بدأت اليوم، الاثنين، في (مسرحية) الانتخابات الرئاسية المحسومة منذ فترة لصالح رئيس النظام ، الذي زج بأقوى منافسيه الفريق سامي عنان رئيس أركان الجيش الأسبق في السجن الحربي، وأجبر قبله أحمد شفيق رئيس وزراء مصر الأسبق على الانسحاب ووضعه تحت الإقامة الجبرية.

 

“استفتاء”.. السيسي ينافس نفسه

وفتحت مكاتب الاقتراع أبوابها في التاسعة صباحاً، وتستمر حتى التاسعة مساء من اليوم حتى الأربعاء.

 

وتعتبر نسبة المشاركة الرهان الأساسي في هذه الانتخابات التي يواجه فيها السيسي منافساً وحيداً هو رئيس حزب الغد موسى مصطفى موسى وهو سياسي غير معروف جماهيرياً ولا يتمتع بثقل حقيقي.

ورغم أن هذه الانتخابات أقرب ما تكون لـ”الاستفتاء”، فقد أبدت السلطات في مصر استعدادات أمنية مبالغاً فيها لتأمين عملية انتخابية تؤكّد تقارير عالمية أنها لن تشهد إقبالاً يذكر، وقد أعلنت وزارة الداخلية، يوم الخميس 22 مارس 2018، رفع حالة التأهّب إلى الدرجة القصوى، وحُشد أكثر من 200 ألف من أفراد الجيش والشرطة لتأمين البلاد خلال عملية الاقتراع.

 

وأمس الأحد تحوّلت شوارع محافظات مصر الكبرى وخاصة العاصمة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، وعجّت الشوارع بجنود بعضهم ذوو أقنعة سوداء، وكلهم ذوو بنادق مصوّبة نحو المارّة.

 

مصريون يصوتون بالإجبار خوفا على “لقمة العيش”

ولأن أكثر ما يُقلق السيسي في هذه الانتخابات هو غياب الناخبين عن لجان التصويت؛ لما يترتب عليه من تشكيك في شرعية انتخاب رئيس يزعم مؤيّدوه أنه يحظى بشعبية لم يحظَ بها رئيس قبله، فقد أجبرت أجهزة الدولة أصحاب الشركات والمدارس والمشاريع الخاصة على تعليق لافتات تأييد للرجل الذي ينافس نفسه، فضلاً عن ملايين الجنيهات التي أنفقتها الدولة لوضع لافتات مماثلة، حتى تحوّلت شوارع البلاد إلى ألبوم صور للسيسي.

وفي محاولة لخلق حالة زخم جبرية، لجأت المؤسّسات الحكومية إلى إجبار موظفيها على الذهاب للتصويت عبر حافلات ستقلّهم مجاناً إلى لجان التصويت.

 

كما تم تغيير اللجان الانتخابية لآخرين يعملون في وظائف خارج مناطق إقامتهم لضمان إدلائهم بأصواتهم.

 

قمع غير مسبوق

وخلال الأسابيع السابقة للانتخابات شدّدت السلطات قبضتها على البلاد واعتقلت سياسيين بارزين وألقت بهم في السجن؛ بتهم التآمر على الدولة والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، ومارست ترهيباً واضحاً على وسائل الإعلام العالمية الموجودة في القاهرة، كنوع من قطع الطريق على أي محاولة للتغريد خارج السرب.

 

وقبل يوم من الانتخابات، انتشر أفراد الشرطة السرّيون على المقاهي لمتابعة رأي المواطنين، وتلقّى كثير من أصحاب هذه المقاهي تعليمات من جهات أمنيّة تقضي بالإبلاغ عن أي تجمّع يتناول مسألة الانتخابات بشكل خارج عمّا تريده الدولة، حتى إن بعضهم سُئل إن كان وضع لافتة تأييد للسيسي على واجهة المقهى أم لا.

 

هذه الانتخابات -على شكليّتها- تبدو مهمّة إلى حدٍّ كبير ليس فقط بالنسبة إلى النظام الحاكم وإنما بالنسبة إلى الدولة المصرية ككل؛ فثمة من يقول إن هذه الانتخابات ستكون الحد الفاصل بين أحلام التداول الديمقراطي للسلطة وبين العودة إلى نظام الحاكم الفرد الذي يبقى حاكماً حتى الموت.

وقد حاولت شخصيات مصرية إعطاء هذه الانتخابات نوعاً من الزخم، وسعت لوضع مؤسسة الدولة في موقف يجبرها على ممارسة الحياد، لكن هذه الشخصيات جُوبهت بالسجن وتلفيق الاتهامات، وأُلقي بها في السجون، ولم يتحرّك أحد من أجلها، وفي مقدمة هؤلاء الفريق سامي عنان، والمستشار هشام جنينة، الرئيس السابق لأعلى جهاز رقابي في البلاد.

 

وتعكس ممارسات الأجهزة الأمنية حصولها على ضوء أخضر من حكومات دول كبرى لممارسة أكبر قدر ممكن من القمع المقنّن والديمقراطية الزائفة، عبر انتخابات لا يمكن إخفاء أنها تجري تحت تهديد السلاح، فلا توجد محافظة في مصر إلا وهي خاضعة تماماً لقبضة الجيش والشرطة خلال عملية تصويت يُفترض أنها تقوم على الحرية.

 

“السيسي” يخشى هذا السيناريو

الانتخابات الماضية التي أوصلت السيسي للحكم عام 2014، شهدت إقبالاً ضعيفاً جداً في يومها الأول، وهو ما حدا بوسائل الأمن إلى استدعاء مشاهد انتخابية قديمة للتغطية على نسبة الحضور الصادمة، وادعاء أن المصريّين خرجوا لتأكيد تأييدهم للسيسي، الذي أطاح بمحمد مرسي، أول رئيس منتخب بعد ثورة يناير 2011.

 

وحالياً، وبعد حالة إحباط شديدة تجتاح ، لا خيار أمام الرئيس المصري إلا الاحتماء بالسلاح الحكومي لتمرير انتخابات جديدة أقلّ زخماً من سابقتها، لكنها تمهّد لبقائه في السلطة طويلاً كما يتوقّع محللون عرب وغربيون.

 

من لا يخرج راضياً فسيتم إخراجه قسراً

وبعد أن كانت أجهزة الدولة في عهد الرئيس المخلوع، حسني مبارك، تجتهد في إبعاد المواطن عن صندوق الانتخاب، فإن دولة السيسي، ولتقديم مشهد انتخابي يعزّز ادعاءاتها فإنها تبثّ شعوراً بين المواطنين بأن من لا يخرج راضياً فسيتم إخراجه قسراً.

 

بل إن السيسي، وعلى غير ما كان في سنوات ما بعد ثورة يناير، لم يمنح الموظفين الحكوميين إجازة خلال فترة التصويت؛ حتى يحتفظ بالشوارع مزدحمة وإن بقيت اللجان خاوية.