وطن-بعد مرور 250 عاماً على إعلان استقلالها، تبدو الولايات المتحدة أمام مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها عودة النزعة الحمائية، وتصاعد الشكوك في الديمقراطية، وصعود الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة مؤثرة في الاقتصاد والحرب والحكم. وبينما تحتفل واشنطن بربع ألفية من عمر الجمهورية، يطرح الداخل الأميركي سؤالاً أكبر من المناسبة نفسها: إلى أين تتجه القوة الأولى في العالم خلال العقود المقبلة؟
وقالت صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية، في تقرير خاص من واشنطن، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عاد، عشية احتفالات الرابع من يوليو، إلى جبل راشمور، حيث نُحتت وجوه أربعة من أبرز رؤساء الولايات المتحدة: جورج واشنطن رمز الميلاد السياسي للدولة، وتوماس جيفرسون رمز التوسع، وأبراهام لينكولن رمز تحرير العبيد، وثيودور روزفلت رمز التنمية الاقتصادية وصعود القوة الأميركية.
وبحسب الصحيفة، فإن ترامب لم يُخفِ في أكثر من مناسبة رغبته في إضافة وجه خامس إلى الجبل، هو وجهه، في تعبير عن قناعته بأنه يقود ما يصفه بعودة الولايات المتحدة إلى “العظمة”. ورغم أن الحكم النهائي على إرثه سيبقى للأجيال المقبلة، فإن الواضح، وفق التقرير، أن أميركا دخلت بعد 250 عاماً من الاستقلال مرحلة جديدة ستحدد موقعها خلال الربع ألفية القادمة.
وأشارت صحيفة “لا فانغوارديا” إلى رسالة كتبها بنجامين فرانكلين عام 1780 إلى صديقه جوزيف بريستلي، مكتشف الأكسجين، قال فيها إن التقدم السريع للعلم الحقيقي يجعله يأسف أحياناً لأنه وُلد مبكراً، متسائلاً عن حدود قدرة الإنسان على التحكم في المادة بعد ألف عام. كان فرانكلين، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، عالماً وصحفياً ودبلوماسياً ومديراً للبريد، ومفتوناً بالمستقبل وبما يمكن أن تصنعه المعرفة من تحولات.
وترى الصحيفة الإسبانية أن هذا الخيال العلمي العملي كان من السمات التي طبعت الولايات المتحدة منذ نشأتها: روح الابتكار، والنزعة البراغماتية، والنظر إلى الأمام دون الارتهان الكامل للماضي أو التقاليد. لكن المفارقة أن البلاد، بعد مرور قرنين ونصف على توقيع إعلان الاستقلال في فيلادلفيا، تبدو في عهد ترامب وكأنها تُدفع إلى النظر خلفها أكثر من اندفاعها إلى المستقبل.
فشعار “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً”، الذي رافق ترامب طوال مسيرته السياسية، يقوم على سردية تفترض أن الولايات المتحدة كانت في زمن ما بلداً عظيماً ثم دخلت مرحلة انحدار بفعل التقدمية، والتردد الجيوسياسي، والهجرة. ووفق ما أوردته لا فانغوارديا، فإن أجندة ترامب السياسية والاقتصادية والخارجية تستدعي الماضي كثيراً في محاولة لإعادة إنتاج صورة إمبراطورية أميركية سابقة.
ومن بين أول القرارات التنفيذية في ولايته الثانية، أعاد ترامب اسم الرئيس وليام ماكينلي، الرئيس الخامس والعشرين للولايات المتحدة بين عامي 1897 و1901، إلى أعلى قمة في ألاسكا. وكان الرئيس الأسبق باراك أوباما قد غيّر اسمها إلى “دينالي”، وهي كلمة تعني “العالي” بلغة كويوكون المحلية، استجابة لطلب من الولاية. وتقول الصحيفة إن ترامب، سواء بدافع القناعة أو المصلحة السياسية، كثيراً ما يستحضر ولاية ماكينلي باعتبارها نموذجاً لـ”العظمة” التي يرى أن أميركا فقدتها.
وقال ترامب في خطاب تنصيبه الثاني، بحسب ما نقلته لا فانغوارديا، إن ماكينلي جعل البلاد “غنية جداً بفضل الرسوم الجمركية والموهبة”. ففي نهاية القرن التاسع عشر، وبعد فترة من الركود الاقتصادي، اعتمد ماكينلي سلسلة إجراءات حمائية رفعت متوسط الرسوم الجمركية إلى نحو 57%، وهي النسبة الأعلى في تاريخ الولايات المتحدة.
ولم يكن ماكينلي رمزاً للحمائية الاقتصادية فقط، بل ارتبط اسمه أيضاً بصعود النزعة التوسعية الأميركية. فقد حققت واشنطن في عهده انتصاراً سريعاً في الحرب الإسبانية الأميركية، انتهى باستحواذها على كوبا وبورتوريكو والفلبين وغوام. كما ضمت هاواي عام 1898، وبدأت في ذلك العهد الدراسات الأولية التي مهّدت لاحقاً لبناء قناة بنما.
وتضيف صحيفة “لا فانغوارديا” أن ترامب حاول في القرن الحادي والعشرين استعادة بعض ملامح تلك المرحلة، فدفع باتجاه أعلى رسوم جمركية تعرفها الولايات المتحدة منذ قرن، ليرتفع متوسط التعريفة إلى نحو 30%. غير أن معظم تلك الرسوم، وفق الصحيفة، اصطدمت بقرارات قضائية، بعدما لجأ ترامب إلى فرضها عبر إعلانات طوارئ، متجاوزاً صلاحيات الكونغرس، على خلاف ما جرى في حقبة ماكينلي.
وفي السياسة الخارجية، تورد الصحيفة أن ترامب لوّح، من دون نجاح حتى الآن، بأفكار تتعلق بضم غرينلاند وكندا وقناة بنما. كما أشارت إلى أنه خسر استراتيجياً حرباً استمرت أربعة أشهر مع إيران، وأنه قبض على رئيس فنزويلا، الدولة التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، ليجد في نائبته ديلسي رودريغيز حكومة أكثر قابلية للتطويع، وفق تعبير التقرير.
وتعود “لا فانغوارديا” إلى عام 1901، حين اغتيل ماكينلي برصاص الفوضوي ليون تشولغوش، لتؤكد أن الولايات المتحدة كانت آنذاك في بداية مسار طويل جعلها، بعد نصف قرن فقط، القوة الأولى في العالم. وجاء صعود الصناعة الأميركية في بيئة اتسمت بقدر من الأمن القانوني، عززه لاحقاً ثيودور روزفلت، وباستقرار جيوسياسي منحه موقع الولايات المتحدة بين محيطين ميزة دفاعية نادرة.
هذا المناخ، إلى جانب ثقافة تقبل المخاطرة وريادة الأعمال، أتاح ابتكارات كبرى غيّرت وجه العالم، من المصباح الكهربائي لتوماس إديسون إلى خط التجميع الصناعي لهنري فورد. وترى الصحيفة أن هذه الروح العملية والابتكارية كانت جزءاً أساسياً من القوة الأميركية، أكثر من مجرد التوسع أو فرض الرسوم.
كما لعبت الحربان العالميتان دوراً محورياً في صعود الولايات المتحدة. فقد حشدت واشنطن صناعتها على نطاق واسع لتزويد حلفائها، ثم دخلت الحربين في اللحظة الحاسمة، وخرجت منهما منتصرة فيما بقيت أراضيها شبه سليمة. وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبح الدولار عملة الاحتياط العالمية عبر اتفاقات بريتون وودز، واستفادت الولايات المتحدة من إعادة بناء أوروبا من خلال خطة مارشال.
وتؤكد صحيفة “لا فانغوارديا” أن التجارة الحرة، لا الحمائية، هي التي جعلت الولايات المتحدة القوة المهيمنة على النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. فبينما يستلهم ترامب تجربة ماكينلي في الرسوم والتوسع، فإن مرحلة الهيمنة الأميركية الحديثة قامت فعلياً على فتح الأسواق، وبناء المؤسسات الدولية، وترسيخ الدولار في قلب الاقتصاد العالمي.
لكن العالم الذي تقوده واشنطن لم يعد كما كان. فلم يعد ثنائياً كما في الحرب الباردة، ولا أحادياً كما تخيل فرانسيس فوكوياما عندما تحدث عن “نهاية التاريخ” بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فالصين باتت، بنموها الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، التحدي الأكبر للهيمنة الأميركية، بينما تطالب قوى أخرى مثل روسيا والاتحاد الأوروبي والهند وإندونيسيا بدور أكبر في إعادة تشكيل النظام العالمي.
وفي عام 2026، لا تزال روح بنجامين فرانكلين حاضرة في المجتمع الأميركي من خلال موجة الابتكار التكنولوجي المتسارعة. فشركات مثل مايكروسوفت وآبل وألفابت وأمازون باتت تمتلك نفوذاً يتجاوز حدود الدول، ويقترب مالكوها وكبار مسؤوليها من دوائر القرار السياسي، بما في ذلك محيط ترامب، بحسب ما أوردته لا فانغوارديا.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد انتقل خلال خمس سنوات فقط من تقنية تبدو هامشية إلى قوة لا يمكن تجاهلها. وتقول الصحيفة إن هذه التقنية بدأت بالفعل تؤثر في قرارات الحرب، وفي آليات الحكم، وفي مستقبل العمل والاقتصاد. ومع اتساع نفوذ الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة والعالم، يصبح السؤال حول من يتحكم في هذه الأدوات جزءاً من النقاش الأوسع بشأن مستقبل الديمقراطية الأميركية.
وتشير استطلاعات الرأي، وفق الصحيفة الإسبانية، إلى أن الأجيال الجديدة في الولايات المتحدة أصبحت أقل ثقة بالديمقراطية، وهي إحدى الركائز التي قامت عليها الجمهورية الأميركية. وفي المقابل، يتصرف ترامب بما يعكس هذا التحول، عبر عسكرة الشوارع، والتشكيك في الانتخابات، وتعزيز علاقاته مع أنظمة سلطوية.
وتخلص “لا فانغوارديا” إلى أن الوقت وحده سيكشف المسار الذي ستسلكه الولايات المتحدة في السنوات المقبلة. غير أن الولاية الثانية لترامب، في ظل عودة الحمائية، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتراجع الثقة بالديمقراطية، تبدو مرشحة لأن تُذكر باعتبارها نقطة تحول جديدة في تاريخ أميركا بعد 250 عاماً من الاستقلال.
اقرأ أيضاً
ترامب يصعّد حملة المهاجرين.. أكثر من 10 آلاف اعتقال خلال خمسة أيام وسط معركة دستورية جديدة
المليار الرقمي الأول.. كيف تفوقت ‘الميم كوينز‘ على عقارات وترامب في البيت الأبيض؟
سابقة تاريخية في نيويورك.. القضاء الأمريكي يستدعي ترامب بطلب من قضاة “الجنائية الدولية”

