سقوط بغداد .. إشكالية العلاقة بين الحاكم و المحكوم في البلاد العربية

1

لا غرابة في أن العلاقة بين الشعوب والحكام تتقلب و لا تهدأ على حال ، لكن  الغريب أن تتسم تلك العلاقة بالميل التلقائي و المستمر نحو العدائية و التضاد كما في البـلاد العربية و التـي تردّت أوضـاعها للحـد الـذي انفصـل فيه الأمن القومي للشعوب و الأوطان عن أمن الأنظمة و الحكام :

فما الذي يجعل الجموع تتوانى عن نصــرة حـكامها عند حاجتهم إليها ؟ و لِمَ لا يجـد البعض سبباَ لتخلـي الجمـوع غير الجُبن و التخوين و الخضوع للغزاة ؟

طويلة هي سيرة الإنسان مع الظلم و الطغيان من عصر هابيل و قابيل إلى اجتياح مغول العولمة لعاصمة الرشيد و تدمير غزة و منازل بني عاملة في الضاحية و تبنيين ، و الحَيطة من الخذلان كالانتصارات العظيمة لا تأتي بغير الجموع ، تلك التي لا تأتي  ذليلة مهانة و لن تقف شامخة في غير معاركها فهي كما تجيد الانتصار و صناعة الأمجاد تجيد بإتقان شديد أساليب التشفي و الانتقام بالتّخلي و الخِذلان.

  

حقيقة لم يخطئ  جيفارا حين علل بها إخفاقه الأول و الأخير في أحراش بوليفيا و استوحى منها قرب النهاية ، فالبوليفاري الذي دأب على تحريك المياه الراكدة في أمريكا اللاتينية فشل و رفاقه في استقطاب الجموع القروية لمعركته المعيبة التي أوقعته أسيرا ثم قتيلا ، و بــذات العلة – مع الاعتذار الشديد لـ(جيفارا) على حشره في هذه السلة من جبابرة التاريخ – سقــط لويــس السادس عشر و موســوليني و باتيسته و تشاوشيسكو و النميري و سقط شاه إيران رجل أمريكا القوي عندما قررت الجموع الإيرانية الانحياز لآيات (قم) و أن يكون الخميني حاملا اللواء ، و الجموع ذاتها من رسمت بغيابها مصير صدام حسين حين تركته وحيداً في مواجهة مغول العصر و لم يشفع له كـــل ما قيل عن وطنيته و نظافة الذمـــة من أمـــوال العراق ، بل حتى استبساله الأخيـــر و نجليــه و مصطفى حفيده الوحيد في مواجهة الموت بتلك الشجاعة التي عز نظيرها و وقف عاجزا في غيبتها عن جعل أولئك المرتزقة ينتحرون على أسوار بغداد  كما كان يبغي و يريد.

  

لقد كذب العرافون  و تنصّل الشعراء ، و الطبالون ، و كتَمَتْ الحقائق و الوُشاة ـ الذين كانوا هم أهل الرأي و المشورة و أصحاب القصاصات ـ و كذا حذت حذوهم جحافل الأحلاف القبلية و الجهوية ، و شيوخ العشــائر ، و المتنفذون ، و ضباط المخابرات و الأمن و الحرس الجمهوري ، و بعض من أبناء العمومة ، و السواد الأعظم من كوادر و شبيبة الحزب الذين جاء بهم الطمع أو التقية ، و كل رواد القصـور الرئاسية ، و رواد مكاتب وجهاء البعث في بغداد من وعودهـــم للرجل على موائد البيعة بالفـداء ، و خارت عزائمهم أمام هدير دبابات (ابرامز) التي كانت تحمل في بطونها طواقمُها القتالية و علــى ظهورها العملاء الذين منَّوهــا بالورود المنثورة في حــي الــدورة و شــارع أبو نواس ، و تعامتْ (العَوجَة) عن أسرة الرجل الذي ادخل اسمها الموسوعة الحرة وأطلس البلدان ، و لم يبق في ميدان فلسطين بعد تشتت الجيش و المتطوعين العرب سوى الصحاف يدير عبر الأثير معركته الافتراضية على طريقة (احمد سعيد) دون أن يحسب للخذلان حساب .. لقد غابت الجموع و أظلمت بغداد.

    

غابت الجموع .. و أستفرد بالرجل و كبرت مأساته و تعاظمت بعد أن قــرر صهاينة (الإيباك) في غيبتها أن يجعلوا منه عِظَةً لمن يتعظ و مكنهم ذلك الغياب من قطع الرأس التي تجـــرأت على مجــرد التفكير في ضرب إسرائيل ، و تعمدوا حلّ الجيش الذي نفذ أوامر تلك الرأس و تصفية العقول التي وضعت معادلات التفجير و تمكنت بمعرفة قواعد علم المقذوفات من حساب مجاهيل السرعة ، و الزمن ، و معايرة الأوزان لتقُض مضاجع الإسرائيليات بعشرات الصواريخ .. توارت الجموع رغم يقينها بعروبة الرجل و عراقية ولائه ، ترجم عراقيته في اهتمامه بالتعليم والجامعــات و البحــث العلمي و الجيش الوطني عالي الكفــاءة و التدريــب ، وأنــه الرجل  الشجاع الذي حاول و لو في بعض لحظات يأسه أن يكون الأجرأ في عيونها بعد صلاح الدين ، و ظاهر الدين بيبرس حين نجح في كسر أسطورة الأمن الإسرائيلي و اخترق (القبة الحديدية) في فلسطين.

   هذا ما حدث في العراق ..

لكن ألا يحق لنا بعد هذا أن نتساءل :

لِمَ غابت الجموع عن رجل بغداد القوي ؟ 

ألأنه نجح في بناء جيشه الذي شكل مصدر قلق على الواردات الأمريكية من النفط الممزوج بـ(تزلف) بني العمومة في جزيرة بني يعرب للمغتصبين في لندن و واشنطن و فلسطين؟

أم أن تخلي الجموع العراقية عن صدام كان عقابا منها له على تنازلاته للشاه في الجزائر و رفضه لمبدأ القتال أو التحكيم ؟

أم أن ظهور رمس فيلد يوماً ما في بغداد – يبكي بدموع التماسيح أمجاد ابن الو قاص – قد أثار حنق الجموع على الزعيم المفدى إلي ذلك الحد ؟

أم لأنه حد من طموحات إيران القومية و عطل برنامج الخميني لتصدير الثورة غربا ؟

أم أن الجموع قد تأثرت بمأساة الكويت و أزمة الديون الخليجية و الاستدراج السلس للجيش الذي صقلته مهمة السنوات العشرة ليقع فريسة سهلة في حبال (الكاوبوي) و شراك الرجعية العربية و يزول الخطر العربي الحقيقي المهدد لميمنة (إسرائيل) ؟.

   

لا شك أن ابن تكريت- و بعيدا عن كل ذلك – قد كتم حقّاً أنفاس الجموع العراقية بقبضته الحديدية وضيق عليها دروب العيــش ، و عــاش بعيدا عنها في أحضــان بِطانـــة فاســدة حفــرت بمكرهـا و جهلها و فسادها أخدود عميق بينه و بين تلك الجموع التي أخرجته من أذهانها و راهنت على لحظة السقوط ؛ لتنحاز لطوائفها و عشائرها و لثقافاتها الفئوية والجهوية الكامنة متخلية عنه و عن عِراقها الواحد العريق ؛ و الرجــل إن صــح تحليلنا هذا يكون قـــد استلَـذّ كغيره من العرب قحـط الحياة السيــاسية و الاقتصادية في العراق و راق له الاستقواء على الجموع بأذرع مؤسسته الأمنية التي شردت مظفرا و أسقطت عن ألبـــــياتي و ألجواهري جنسية العراق ؛ لتثبت فقط أن أرض(العِراك) لا تُدار إلا بحجاجٍ – يعتمرُ عمامة حمراء و الذي لا يفتأ سيفه يقطر دماً – يختزل الحزب في شخصه و بنيه و نفر من رفاقه و آل مجيد و ذلك علواً كبيراً في الأرض تمقته السماء.

  

خُذل صدام حسين و الكثيرين من قبله و ربما من بعده  في حين لم تخذل الجموع ذاتها أبابكر في حروب الردة ، و لم تتوان عن تخييط أفواه الإبل مع خالد ، و لا عن حرق مراكبها مع طارق على شواطيء الأعداء البعيدة ، و ما برحت آبار بدر و ما غادر منها أحد بلاط الشهداء ، و لم تترك ونستون تشيرشل يصد النازيين وحده عن لندن ، و لم تنكسر في البريقة 2011 و لينيين قراد ، ولم تتخل رغم الـ(نابالم) المصبوب عن (هوتشي منه) و الجنرال (جياب) في حرب فيتنام و هي ذاتها التي خضبت بالدماء شوارع سرت و بلفاست و جوهانز بيرغ و صخور الجبال الكردية وفاءاً للقذافي و لجيري آدمز و مانديلا و أوجلان ، و هي التي عانقت الثورة الجزائرية في ٍبواكيرها النقية و لم تتردد في عبورها المجيد لقناة الســويس و تدمير خط (بارليف) .. و هي ذاتها التي عاضدت بوتو و مهاتير في الخروج من الصفيح و الغابة و الولوج للذرة و معانقة السماء .. و هي التي احتضنت في هافانا رجال الثورة الكوبية و مسحت عن جباههم العرق و غبار البارود .. و لم تترك احمد الشريف يعبر الصحراء التشادية وحيداً ؛ لملاقاة الإيطــاليين في برقة و ربوع البطنان .. و هي النجوع البدوية التي لم تخذل عمر المختار و رجاله في الجبل الأخضر يوم نادى المنادي على خيل الله رغم العزلة و الترويع ، ليرمي الشيخ المجيب عصا المعلم و يقرّب الجواد و عُدّة القتال وهي من حوله لأكثر من عشرين عام تقاسمه الزاد القليل و تمده بالسلاح القادم من سيوه على أكتاف رجال يحسنون استخدامه لترسم بالدم و الرصاص حدود الكرامة  و تحفظ كبرياء أمة أبا عبيدة و المعتصم و يوسف باشا و أبن نصير.

   حقّاً .. قد ألغت ثقافة العصر – بالعولمة ، والقرار الدولي ، و التكتلات الكبرى ، و مؤسساتية الدولة المركبة ، و ثورة المعلومات – زمن المعتصم وابن تاشفين ، و النساء عواقر ، و علم الاستنساخ لا يزال وليــداً ، وعـــصر الكرامــات و الأفذاذ انتهى و خالد يا أبن الخطاب لن يولد من جديد ، و لم تجـد صرخة الطفلة (هدى غالية) فينا رجل مجيب ، والخنساء لن تبكِ منا بعد ربيع (ليفي) صخراً مهيباً ، و القــاتُ اللعين و الحلف العربي المقيت التهما حياة مساكين الله و شجرة البــن في اليمن منبع و يتيم العروبة ، و الجوع و البؤس و الحرمان في تعز و الحُدَيدة بفتك أسرابهم يزيد ، و الجامعات العربية أضناها الوهن فضنّت علينا بأمثال الماغوط و أركون و الجابري و النيهوم لتدخل ديارنا في عصور الهرطقة و الظلام ، والمعارضة العراقية و الليبية و السورية المستجلبة على ظهور دبابات الغــزاة أثبتـت أن الشمولية و الانتقامية و رفــض الآخــر ليست  ثقافـــة حِكْــرٍ على الحُكام في بلاد الضاد و ألغــتْ بطائفيتها و عشائريتها و جهويتها و بشاعة سلوكها السياسي شرعية التفكير عربيا في كيفية التداول السلمي على السلطة و ماهية الحكم الرشيد ؛ فالقهر و الخيانة سمتان راسختان في البلاد العربية منذ الأزل و إلى يوم يبعثون.

رغم كل هذا ورغم الخراب الكبير تظل الجموع تجنح بعيداً في أحلام مارثن لوثر كينج تفاخر الليبراليين بخطبة الصدَيق في المهاجرين و الأنصار ، و تُثني على ابن خلدون في ربطه بين الظلم و خراب الأوطان .. تبحث بيأس عن مانديلا عربي لا يحمل ثقافة (أنا و أهلي أو الطوفان) .. تقاوم في يأسها الزيف بالتخلي و التجهيل الممنهج بالتعليم الموازي و صقل الذات ، كما تقاوم الجوع و الحرمان والاستبداد بعبور بحارِ الموتِ سراً خلف أسراب العقول المهاجرة ،  أو ربما تمضي – مغاضبة مدفوعة محتجة – إلى مزيد من البيعة لأولئك الذين ادعوا الوصاية على الجنة و النار و لطخوا بالتكفير و الدماء وجه الإسلام و الذين لا مناص من الاعتراف لهم – رغم الشك في ارتباط منشأهم بالماسونية و الموساد – بأنهم من عطلوا من الفلـــــوجة بَلْقنة المكــان ، و قد يكونوا هم من صارعوا الأســاطيل الكبـــرى في بحــار الصومال ، و أجبروا الصهاينة علــى بناء الجــدار، و دكوا بأجســادهم معــاقل (الإيساف) المحـصنة في باقـرام ، و غزوا (مانهاتن) من تورابورا و وزيراســتان ، رغم كل هذا ورغم الخراب الكبير ، تظل الجموع إن شاءت يستجيب لها القدر و لاستسقائها يُنزل الله المطر و يجلو ليلها و القيد ينكسر ، فأيّ ثوري حكيم يستبدل عشق شعبه و الوطن و الحرية بالـ(أنا)  و (العمالة) و ( الخنوع المذل للاستكبار الدولي ) ؛ غوصاً في الشهوة ، و السلطة ، و المال ليخرج بالتمام من التاريخ و من أذهان الجموع ؟!!

قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. emhemedr rahel يقول

    رائع كعادتك
    والخنساء لن تبكِ منا بعد ربيع (ليفي) صخراً مهيباً ،
    و الله مايبكي صخرنا المهيب و يعرف فداحة فقده غير قلم مثلك
    بالتوفيق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More