آثرت سلطنة تفعيل سياسة النأي بالنفس عن كل الأزمات التي ضربت المنطقة خلال عام 2017، وخاصة الأزمة الخليجية التي مازالت مستمرة منذ 7 أشهر، وأزمة اليمن التي قارب عمرها على الثلاث سنوات.

 

فقد التزمت عمان الصمت والوقوف على الحياد حيال أزمة ، في الوقت الذي سارع فيه الملوك والأمراء والرؤساء ووزراء الخارجية العرب والدوليين إلى العواصم الخليجية، على أمل بأن يسفر سعيهم عن نتيجة تساهم في حل الخلاف الخليجي.

 

واستيقظت منطقة ، في صباح 5 يونيو/حزيران الماضي، على أخبار أزمة دبلوماسية حادة، طرفاها ثلاث دول خليجية هي السعودية والإمارات والبحرين ومعهم مصر من جانب، ودولة من جانب آخر.

 

وأعلنت العواصم العربية الأربع قطع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية مع الدوحة، ووجهت إليها اتهامات بدعم وتمويل الإرهاب، ثم ما لبثت أن قدمت لها قائمة مطالب لتنفيذها، اعتبرتها قطر مذلة لها وتعديا على سيادتها الوطنية، ورفضت الاتهامات الموجهة لها وطالبت بالحوار معها؛ لكن شيئا من ذلك لم يحدث.

 

وشد أمير الشيخ «صباح الأحمد الصباح» الرحال إلى العاصمة السعودية الرياض، وبعدها إلى عاصمة دولة قطر الدوحة، ومن ثم إلى العاصمة الأمريكية واشنطن؛ غير أنه لم يفلح في فك رموز الأزمة، وأدلى من العاصمة الأمريكية بتصريحات، فهم منها أن الدوحة مستعدة لتلبية بعض الشروط الخليجية المصرية، دون المساس بكينونتها كدولة مستقلة.

 

وفجر الشيخ «الصباح» قنبلة إعلامية، من واشنطن، حين أعلن أنه استطاع أن يوقف نزاعا مسلحا كاد أن يندلع في المنطقة.

 

وفي ظل هذه المعمعة، ارتأت الهدوء، والاكتفاء بإرسال وزير خارجيتها «يوسف بن علوي» إلى الكويت، لمؤازرتها في جهود وساطتها لحل الأزمة؛ ولم تنضم إلى حملة حصار قطر.

 

واستفادت عمان من موقفها المحايد حيث شهدت حركة الملاحة والشحن في ميناء «صحار»، رواجا كبيرا، بسبب الحصار المفروض على الموانئ البحرية القطرية.

 

ويمكن القول أن التعامل الحاد مع قطر خلال الأزمة الحالية أدى إلى تعزيز مخاوف عمان من مواجهة مصير قطر في حال الدخول في أي خلاف مع الرياض أو أبوظبي، وخاصة أن ما تدعيه السعودية والإمارات عن قطر ينطبق بشكل أكبر على ، خصوصا فيما يتعلق بإيران.

 

ولم يمنع سيل اتهامات لقطر بالتعاون مع إيران، من إرسال عمان وفود عالية التمثيل في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني «حسن روحاني»، وحملت هذه الخطوة في ذاتها دلالات هامة تتمثل في إرسال رسالة لدول الحصار مفادها أن الإجراءات العقابية لقطر لن تؤدي إلا لمزيد من أزمة الثقة داخل دول مجلس التعاون والتي ستتجلى في تحركات سياسية خارجية أكثر استقلالا، بل وفي السعي الحثيث عن شركاء إقليميين يتمعتون بقدر أعلى من الثقة.

 

أزمة اليمن

وقفت سلطنة عمان على الحياد أيضا تجاه أزمة اليمن، والتي قارب عمرها على الثلاث سنوات، دون أن تلوح في الأفق أية مؤشرات نحو حلها.

 

وبخلاف كل دول مجلس التعاون الأخرى، لم ترسل سلطنة عمان أي من قواتها إلى اليمن، لترجيح كفة طرف على طرف في النزاع اليمني الداخلي.

 

وآثرت عمان أن تقوم فقط بأمور إنسانية، مثل المساهمة بالإفراج عن بعض المحتجزين، لدى الميليشيات المسلحة، من رعايا الدول الغربية؛ كما وفرت لنقل مفاوضين محسوبين على «الحوثيين» و«حزب المؤتمر الشعبي العام»، من صنعاء إلى الكويت، للمشاركة في جلسات الحوار مع مسؤولين من الحكومة اليمنية الموالية للرئيس «عبدربه منصور هادي»، والمعترف بها دوليا.

 

وبعد فك الشراكة بين «الحوثيين» و«المؤتمر» ومقتل زعيم الحزب الرئيس السابق «علي عبدالله صالح» على يد «الحوثيين»، في 4 ديسمبر/كانون الأول الجاري، استقبلت مسقط، في 22 من الشهر ذاته، أكثر من 20 فردا من عائلة «صالح»، بعد ملاحقتهم من قبل «الحوثيين».

 

ولا تخشى مسقط من محاولات الهيمنة السعودية وحدها، بل قلقها الأكبر ينبع من الدور المتزايد للإمارات جنوب اليمن ودعمها للحركات الانفصالية والحراك الجنوبي، وكذلك محاولات لتطوير قاعدتها العسكرية في جزيرة «سقطرى» اليمنية، التي تقع عند مدخل خليج عدن، بالقرب من عمان.

 

وتخشى مسقط من سعي الإمارات بكل قوة لبسط نفوذها جنوبي اليمن لمنافسة الاستثمارات العمانية الصينية في تلك المنطقة، والمتركزة على مشروع الميناء العماني في «الدقم»، وهو ما قد تعتبره عمان محاولة لتطويقها اقتصاديا.

 

ويمكن القول إن المخاوف من الدور السعودي والإماراتي، فضلا عن جملة المصالح الاقتصادية التي تحصلت عليها من سياستها، مثلت دافعا رئيسيا في الاستمرار بسياسة النأي بالنفس التي تنتهجها سلطنة عمان.

 

المصدر: الخليج الجديد