القاهرة – وطن – في غرفة التحكم بهيئة قناة السويس، كان الرجال يحدّقون في شاشات الرادار، يتتبعون الأيقونات الصفراء الصغيرة التي تمثل سفنًا تقترب ببطء من الممر المائي الأشهر في العالم.
ظهرت السفينة أمالثيا أسفل الشاشة، عملاق فولاذي محمّل بجبال من الحاويات، ينساب بهدوء من البحر المتوسط نحو البحر الأحمر.
لكن هذا العبور الهادئ، كما تصفه صحيفة واشنطن بوست ، يخفي وراءه واحدة من أعنف الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية التي ضربت مصر منذ عقود.
بدأت الأزمة في خريف 2023، عندما شرع الحوثيون في اليمن في مهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر، ردًا على الحرب الإسرائيلية في غزة.
الخطر كان مباشرًا. شركات الشحن الكبرى قررت الابتعاد عن البحر الأحمر بالكامل، واختارت الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح جنوب أفريقيا.
النتيجة، بحسب تقديرات مسؤولين مصريين نقلتها واشنطن بوست:
خسارة نحو 13 مليار دولار من رسوم العبور خلال عامين فقط.
عملة صعبة كانت مصر في أمسّ الحاجة إليها.
وبينما كانت سلاسل الإمداد العالمية ترتبك، كشف الحوثيون – المدعومون من إيران – مدى هشاشة اقتصاد أكبر دولة عربية سكانًا أمام صدمة خارجية واحدة.
هذا الألم الاقتصادي، تقول الصحيفة، كان أحد الدوافع الخفية وراء اندفاعة مصر الدبلوماسية للتوسط في وقف الحرب على غزة.
في أكتوبر الماضي، نجحت القاهرة في استضافة اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس.
ومع الهدنة، بدأت مصر حملة واسعة لاستعادة شركات الشحن.
حوافز مالية. خدمات لوجستية جديدة. رسائل طمأنة أمنية.
وبحسب حازم يوسف ، كبير مراقبي الحركة في هيئة القناة، عبرت القناة بعد الهدنة في المتوسط 45 سفينة يوميًا ، مقارنة بـ 35 سفينة قبل الهدنة .
لكن الرقم لا يزال بعيدًا عن 70 سفينة يوميًا وهو المعدل الطبيعي قبل حرب غزة.
بعض الشركات الكبرى عادت. أخرى ما زالت تنتظر. فالهدنة في نظرها… هشة.
تعود واشنطن بوست إلى الجذور: قناة السويس افتُتحت عام 1869، بُنيت بأيدي عشرات الآلاف من العمال المصريين في ظروف قاسية.
ثم أممها جمال عبد الناصر عام 1956، لتتحول من مشروع استعماري إلى رمز سيادة ومصدر دخل قومي .
اليوم، يقول تيموثي كالداش من معهد سياسات الشرق الأوسط في واشنطن:
“قناة السويس شريان حياة لجلب الدولارات التي تمول الغذاء وتسدد ديون الدولة”.
سفينة حاويات واحدة قد تدفع قرابة مليون دولار لعبور القناة.
في 2015، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع توسعة القناة بكلفة 8.6 مليارات دولار .
نجحت الخطة. وبحلول 2023 حققت القناة إيرادات قياسية بلغت 10.2 مليارات دولار . وكان يمر عبرها ما بين 12 إلى 15% من التجارة البحرية العالمية .
في نوفمبر 2023، استولى الحوثيون على سفينة Galaxy Leader ، واحتجزوا طاقمها.
وقال الفريق أسامة ربيع ، رئيس هيئة القناة:
“منذ حادثة غالاكسي ليدر، عرفنا أن النار ستصل إلى البحر الأحمر… وكان الأمر كحريق ينتشر”.
وبحسب بيانات ACLED، نفّذ الحوثيون خلال عامين:
قفزت أقساط التأمين. وابتعدت السفن. وخسرت مصر موردها الأهم.
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نفّذا ضربات ضد الحوثيين. هدوء مؤقت. ثم عاد التصعيد.
في يوليو، أغرق الحوثيون سفينتين إضافيتين، وقُتل أربعة بحّارة.
“العجز الذي سببه البحر الأحمر دفع مصر بكل قوتها نحو وقف حرب غزة”.
وعندما تحقق وقف النار في أكتوبر، قال مسؤول مصري رفيع للصحيفة:
“سنستعيد كامل إيرادات القناة… وسنهتم ببلدنا أخيرًا”.
اليوم، تعمل هيئة القناة على استمالة شركات الشحن عبر:
كما تطوّر مصر منطقة اقتصادية خاصة حول القناة لجذب الاستثمارات الصناعية.
شركة CMA CGM الفرنسية أعادت بعض خطوطها. شركة ميرسك الدنماركية أعلنت استئناف أحد خطوطها بين الهند وأميركا عبر القناة.
لكن شركات كبرى مثل MSC وHapag-Lloyd ما زالت مترددة بسبب الغموض الأمني.
وقال نيل روبرتس من سوق لويدز للتأمين البحري:
“الخصم لا يشرح للأرامل لماذا قُتل البحّارة”.
حين سُئل أسامة ربيع عن احتمال عودة الحرب، ضحك وقال:
لكن الحوثيين أعلنوا صراحة: إذا عادت الحرب على غزة… ستعود الهجمات.
بل أكثر من ذلك، كما يقول محللو ACLED، أي صدام بين إيران وإسرائيل أو أميركا يعني تلقائيًا نارًا جديدة في البحر الأحمر .
مصر لا تحاول فقط إنقاذ قناة. بل تحاول إنقاذ شريان حياتها الاقتصادي .
بين هدنة هشة، وحوثي متقلب، وشركات تخشى المخاطرة…
إما عودة السفن… أو غرق مورد الدولة الأهم.
