حساس داخل هذه المعادلة. فقد نأت مدريد بنفسها العام الماضي عن إعلان لاهاي، بعدما اعتبر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، استناداً إلى حسابات القوات المسلحة الإسبانية، أن بلاده قادرة على تحقيق أهداف القدرات المطلوبة داخل الناتو عبر إنفاق دفاعي لا يتجاوز 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو المستوى الذي تقول مدريد إنها بلغته بالفعل خلال العام الجاري.
ومع ذلك، أوضحت الصحيفة أن سانشيز قد يسافر إلى أنقرة من دون توقعات بعقوبات فورية، بعدما أكد ويتاكر أن ترامب “محبط بوضوح” من موقف مدريد، سواء بسبب رفضها المساهمة في العملية ضد إيران أو تحفظها على هدف الـ5%، لكنه لا يريد تحويل قمة الناتو إلى منصة لإعلان إجراءات انتقامية ضد الدول المتمردة على سقف الإنفاق الدفاعي الجديد.
وتشير التوقعات، وفق الصحيفة الإسبانية، إلى أن نبرة القمة قد تكون أكثر هدوءاً وبناءً مقارنة بقمة العام الماضي. ويُنسب جانب من ذلك إلى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، الذي يتعرض أحياناً لانتقادات بسبب قربه الشديد من الرئيس الأمريكي ومحاولاته المتكررة لاسترضائه.
وخلال زيارته الأخيرة إلى البيت الأبيض، عرض روته أمام ترامب رسوماً بيانية قال إنها تثبت أن الأوروبيين والكنديين زادوا إنفاقهم الدفاعي بمقدار تريليون يورو منذ وصول ترامب إلى السلطة عام 2017، وهو ما وصفه البعض داخل أروقة الحلف بـ”تريليون ترامب”. وقال روته حينها للصحفيين في المكتب البيضاوي: “أريد أن أريكم ما استطاع هذا الرئيس تحقيقه”، مانحاً ترامب جزءاً كبيراً من الفضل، رغم أن هذه الزيادة تزامنت أيضاً مع الغزو الروسي لأوكرانيا وعودة التهديد العسكري المباشر إلى حدود الناتو.
وكشفت “لا فانغوارديا” أن البيان الختامي للقمة جرى الاتفاق عليه مسبقاً بين سفراء دول الحلف لتجنب أي مفاجآت سياسية خلال الاجتماعات. وبعد تحفظات أولية من إيطاليا وتركيا، وافق جميع الحلفاء يوم الجمعة على صيغة تتضمن عبارة واضحة مفادها أن “إيران لن تتمكن أبداً من امتلاك سلاح نووي”.
كما يتضمن البيان، بحسب الصحيفة، التزاماً بتقديم 70 مليار يورو إضافية لدعم أوكرانيا خلال هذا العام، مع تخصيص مبلغ مماثل لعام 2027. وتأتي هذه المبالغ من مصادر متعددة، بينها جزء سبق الإعلان عنه من خلال قرض ممول بسندات أوروبية مشتركة داخل الاتحاد الأوروبي، فيما سيأتي الجزء المتبقي عبر مساهمات ثنائية من الدول الحليفة.
لكن الولايات المتحدة، وفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية، لا تعتزم تقديم مساهمات مباشرة في هذا الإطار، بل تريد من الأوروبيين وكندا مواصلة شراء الأسلحة الأمريكية، خصوصاً أنظمة الدفاع الجوي، عبر مبادرة الناتو المعروفة باسم PURL، تمهيداً لإرسالها إلى كييف.
ومن المقرر أن يشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في اليوم الأول من القمة، كما فعل في قمة لاهاي العام الماضي. وسيكون الملف الأوكراني حاضراً بقوة خلال مأدبة عشاء مخصصة لأوكرانيا، في تأكيد جديد على أن الحرب الروسية الأوكرانية لا تزال بنداً مركزياً في حسابات حلف شمال الأطلسي، رغم صعود ملفات إيران والإنفاق الدفاعي إلى الواجهة.
أما اليوم الأهم في القمة فسيكون الأربعاء، حين يعقد القادة اجتماعاً مغلقاً يُتوقع أن يستخدمه ترامب لتوجيه رسائل مباشرة إلى الحلفاء الأوروبيين، وربما لتوضيح رؤيته بشأن تقليص الوزن العسكري الأمريكي في أوروبا، في مقابل التركيز على مسارح عمليات أخرى حول العالم.
وتصف الصحيفة هذا التوجه باسم “الناتو 3.0”، وهو مفهوم بدأ يأخذ طريقه إلى التنفيذ عبر سحب جزء من الموارد الأمريكية من نموذج قوات الناتو، أي منظومة السفن والطائرات المقاتلة والقدرات العسكرية المتاحة للحلف في حال وقوع هجوم. وطلبت واشنطن من كندا والحلفاء الأوروبيين تعويض النقص الناتج عن تقليص المساهمة الأمريكية، وهو ما تحقق إلى حد كبير حتى الآن، وفق تقديرات الحلف.
وعلى الرغم من التوترات، لا ترغب واشنطن في تعكير أجواء القمة بإعلان عقوبات أو إجراءات ضد الدول الرافضة لهدف الإنفاق الدفاعي البالغ 5%. لكن الرسالة الأمريكية تبدو واضحة: الدول التي تزيد إنفاقها وتشتري مزيداً من الأسلحة وتتحمل عبئاً أكبر داخل الناتو ستكون الأقرب إلى واشنطن في المرحلة المقبلة.
وتكتسب إحدى عبارات البيان الختامي أهمية خاصة في هذا السياق، وهي التأكيد مجدداً على أن “الهجوم على دولة واحدة هو هجوم على الجميع”. وتقول “لا فانغوارديا” إن إعادة تثبيت هذا المبدأ كتابةً تمنح الحلفاء الأوروبيين قدراً من الطمأنينة، بعدما أثار ترامب في أكثر من مناسبة تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع تلقائياً عن الدول التي يعتبر أنها لا تدفع ما يكفي داخل الناتو.
ومن المنتظر أن تبدأ التحركات الرسمية مساء اليوم بالمؤتمر الصحفي التقليدي للأمين العام مارك روته، قبل أن تفتح أنقرة غداً، وسط إجراءات أمنية مشددة، منتدى موازياً لدعم صناعة الدفاع. وتوقعت الصحيفة أن يشهد المنتدى الإعلان عن عقود عسكرية بعشرات مليارات الدولارات، في وقت تتحول فيه قمة الناتو إلى ساحة اختبار كبرى لمستقبل العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
اقرأ المزيد
من “جار مزعج” إلى “خطر وجودي”.. زلزال التحالفات يعيد تشكيل النظرة الإسرائيلية لتركيا
خريطة نفوذ جديدة.. “فورين بوليسي” تكشف كواليس اصطفاف إقليمي تقوده السعودية بمشاركة تركيا وباكستان
بعيداً عن ظل إسطنبول.. كيف تستعد “أنقرة الرمادية” لمفاجأة زوار قمة الناتو بنكهاتها وتاريخها؟

