وطن-حملت الزيارة الرسمية الثانية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان رسائل سياسية وأمنية تتجاوز بكثير جدول اللقاءات البروتوكولية المعلن. فاللقاء الذي جمعه برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، حليف حزب الله الأبرز في الداخل اللبناني وزعيم حركة أمل، بدا بمثابة إشارة واضحة إلى أن دمشق الجديدة تفضّل الحوار والتنسيق الحدودي على أي خيار عسكري داخل لبنان.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي“ البريطانية إن زيارة الشيباني إلى بيروت جاءت في توقيت حساس، بعد سلسلة تصريحات مثيرة للجدل للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ألمح فيها إلى إمكانية أن يُطلب من سوريا “التعامل” مع حزب الله، وسط ضغوط متزايدة على دمشق للعب دور في مواجهة الحزب اللبناني.
وبحسب الصحيفة، فإن لقاء الشيباني مع بري، في الثاني من يوليو 2026، لم يكن تفصيلاً عابراً، خصوصاً أن الزيارة الأولى لوزير الخارجية السوري إلى لبنان، بعد سقوط نظام بشار الأسد، لم تتضمن اجتماعاً مع رئيس البرلمان اللبناني. هذه المرة، بدا أن دمشق أرادت إيصال رسالة أكثر وضوحاً إلى بيروت: لا نية للتدخل العسكري في لبنان، ولا رغبة في فتح جبهة جديدة مع حزب الله.
بالنسبة إلى لبنان، وفّرت الزيارة قدراً إضافياً من الطمأنة بأن الإدارة السورية الجديدة لا تعتزم الاستجابة للضغوط الأميركية عبر تدخل عسكري في الأراضي اللبنانية. أما بالنسبة إلى دمشق، فقد كانت الزيارة فرصة لشرح حجم الضغوط التي تتعرض لها، والتنبيه إلى أن حزب الله يمكنه المساعدة في منع التصعيد، عبر معالجة التوترات القائمة على الحدود اللبنانية السورية.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن مسؤول لبناني رفيع التقى الشيباني خلال الزيارة قوله إن التحرك جرى بالتنسيق مع الجانب اللبناني لإرسال رسالة أوضح بشأن نوايا سوريا. وأضاف المسؤول أن الزيارة كانت “ضرورية جداً لطمأنة لبنان وتخفيف المخاوف من احتمال تدخل عسكري تدفع باتجاهه الولايات المتحدة”.
وأوضح المسؤول اللبناني، وفق ما أوردته الصحيفة، أن الرسالة المطمئنة التي وجّهها الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مقابلة تلفزيونية كانت “مؤشراً إيجابياً”، لكن زيارة وزير الخارجية إلى بيروت حملت رسالة أقوى مفادها أن الإدارة السورية الجديدة “لا تشكل تهديداً للدولة اللبنانية أو لسيادتها”.
نبيه بري يدخل على خط الحوار بين دمشق وحزب الله
يمثّل إدراج نبيه بري في جدول لقاءات الشيباني تحولاً لافتاً في مقاربة دمشق للملف اللبناني. فبري احتفظ تاريخياً بعلاقات وثيقة مع سوريا، بما في ذلك خلال حكم بشار الأسد، ورغم أنه عارض تدخل حزب الله العسكري في الحرب السورية، فإن موقعه بوصفه رئيساً لأكبر حركة سياسية شيعية في لبنان، وأقرب حلفاء الحزب داخلياً، يجعله وسيطاً طبيعياً بين حزب الله والقيادة السورية الجديدة.
وكشفت “ميدل إيست آي” أن اختيار الشيباني مقر بري للإدلاء بأحد أوضح تصريحاته العلنية بشأن حزب الله لم يكن مصادفة. فعندما سُئل وزير الخارجية السوري عن موقف بلاده من الحزب، قال: “إذا اقتضت المصلحة الوطنية اللقاء مع حزب الله، فنحن منفتحون على ذلك”.
وجاء هذا التصريح منسجماً مع مواقف سابقة للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي أكد أن دمشق مستعدة للتواصل مع جميع الأطراف اللبنانية، بما في ذلك حزب الله، إذا كان الحوار يخدم مصالح البلدين. وفي المقابل، رصدت الصحيفة تراجعاً تدريجياً في حدة خطاب حزب الله تجاه السلطات السورية الجديدة.
فقد دعا الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، في أكثر من مناسبة، إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع دمشق. كما أشار القيادي البارز في الحزب نواف الموسوي علناً إلى الرئيس السوري بعبارة “الأخ أحمد الشرع”، في تحول لافت مقارنة بالمرحلة السابقة، حين كان الحزب يتعامل معه بوصفه “أبو محمد الجولاني”، الاسم الحركي الذي استخدمه أثناء قيادته لهيئة تحرير الشام، المنبثقة عن تنظيم القاعدة.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن مسؤول رفيع في حزب الله قوله إن الظروف نضجت الآن إلى حد لم يعد معه هناك مبرر لتأجيل الاتصال المباشر. وأضاف المسؤول: “المطلوب الآن هو المبادرة. هناك فرصة لتعزيز العلاقة وتنظيمها”.
وأشار المسؤول، وفق الصحيفة، إلى أن تركيا، التي تربطها علاقة وثيقة بالإدارة السورية الجديدة، قد تلعب دوراً في ترتيب لقاء أولي بين الجانبين، بما يفتح الباب أمام حوار مضبوط لا يعني بالضرورة تحالفاً، بقدر ما يعكس حاجة أمنية وسياسية لتفادي الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
ضغوط أميركية وتصريحات ترامب تثير القلق في لبنان
تزامنت زيارة الشيباني مع تصاعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال اضطلاع سوريا بدور ضد حزب الله. وكانت الفكرة قد ظهرت للمرة الأولى في مقابلة مع برنامج “Meet the Press” على شبكة NBC، سُجلت في الخامس من يونيو وبُثت بعد يومين، حين دعا ترامب إلى مقاربة أكثر “جراحية” في التعامل مع حزب الله، قائلاً إن واشنطن يمكنها المساعدة أو “أن توصي بسوريا”.
وقالت “ميدل إيست آي” إن ترامب امتدح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال تلك المقابلة، زاعماً أنه “سيحب أن يساعد”، من دون أن يوضح ما إذا كان يقصد تدخلاً عسكرياً سورياً، أو دوراً دبلوماسياً، أو ممارسة ضغط على حزب الله عبر الحدود.
لكن الرئيس الأميركي كان أكثر وضوحاً خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا في 16 يونيو، عندما قال للصحافيين: “اقترحت على إسرائيل أن تترك سوريا تتولى أمر حزب الله، لأنني، بصراحة، أعتقد أنهم سيقومون بذلك بشكل أفضل”. كما انتقد ترامب أداء إسرائيل في حربها على لبنان، معتبراً أنها استغرقت وقتاً طويلاً في محاولة هزيمة حزب الله، وتسببت في سقوط عدد كبير من المدنيين وتدمير مبانٍ سكنية واسعة.
وفي اليوم التالي، أكد ترامب أنه بحث ملف حزب الله شخصياً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، لكنه رفض الإفصاح عما إذا كان الأخير قد وافق على اتخاذ خطوات عملية. وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن تكرار هذه التصريحات أثار مخاوف جدية في لبنان من أن واشنطن تسعى إلى جرّ سوريا إلى الصراع، وفتح جبهة جديدة ضد حزب الله من الشرق أو الشمال الشرقي.
ما الذي قاله الشيباني لنبيه بري؟
بحسب معلومات أوردتها “ميدل إيست آي”، فقد نوقشت هذه المخاوف بالتفصيل خلال اجتماع مغلق استمر 45 دقيقة بين أسعد الشيباني ونبيه بري. ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع على مضمون اللقاء أن وزير الخارجية السوري أبلغ رئيس مجلس النواب اللبناني بأن دمشق تواجه ضغوطاً أميركية مكثفة للتدخل عسكرياً ضد حزب الله على طول الحدود الشمالية الشرقية.
ووفق المصدر نفسه، عبّر الشيباني عن انزعاجه من أن حزب الله لا يقوم بما يكفي لمساعدة دمشق على مقاومة هذه الضغوط. وتركز النقاش خصوصاً على وجود مواقع تابعة لحزب الله في مناطق حدودية متنازع عليها، لا تزال خارج السيطرة الفعلية للدولة السورية.
وقال المصدر للصحيفة إن الشيباني أوضح لبري أن نقل السيطرة على هذه المواقع إلى الجيش اللبناني من شأنه خفض التوتر، وسحب إحدى الذرائع الرئيسية من دعاة الخيار العسكري. كما طرح احتمال أن يلعب بري، في المرحلة الأولى، دور الوسيط غير المباشر بين الطرفين.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن المصدر أن الشيباني قال خلال اللقاء: “الإدارة السورية لا تريد تصعيد التوتر السني الشيعي، لأن المنطقة لا تحتمل مزيداً من الدماء. إذا خسرتم، نخسر معكم. لا نريد ذلك، وهذا ليس كلاماً إنشائياً”.
تكشف هذه العبارات، بحسب قراءة الصحيفة، أن دمشق تنظر إلى أي مواجهة محتملة مع حزب الله باعتبارها أزمة تتجاوز الحدود اللبنانية. فرغم التاريخ المعقد والعدائي بين حكام سوريا الجدد والحزب اللبناني، يبدو أن المسؤولين السوريين يخشون أن تؤدي حملة عسكرية إلى تعميق الانقسامات الطائفية داخل سوريا، وزعزعة المناطق الحدودية، وجر دمشق إلى صراع يصعب التحكم بمساره.
طمأنة سياسية وطلب أمني في الوقت نفسه
كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد حاول، في مقابلة مع قناة “المشهد” في 21 يونيو، احتواء الجدل الذي أثارته تصريحات ترامب. وقال إن كلام الرئيس الأميركي فُسّر خطأ وكأنه يعني أن الجيش السوري سيدخل لبنان “صباح الغد”.
وأوضح الشرع أن النقاشات مع واشنطن ركزت على كيفية مساهمة سوريا في إيجاد حل آمن وسلمي، لا على غزو لبنان. وأضاف: “رؤيتنا تقوم على دعم الدولة اللبنانية مجدداً، وتعزيز مؤسساتها، والسعي إلى حل يؤمن به الجميع. نحن نبحث عن قنوات اقتصادية بين لبنان وسوريا، لا قنوات عسكرية”.
وبحسب “ميدل إيست آي”، أكد الشرع أيضاً استعداد دمشق للقاء حزب الله، رغم ما وصفه بـ”الجرح السوري العميق” الذي خلّفه دور الحزب في دعم نظام الأسد خلال الحرب السورية.
من هذا المنطلق، جاءت زيارة الشيباني لتؤكد الطمأنة السياسية، لكنها حملت في الوقت نفسه طلباً واضحاً: تريد دمشق من حزب الله ومن الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات على الحدود تساعد سوريا على مقاومة الضغوط الأميركية، وتثبت أن المناطق الخلافية يمكن إخضاعها لسلطة الدولة المعترف بها، من دون الحاجة إلى أي تدخل عسكري سوري.
لذلك، لم يكن حضور نبيه بري في الزيارة تفصيلاً بروتوكولياً. فبوصفه أقرب حلفاء حزب الله، والمسؤول اللبناني الأكثر قدرة على التواصل مع الحزب ومع عواصم إقليمية في الوقت ذاته، قد يتحول بري إلى القناة الأساسية التي يمكن عبرها لسوريا وحزب الله إعادة تعريف علاقتهما بحذر.
لم تُفضِ الزيارة إلى لقاء رسمي مباشر بين مسؤولين سوريين وحزب الله، لكنها أظهرت أن الطرفين يبتعدان تدريجياً عن القطيعة الكاملة، ويتجهان نحو حوار مضبوط تفرضه الضرورات الأمنية على الحدود اللبنانية السورية.
وبالنسبة إلى دمشق، قد يكون هذا الحوار الوسيلة الأفضل لتجنب الانزلاق إلى دور عسكري لا تريده. أما بالنسبة إلى حزب الله، فقد يشكل قناة ضرورية لمنع تحوّل الحدود الشرقية مع سوريا إلى جبهة جديدة في حملة إقليمية متصاعدة ضده.
اقرأ أيضاً
احتجاجات في بيروت ضد اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.. وحزب الله يرفض نزع السلاح
الشرع يكسر الصمت: جرحنا من حزب الله عميق.. ونبحث عن قنوات اقتصادية لا عسكرية مع لبنان
ترامب يمنح دمشق “الضوء الأخضر” لاجتياح لبنان ونزع سلاح حزب الله!
“ليس بلدكم”.. جوزاف عون يكسر الصمت ويوجه الرسالة الأقسى لإيران وحزب الله

