وطن-سلّطت دراسة علمية حديثة الضوء على اختلاف مهم في الطريقة التي يتعامل بها الأشخاص ذوو السمات التوحدية المرتفعة مع الأخطاء والمواقف الاجتماعية المحرجة، مشيرة إلى أنهم يميلون إلى الشعور بالخزي أكثر من الشعور بالذنب، وهو ما قد يجعلهم أكثر قسوة على أنفسهم بعد التعرض لأي موقف اجتماعي غير مريح.
ونشرت الدراسة في مجلة علم الأعصاب الشخصي، ونقلتها صحيفة سيكولوجيز، حيث بحث فريق من الباحثين العلاقة بين السمات المرتبطة باضطراب طيف التوحد، والمشاعر الاجتماعية، وأنماط الاتصال بين مناطق مختلفة في الدماغ.
الخزي والذنب.. مشاعر متشابهة لكنها مختلفة
وأوضح الباحثون أن الخزي والذنب ليسا شعوراً واحداً، رغم استخدامهما أحياناً بالمعنى نفسه في الحياة اليومية. فالشعور بالخزي يرتبط بنظرة سلبية إلى الذات، إذ يعتقد الشخص أنه “سيئ” أو غير مقبول، وهو ما قد يدفعه إلى الانسحاب من الآخرين أو تجنب المواقف الاجتماعية.
أما الشعور بالذنب، فيرتبط بسلوك محدد، إذ يدرك الشخص أنه ارتكب خطأً، ويكون أكثر ميلاً إلى الاعتذار أو إصلاح ما حدث وتجنب تكراره مستقبلاً.
دراسة على بالغين غير مشخصين بالتوحد
وأجرى الباحثون الدراسة في الجامعة الصينية في هونغ كونغ، وشملت 45 شاباً وشابة بمتوسط عمر يبلغ نحو 22 عاماً. وعلى الرغم من أن أياً من المشاركين لم يكن مشخصاً باضطراب طيف التوحد، فإن الباحثين قاسوا لديهم السمات التوحدية باستخدام مقاييس علمية معتمدة، لمعرفة ما إذا كانت هذه السمات ترتبط بطريقة مختلفة في اختبار مشاعر الخزي والذنب.
كما استخدم فريق البحث اختباراً نفسياً متخصصاً يقيس الاستجابات الانفعالية في المواقف الاجتماعية المختلفة، ولا سيما المشاعر المرتبطة بالوعي بالذات.
وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين سجلوا درجات أعلى في السمات التوحدية كانوا أكثر ميلاً إلى الشعور بالخزي، وأقل ميلاً إلى الشعور بالذنب مقارنة بغيرهم.
ماذا كشف تصوير الدماغ؟
ولم يقتصر البحث على الاستبيانات النفسية، بل خضع المشاركون أيضاً لتصوير الدماغ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أثناء الراحة، وهو فحص يتيح للباحثين دراسة كيفية تواصل مناطق الدماغ المختلفة مع بعضها بعضاً من دون تكليف الشخص بأي مهمة محددة.
وكشفت النتائج عن وجود ارتباط بين ارتفاع السمات التوحدية وأنماط اتصال في منطقة تُعرف باسم القطب الجبهي الأيمن، وهي منطقة تقع في مقدمة الدماغ وترتبط بالتفكير في الذات والتفاعل مع الآخرين.
كما رصد الباحثون ارتباطاً بين هذه المنطقة وعدد من المناطق الدماغية الأخرى، مثل الفص قبل الوتدي والقشرة الحزامية الخلفية والقشرة الجبهية الأمامية الوسطى، وهي مناطق تلعب دوراً مهماً في فهم الذات وتوقع أفكار الآخرين ومشاعرهم.
ورجح الباحثون أن اختلاف طريقة التواصل بين هذه المناطق قد يفسر ميل بعض الأشخاص ذوي السمات التوحدية إلى تفسير الأخطاء الاجتماعية على أنها دليل على وجود عيب في شخصيتهم، بدلاً من اعتبارها مجرد أخطاء يمكن تصحيحها.
كيف ينظر الشخص إلى نفسه؟
وأشار الباحثون إلى أن النتائج تنسجم مع الدراسات المتعلقة بما يعرف بـنظرية العقل، وهي القدرة على فهم ما يفكر فيه الآخرون أو يشعرون به.
ويرى الفريق العلمي أن الاختلاف في عمل الشبكات العصبية المسؤولة عن تمثيل الذات وفهم نظرة الآخرين قد يجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة لتحويل المواقف المحرجة إلى أحكام قاسية على أنفسهم.
وبعبارة أخرى، قد يقول شخص بعد ارتكابه خطأً اجتماعياً: “لقد أخطأت وسأحاول إصلاح الأمر”، بينما قد يرى شخص آخر أن الخطأ يعني أنه “شخص سيئ”، وهو فرق نفسي قد تكون له آثار كبيرة على الصحة النفسية.
الحاجة إلى مزيد من الدراسات
وعلى الرغم من أهمية النتائج، أكد الباحثون أن الدراسة لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين أنماط الاتصال في الدماغ والشعور بالخزي أو الذنب، لأنها اعتمدت على رصد العلاقات في فترة زمنية واحدة.
كما أشاروا إلى أن الدراسة شملت عدداً محدوداً من المشاركين، وجميعهم من شباب غير مشخصين باضطراب طيف التوحد، الأمر الذي يستدعي إجراء دراسات أوسع تشمل أشخاصاً مشخصين بالاضطراب، إضافة إلى فئات عمرية وثقافية مختلفة.
ويرى الباحثون أن فهم الفروق بين الخزي والذنب لدى الأشخاص ذوي السمات التوحدية قد يساعد مستقبلاً في تطوير برامج دعم وعلاجات نفسية تراعي طبيعة هذه المشاعر، وتشجع على التعامل مع الأخطاء الاجتماعية بوصفها مواقف يمكن تجاوزها، بدلاً من تحويلها إلى أحكام قاسية على الذات.
اقرأ المزيد
الأطفال الانطوائيون يكتسبون 8 صفات نادرة في مرحلة البلوغ وفق عالمة النفس جيسيكا ريبيرو
من الفوضى إلى الوضوح.. كيف يقوم عقلك بـ “غسيل عاطفي” لامتصاص صدمات وغضب النهار؟
كيف تعرف ما إذا كنت تعاني من الإجهاد المزمن وماذا تفعل لتخطيه والتغلب عليه؟

