وطن-تواجه روسيا، أكبر قوة مصدّرة صافية في العالم عند احتساب النفط والغاز معاً، مفارقة غير مسبوقة منذ بداية الحرب في أوكرانيا؛ فالدولة التي اعتادت تمويل اقتصادها وحربها من عائدات الطاقة بدأت تعاني نقصاً في الوقود، سواء للتصدير أو للاستهلاك المحلي.
وقالت وكالة “رويترز” إن موسكو اضطرت إلى استيراد نحو 50 ألف طن من البنزين من كازاخستان، كما طلبت شحنات وقود من الهند، في تطور يعكس حجم الضغوط التي فرضتها الهجمات الأوكرانية المتكررة على البنية التحتية النفطية الروسية، ولا سيما المصافي والمنشآت الحساسة المرتبطة بإنتاج البنزين والديزل.
في السنوات الأولى من الحرب، كانت الضربات الأوكرانية ضد منشآت الطاقة الروسية محدودة ومتفرقة، وغالباً ما تستهدف مواقع يمكن إصلاحها أو تعويضها سريعاً. لكن المشهد تغيّر خلال الفترة الأخيرة، مع انتقال كييف إلى استراتيجية أكثر دقة تعتمد على الطائرات المسيّرة بعيدة المدى لضرب نقاط يصعب استبدالها داخل منظومة التكرير الروسية.
وبحسب ما أورده سيرغي فاكولينكو، الخبير المخضرم في قطاع النفط الروسي والمحلل الرئيسي في مركز كارنيغي روسيا أوراسيا، فإن أوكرانيا لم تعد تركز على خزانات تخزين النفط الخام القابلة للاستبدال نسبياً، بل باتت تستهدف وحدات التقطير الأولي ومصانع التكسير، وهي قلب عملية تحويل النفط الخام إلى منتجات أخف مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات.
وتكمن خطورة هذه الضربات في أن وحدات التقطير والتكسير تعتمد على تقنيات ومعدات معقدة يصعب الحصول عليها في ظل العقوبات الغربية. ونتيجة لذلك، لا تزال روسيا تمتلك كميات هائلة من النفط الخام تحت الأرض، لكنها تواجه مشكلة متزايدة في تحويل هذا الخام إلى وقود قابل للاستخدام أو التصدير.
وأضافت وكالة “رويترز” أن موجة الهجمات الأوكرانية بين أبريل ومايو 2026 تسببت وحدها في إخراج نحو 700 ألف برميل يومياً من طاقة التكرير الروسية من الخدمة دفعة واحدة، وهو رقم ضخم بالنسبة لدولة تعتمد ميزانيتها العسكرية والاقتصادية على قطاع الطاقة.
ولم تعد المشكلة مقتصرة على حجم الأضرار، بل اتسعت إلى نطاق الضربات الجغرافي. ففي عام 2024 كان مدى الطائرات المسيّرة الأوكرانية لا يتجاوز في العادة 1200 كيلومتر، أما الآن فقد وصلت الهجمات إلى عمق أكبر داخل الأراضي الروسية. وقبل أسابيع فقط، ضرب سرب من المسيّرات مصفاة تابعة لشركة لوك أويل في مدينة بيرم، على مسافة تزيد على 1500 كيلومتر من خط الجبهة.
وكشفت تقارير غربية أن هذا التطور أربك حسابات الدفاع الجوي الروسي، ودفع موسكو إلى إجراءات استثنائية. فبموجب مرسوم أخير للرئيس فلاديمير بوتين، باتت المصافي الروسية، حتى تلك الواقعة في فلاديفوستوك على بعد أكثر من 7000 كيلومتر من أوكرانيا، مطالبة بتمويل أنظمة دفاع جوي خاصة بها لحماية منشآتها.
غير أن هذه الإجراءات فاقمت غضب شركات النفط الروسية، بعدما رفضت وزارة المالية السماح بخصم تكاليف أنظمة الدفاع الجوي من الضرائب، ما يعني أن المصافي ستتحمل أعباء مالية إضافية في وقت تتراجع فيه قدرتها على الإنتاج وتزداد فيه كلفة التشغيل.
وتشير وكالة “رويترز” إلى أن الأزمة دفعت الكرملين إلى اتخاذ خطوات لم تكن واردة قبل الحرب. فبعد العقوبات الغربية على النفط الروسي، تحولت الهند إلى أكبر مشترٍ للخام الروسي المخفض. لكن موسكو باتت الآن، بسبب تضرر أكثر من نصف مصافيها الكبرى وتوقف بعضها نتيجة نقص قطع الغيار الغربية، تستخدم عملاتها الصعبة لإعادة شراء نفطها من الهند بعد تكريره في صورة بنزين وبأسعار السوق العالمية.
أما كازاخستان، الجار النفطي المهم لروسيا، فقد وجدت نفسها في موقف بالغ الحساسية. فقد طلبت موسكو بشكل عاجل 50 ألف طن من البنزين كانت أستانا قد التزمت بتوريدها إلى أوروبا. لكن كازاخستان، وفق ما أوردته رويترز، تخشى التعرض لعقوبات أمريكية ثانوية أو لهجمات أوكرانية محتملة على خطوط أنابيبها، لذلك بررت تعذر تلبية الطلب الروسي بأن منشآتها تخضع لـ”صيانة دورية”.
في الداخل الروسي، بدأت أزمة الوقود تظهر بوضوح في الجبهة والمدن الكبرى على حد سواء. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن أكثر من ثلثي الأقاليم الروسية تعاني قيوداً على توزيع البنزين والديزل بدرجات مختلفة، وهي مؤشرات غير مألوفة في بلد يُعد من أكبر منتجي الطاقة في العالم.
في منطقة كورسك القريبة من الجبهة، تم تحديد حصة شهرية لا تتجاوز 20 لتراً من البنزين لكل مركبة. أما في شبه جزيرة القرم، وهي مركز لوجستي شديد الأهمية للعمليات العسكرية الروسية، فقد أدت الضربات الأوكرانية في مايو وحده إلى تدمير 30 صهريجاً، ما تسبب في تراجع حركة النقل العسكري بنسبة وصلت إلى 70%.
وبحسب تقارير نقلتها وسائل إعلام غربية، فإن إجراءات التقنين لم تعد محصورة بالمناطق القريبة من القتال، إذ وصلت إلى العاصمة موسكو نفسها، حيث جرى تطبيق حصص لتوزيع الوقود في محاولة لاحتواء نقص الإمدادات ومنع اتساع الأزمة داخل المدن الكبرى.
وعلى الورق، كان من المفترض أن يستفيد الكرملين من الارتفاع الحاد في أسعار النفط عالمياً. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز من جانب النظام الإيراني إلى قفزة في سعر برميل الخام من نحو 60 دولاراً إلى أكثر من 100 دولار، وهو مستوى كان في السابق كفيلاً بمنح روسيا متنفساً مالياً واسعاً.
لكن الواقع الاقتصادي جاء مخالفاً لتوقعات موسكو. فروسيا تنتج كميات أقل من النفط في الوقت الذي أصبحت فيه الأسعار أعلى، ما حدّ من قدرتها على الاستفادة من طفرة الأسعار. ووفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية، تراجع إنتاج روسيا بنحو 370 ألف برميل يومياً، كما باتت متأخرة بنحو 700 ألف برميل يومياً عن أهدافها المتفق عليها ضمن إطار “أوبك”.
ونتيجة لذلك، انخفضت إيرادات روسيا من النفط والغاز خلال عام 2026 بنسبة 40% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، في ضربة مباشرة لموازنة الدولة التي تعتمد على عائدات الطاقة لتمويل الإنفاق العسكري والبرامج الاجتماعية وتعويضات الحرب.
وأضافت تقارير دولية أن عودة العقوبات الأمريكية الثانوية بشكل أكثر صرامة شكلت ضربة إضافية لصادرات الخام الروسي. فقد خفضت شركات كبرى، بينها “ريلاينس إندستريز” الهندية، مشترياتها من النفط الروسي بشكل حاد، من 550 ألف برميل يومياً إلى نحو 150 ألف برميل فقط، خشية التعرض لعقوبات أو الاستبعاد من النظام المالي المعتمد على الدولار.
وتواجه موسكو أيضاً ما يمكن وصفه بـ”فخ الروبل”. فقد أبقى البنك المركزي الروسي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة للغاية من أجل كبح التضخم والحفاظ على مظهر الاستقرار المالي، ما جعل الروبل يبدو قوياً بشكل مصطنع.
لكن قوة الروبل لا تعني بالضرورة تحسن الوضع المالي للدولة. فروسيا تبيع ما تبقى من نفطها بالدولار، بينما تدفع رواتب الموظفين الحكوميين والمعاشات وتعويضات الحرب بالروبل. وكلما ارتفعت قيمة الروبل، حصلت الخزينة الروسية على كمية أقل من العملة المحلية مقابل كل برميل يتم تصديره، ما يزيد الضغط على العجز في الميزانية.
وبحسب تقديرات غربية، كان النفط والغاز يشكلان للكرملين وسيلة لتمويل الحرب في أوكرانيا من دون تحميل السكان المدنيين كلفة مباشرة وواضحة. لكن هذا التوازن بدأ يتآكل مع ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية، ما جعل الحوافز المالية التي تعرضها السلطات الروسية لتجنيد الجنود أقل جاذبية من السابق.
ونقلت تقارير عن وكالة استخبارات بريطانية أن روسيا، بعد تجاوزها حاجز المليون بين قتيل وجريح منذ بداية الحرب، بدأت تواجه صعوبات متزايدة في ملء مكاتب التجنيد. ومع تراجع عائدات الطاقة، وتضرر المصافي، واتساع أزمة الوقود، تبدو موسكو أمام معادلة أكثر تعقيداً: النفط لا يزال موجوداً، لكن القدرة على تحويله إلى مال ووقود ونفوذ باتت أقل مما كانت عليه قبل سنوات الحرب.
اقرأ المزيد
روسيا تدرس استيراد الوقود بعد الأوكرانية غير مسبوقة وضربات أوكرانية تطال المصافي
والدته تؤيد بوتين وهو “عميل أجنبي”.. قصة المخرج الروسي الذي فضح “عسكرة التعليم” في بلاده

