وطن-في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة عقب الحرب الأخيرة مع إيران، تتزايد المؤشرات، وفق تحليلات غربية، على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وسط مساعٍ تقودها المملكة العربية السعودية لبناء شبكة جديدة من الشراكات تتجاوز الأطر التقليدية للتحالفات الخليجية.
وفي هذا السياق، رأت مجلة فورين بوليسي الأمريكية أن الرياض تتحرك نحو ما وصفته بـ”اصطفاف إقليمي جديد” يضم إلى جانبها قطر ومصر وتركيا وباكستان، في إطار تعاون يقوم على أولويات أمنية واقتصادية مشتركة، قد يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
تحول في مقاربة السعودية
وبحسب تحليل المجلة، فإن السياسة الخارجية السعودية لم تعد تقتصر على العمل ضمن المنظومة الخليجية التقليدية، بل أصبحت تعتمد على توسيع شبكة شراكاتها مع قوى إقليمية مؤثرة تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
ويرى التقرير أن هذا التقارب لا يمثل تحالفاً رسمياً حتى الآن، لكنه قد يشكل نواة لتكتل جديد يسعى إلى التعامل مع التحديات الإقليمية بصورة جماعية، خاصة في ظل المتغيرات التي فرضتها الحرب الأخيرة مع إيران وتبدل أولويات الأمن الإقليمي.
هدفان رئيسيان
ووفقاً للمجلة، يقوم هذا التقارب على هدفين أساسيين؛ أولهما تعزيز التنسيق الجماعي في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وثانيهما تبني مقاربة مشتركة للتعامل مع الدور الإسرائيلي، بدلاً من الاعتماد على سياسات منفردة أو اتفاقيات ثنائية.
ويرى التحليل أن هذه الرؤية تعكس توجهاً نحو بناء توازنات جديدة تقوم على المصالح المشتركة أكثر من اعتمادها على التحالفات التقليدية.
أدوار متباينة داخل الاصطفاف
وتشير فورين بوليسي إلى أن لكل دولة داخل هذا الاصطفاف المفترض دوراً مختلفاً. فـباكستان، بحسب التقرير، توفر ثقلاً عسكرياً مهماً بالنظر إلى قدراتها الدفاعية وموقعها الجيوسياسي، بينما تواصل تركيا تعزيز حضورها من خلال قطاع الصناعات الدفاعية وتنامي صادراتها العسكرية، إلى جانب دورها السياسي في عدد من الملفات الإقليمية.
أما قطر، فتبرز كوسيط دبلوماسي فاعل، خاصة في الاتصالات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، فضلاً عن دورها في ملفات إقليمية معقدة.
وفي المقابل، تواصل مصر لعب دور محوري في ملفات الأمن الإقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع مختلف الأطراف.
الإمارات خارج المشهد؟
ومن أبرز النقاط التي تناولها التحليل، اعتبار أن الإمارات العربية المتحدة لا تبدو جزءاً من هذا الاصطفاف الجديد.
ولا يعزو التقرير ذلك إلى وجود خلاف مباشر مع السعودية، وإنما إلى اختلاف في الرؤية الاستراتيجية تجاه عدد من القضايا الإقليمية.
فبحسب المجلة، تعتمد أبوظبي بصورة أكبر على شراكات أمنية ثنائية، وتحافظ على مسار مستقل في علاقاتها الإقليمية، بما في ذلك تعاونها مع إسرائيل، وهو ما يختلف عن النهج الذي ترى المجلة أن الرياض تسعى إلى بلورته ضمن إطار جماعي أوسع.
تنافس اقتصادي متصاعد
ولا يقتصر التباين، وفق التقرير، على الملفات السياسية والأمنية، بل يمتد أيضاً إلى الجانب الاقتصادي، حيث تتنافس السعودية والإمارات بصورة متزايدة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز مكانتهما كمراكز مالية وتجارية إقليمية، إلى جانب التنافس في مشاريع التحول الاقتصادي والتنمية.
ويرى التحليل أن هذا التنافس لا يلغي مستوى التعاون القائم بين البلدين، لكنه يعكس اختلافاً في الأولويات والاستراتيجيات الاقتصادية.
مرحلة جديدة أم قراءة تحليلية؟
وعلى الرغم مما تطرحه فورين بوليسي من مؤشرات على تشكل اصطفاف إقليمي جديد، فإن المجلة تؤكد أن الأمر لا يتعلق بتحالف رسمي أو معلن، وإنما بقراءة تستند إلى التطورات السياسية والأمنية الأخيرة، وإلى طبيعة العلاقات المتنامية بين هذه الدول.
وفي ظل استمرار التحولات الإقليمية، يبقى من المبكر الجزم بما إذا كانت هذه المؤشرات ستتطور إلى تحالف دائم، أم أنها تمثل مجرد مرحلة من إعادة ترتيب العلاقات في منطقة تشهد تغيرات متسارعة.
ويرى مراقبون أن السنوات المقبلة ستكون كفيلة بتحديد ما إذا كانت هذه الشراكات ستتحول إلى إطار إقليمي مؤسسي، أم ستظل تعاوناً مرناً تفرضه التحديات المشتركة، في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
اقرأ المزيد
عبد العزيز الخميس يهاجم محمد بن سلمان من داخل إسرائيل ويدعو إلى تغيير القيادة السعودية
تخصيب اليورانيوم بين الرياض وواشنطن: لماذا ترفض السعودية تكرار “النموذج الإماراتي” النووي؟

