بعد ربع قرن على ولادتها آلت () إلى حفنة عظام تقرقع داخل شِوَال تحمله قيادة على ظهرها في حِلها وترحالها .

 

كان من المنصوص عليه في هذه الإتفاقية التي أبرمها الجانبان الفلسطيني والصهيوني في حديقة (13 ـ 9 ـ 1993) أن تبدأ مفاوضات (الوضع النهائي) بعد ثلاثة سنين من إقرارها، أي في العام (1996)، وأن تنتهي في العام (1999)، وبالفعل جرت مباحثات ونقاشات وجلسات (عصف فكري) علنية وسرية مشتركة في هذا الشأن وغيره حتى قبل التواريخ المحددة كما نصت عليها (إتفاقية أوسلو)، لكن دهاقنة العقلية الصهيونية المخادعة أبَوْا إلا أن يتفوقوا في مكرهم وتحايلهم ومراوغاتهم على أبطال قصة البقرة التعجيزية كما وردت في (سورة البقرة)، فكانت هناك بوحي من تلك القصة إتفاقية طابا (أوسلو 2) في العام (1995) والتي خاضت في التفاصيل الأدق من الدقيقة قدر تعلق الأمر ببنود الإتفاقية الأولى وملحقاتها، سواء تلك المعنية بالإنسحابات الصهيونية المجدولة من الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد الخامس من حزيران (1967) أو الترتيبات الإدراية والتنظيمية المشتملة على حزمة نقاط تفصيلية تبدأ من هيكلة السلطة الفلسطينية ولا تنتهي بالإلتزامات والتعهدات الأمنية المتبادلة.

 

ثم وعلى ذات منهاج (قصة البقرة) كانت هناك إتفاقية (واي ريفر ـ 1998) التي كرست مفهوم () على طريقة السّفاح نتنياهو التي تقول (بالأمن مقابل السلام) بدلاً من (الأرض مقابل السلام) ، وبعدها كانت هناك قمة الفشل الذريع في (كامب ديفيد ـ 2000) ، ولكي تكتمل مسيرة المسخرة التسوية كان لا بد من لقاءات الغرف المغلقة والصالونات المفتوحة والمبادرات السلمية السخية (كمبادرة السلام العربية ـ 2002) والمؤتمرات (الكرنفالية) كمؤتمر أنابوليس (2007)، بالإضافة إلى الجولات الماراثونية العبثية للجان الدولية الوسيطة (كاللجنة الرباعية)، وكل تلك الفعاليات الجوفاء كانت تقام على وقع المجازر الصهيونية المصحوبة بالقضم الإستيطاني التدريجي لأراضي الضفة الغربية حتى اقترب الأمر من القضاء على الشروط الجغرافية المطلوبة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة .

 

والآن وبعد مرور ربع قرن عليها لم تصمد من بنود إتفاقية أوسلو سوى تلك المتعلقة بالترتيبات الأمنية (القديمة والمستحدثة) الملقاة على عاتق السلطة الفلسطينية، أي حماية الكيان الصهيوني ومستوطناته السرطانيه بسواعد الشرطة الفلسطينية مع التنسيق الأمني المتكامل معه في كل شاردة وواردة ، وفي الخلفية من كل ذلك هناك مشهد فلسطيني تراجيكوميدي قوامه إنقسام فصائلي تصادمي ترافقه موسيقى تصويرية جنائزية عنوانها () .

 

ووسط هذا الواقع الفلسطيني القاتم والعربي الرسمي المؤلم تُقدِم السوبرصهيونية على إغلاق مكتب الفلسطينية في كأحدث حلقة من مسلسل قراراتها وإجراءاتها الموغلة في العدوانية بحق بعد حلقة المحتلة وحلقة حجب جانب كبير من المساعدات عن السلطة الفلسطينية وحلقة قطع المساهمة المالية الأمريكية عن () ، بل وحتى عن المستشفيات المقدسية الفلسطينية، والحبل على الجرار طالما هنالك إرداة وطنية فلسطينية تتمنع عن الإمتثال لأوامر السلام الإنبطاحي.

 

وهنا بالضبط تبرز الأسئلة الجوهرية المتعلقة بما تبقى من حلول فلسطينية في مواجهة هذا التسونامي الصهيوـ أمريكي، فما دامت الإرادة الصهيونية الغاشمة قد تحللت عمداً من (إتفاقية أوسلو) لتنتهي هذه إلى جثة متعفنة، فمتفسخة، فعظام محشوة في شوال تحمله القيادة الفلسطينية على ظهرها في رحلة التيه (الأوسلوية) المتواصلة للعام السادس والعشرين على التوالي، هل لدى هذه القيادة خيارات منطقية أخرى للتعامل مع فتات هذا الهيكل العظمي غير دفنه؟.

 

وهذا سؤال ثانٍ من رحم السؤال الأول: سوى للسهر على بقايا جثة (إتفاقية أوسلو) والذود عن عظامها وفق بنودها المحصورة فحسب بالتنسيق الأمني الفلسطيني مع الإحتلال مقابل تسهيلاته الإقتصادية الهزيلة والإدارية المحدودة، هل من وظيفة أخرى للسلطة الفلسطينية في رؤية وحسابات القيادة الصهيونية؟.

 

إذا ما كان من المنصف الذهاب إلى القول بأن الظروف العصيبة التي تكتنف السلطة الفلسطينية تقلل من هامش المناورة لديها إلى الحد الذي يجبرها على الإلتزام بأعباء الجانب الأمني من (أتفاقية أوسلو) الميتة، فإن الأكثر إنصافاً هو الإقرار بأن الإرادة الوطنية الفلسطينية الجامعة لا تنقصها أسباب القوة والصمود والمنعة إلى الحد الذي يُمَكّنها من تحمل تبعات الخروج على قيود التنسيق الأمني مع الإحتلال مهما بلغ الثمن، وبتعبير آخر فإن تكلفة خَيار التحلل الفلسطيني من ترتيبات (إتفاقية أوسلو) الأمنية التي تصب فحسب في صالح الإحتلال هي في كل الأحوال أقل من تكلفة خَيار الإلتزام الفلسطيني المجاني بهذه الترتيبات المجحفة ، ومهما بلغت تبعات وتداعيات الخيار الأول فإنها لن تقع على عاتق الجانب الفلسطيني لوحده كما هي في حالة الخيار الثاني ، بل سيتحمل الجانب الصهيوني قسطه الوافر منها على مختلف الأصعدة ، فمتى ، والحال هذه ، ستلجأ قيادة السلطة الفلسطينية إلى التفعيل الحقيقي لقرارٍ سبق وأتخذه المجلس الوطني الفلسطيني (وكذا المركزي) بالقطع الكامل لكافة أشكال التنسيق الأمني مع الأحتلال ؟ .

 

نسمع جعجعة ولا نرى طحناً ، فلعشرات المرات هددت (بل وتعهدت) قيادة السلطة الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني مع احتلالٍ إعتاد التنصل من التزاماته كما نصت عليها إتفاقية أوسلو وملحقاتها (على علاتها)، لكن شيئاَ من هذه التهديدات والتعهدات لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ العملي، وهكذا واصل الإحتلال جرائمه بحق الإنسان الفلسطيني والأرض الفلسطينة دون رادع أو خوف وغير آبه بالإعتراضات الفلسطينية الرسمية التي لا تختلف في مفعولها عن المفرقعات الصوتية.

 

ووسط هذه الأجواء المثالية توحّش الهجوم الإستيطاني الصهيوني على أراضي الضفة الغربية فتضاعف حتى الآن إلى أكثر من سبعة أمثال ما كان عليه قبل إقرار إتقاقية أوسلو، وتحولت إثر ذلك طرق المواصلات بين المدن والقرى الفلسطينية إلى متاهة كبرى قوامها حواجز أمنية وشوارع إلتفافية تفاقم من معاناة المواطنين الفلسطينيين لا لشيئ إلا لتأمين راحة المستوطنين الصهاينة، وتمادت الآلة القمعية الصهيونية في التنكيل المتنوع بالروح الفلسطينية المكافحة، وشن الجيش الصهيوني أكثر من حرب عدوانية شاملة على غزة، وتحت بصر وسمع ومعرفة أجهزة التنسيق الأمني التابعة للسلطة الفلسطينية جرت وتجري مطاردة وتصفية أو إعتقال الكثيرين من خيرة الأبطال المقاومين الفلسطينيين على أيدي الجلاوزة الصهاينة، ومع كل هذه الرفاهية التي يتمتع بها الإحتلال الصهيوني لا تجد السلطة الفلسطينية من قيادته المتغطرسة سوى وجهٍ عابسٍ يطالبها بالمزيد من التنازلات تلو التنازلات.

 

وهاي هي اليوم، وبعد مرور ربع قرن على إبرام إتفاقية أوسلو بنتائجها الكارثية تقف القيادة الفلسطينينة أمام تحدٍ قديم الجوهر ، جديد المظهر ، إسمه هذه المرة (صفقة القرن) ، وهو التحدي الذي تعرف كل الفصائل الفلسطينية شروط مواجهته وإجهاضه ، وتعرف أن الشرط الأساس منها يتمثل بإنهاء الإنقسام الفلسطيني الإنتحاري وترسيخ الوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة المقاومة الشعبية والفصائلية المشروعة بكل أشكالها ، تماماً مثلما تعرف قيادة السلطة الفلسطينية أن شِوَال (إتفاقية أوسلو) لم يعد يستحق سوى الدفن بعظامه وقرقعتها الفارغة .