يرى بروس ريدل، المحلل الأمني والخبير في معهد في مقال له في موقع «دايلي بيست» ذكر في بدايته بما كتبه السابق بمذكراته «واجب»، حيث تحدث عن مواجهة مثيرة في تموز (يوليو) 2007 مع الملك عبدالله في مدينة جدة على ساحل البحر الأحمر «فقدت أعصابي» يقول غيتس.

 

وبدأ المساء بعشاء متعدد الألوان من الطعام في غرفة تعادل مساحتها مساحة ستة ملاعب كرة سلة بوسطها حمام سباحة. وتم طلاء السقف ليبدو وكأنه سماء تشع منها النجوم. وفي الغرفة حوض سمك من الأرض إلى السقف عرضه 75 قدماً وطوله 30 قدماً.

 

وبعد وجبة العشاء التقى غيتس الملك مباشرة والذي عبر عن غضبه من إيران وطالب بعملية عسكرية واسعة ضدها وليس فقط ضد منشآتها النووية. وهدد بأن السعودية «ستتصرف بنفسها» لو لم تعلن واشنطن الحرب. وكان الملك يقول لزواره إن إيران هي أساس المشاكل في المنطقة ويجب التعامل معها بالقوة. وعبر غيتس عن غضبه لأن الملك «يطلب من الولايات المتحدة إرسال أبنائها وبناتها للحرب مع إيران.. كما وأننا مرتزقة» وكأن الجنود الأمريكيين يحضرون إلى للدفاع عن الملكيات الشرق أوسطية، والقيام بالمهمة نيابة عنها و«كان يطلب منا سفك دم الأمريكيين، ولكنه لم يشر ولا مرة واحدة إلى إمكانية سفك الدم السعودي». وخاضت حربين في وهي لا تريد حربا ثانية.

 

وفي مذكراته يقول وزير الدفاع السابق «شعرت بأنني جرحت». وكان غيتس الذي يعد من أفضل وزراء الدفاع الأمريكيين واضحا في كلامه للآخرين، وهو أن عليهم أن لا يدفعوا الولايات المتحدة للقيام بحرب تهدف لحماية مصالح بلد آخر. والحذر ليس ضعفا ولكنه حكمة كما يقول بريدل، فالحرب دائما تترك تداعيات غير مقصودة.

 

ويستحق الأمر أن تخرج عن اللياقة لوقف شخص عند حده. ويعلق ريدل: بأننا سمعنا صفارات الحرب في الشرق الأوسط منذ فترة وهي الأصوات نفسها التي تقول إن استخدام القوة ضد فلان قد تقود إلى «شرق أوسط جديد» مزدهر خال من الإرهاب. وقادت هذه الفتنازيا للحرب مرتين وجعلت من إيران قوية كما نراها اليوم.

 

وفي عام 1982 قام وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون باجتياح لبنان لتدمير منظمة التحرير الفلسطينية، وإخراج من البلد وفرض حكومة مسيحية مارونية في بيروت وبعدها يقوم لبنان إلى جانب بعقد سلام مع . وسينشأ في أعقاب هذا شرق أوسط جديد. وقدمت الولايات المتحدة الغطاء الدبلوماسي وقوات حفظ سلام لتسهيل العملية الإنتقالية إلى الشرق الجديد. وبدلاً من ذلك تورط الإسرائيليون في بيروت وانهارت الحكومة المسيحية بعد قتل زعيمها وفجرت السفارة الأمريكية مرتين وتعرضت قوات المارينز لهجوم قاتل بشكل دفع الرئيس رونالد ريغان إلى التخلي عن المشروع. وكانت إيران المعزولة بسبب الحرب العراقية ـ الإيرانية قد أرسلت قوة من الحرس الثوري إلى سوريا ولبنان ودربت دفعة من مقاتلي حزب الله الذي أخرج من جنوب لبنان ودمر جيش لبنان الجنوبي وبهذا أصبحت إيران قوة في سوريا ولبنان، وهي قوية جدًا في بيروت ودمشق اليوم.

 

وفي عام 2003 وعد نبي آخر بشرق أوسط جديد. ووعد زعيم المعارضة العراقية أحمد الجلبي الرئيس جورج دبليو بوش ونائبه ديك تشيني بأن العراقيين سيرحبون بحرب تطيح بصدام حسين وستقود لسلام مع إسرائيل وستقود لتغيير النظام في دمشق وطهران وسيكون النصر رخيصاً ويتم تغيير المنطقة، وتجاهل المحافظون الجدد علاقات الجلبي الوثيقة مع المخابرات الإيرانية.

 

لكن أمريكا تورطت في العراق ولم تستطع الخروج منه حتى الآن. ولم يحدث سلام مع إسرائيل أو يتغير نظام الملالي بل على العكس فإيران اليوم هي القوة الرئيسية في العراق.

 

وكان السعوديون قد حذروا الأمريكيين ان الحرب ستقدم العراق لإيران على طبق فضي بشكل يوسع تأثيرها في الهلال الخصيب.

 

ويرى ريدل أن إيران أصبحت قوة متنفذة في المنطقة بسبب الأهداف التي حاولت حربا 1982 و2003 تحقيقها. ولعبت طهران أوراقها بذكاء ولكنها حصدت أخطاء الآخرين بدلاً من تقرير مصيرها بنفسها.

 

والآن خرجت إدارة ترامب من الإتفاقية النووية وهو قرار صفقت له السعودية وإسرائيل وتريدان من واشنطن تغيير سلوك إيران بالقوة أو تغيير النظام رغم عدم وجود البديل كبشير الجميل في لبنان مثلاً.

 

ويحاول كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي وولي العهد السعودي دفع واشنطن لعمل أبعد من تمزيق الإتفاقية النووية. وكلاهما يواجه إيران وحلفاءها في اليمن وسوريا. وكلاهما في وضع صعب ويتطلعان لمساعدة من الحليف الأمريكي. ووعدت إسرائيل بالتصرف فردياً وضرب المنشآت النووية الإيرانية. وفي تذكير بتهديدات الملك عبدالله قال ولي العهد إن السعودية ستباشر مشروعها النووي حالة توصلت طهران للسلاح النووي.

 

ويختم ريدل أن درس مواجهة غيتس ـ عبدالله عام 2007 لا يزال مهماً اليوم. فمن الحكمة بمكان أن يخرج الأمريكيون عن طورهم لو استمعت الإدارة لهؤلاء الذين يريدون تعريض الأمريكيين للخطر في محاولة لتحقيق أحلامهم الفنتازية. وأخطأت الإدارة بالخروج من الإتفاقية النووية بشكل فتح الباب أمام تكرار أخطاء عام 1982 و2003.