دراسة: السلطة الفلسطينية أنتجت (فلسطيني جديد) بإشراف الجنرال دايتون

0

 

رأت دراسة جديدة أنّ موضوع التنسيق الأمني شكّل مثار جدل فلسطيني داخلي كبير منذ بدء عمل السلطة الفلسطينية، حيث ثبّتت الاتفاقات الفلسطينية – الإسرائيلية الوظيفة الأمنية كمقياس لمدى كفاءة السلطة، وما يمكن أن تمنحه لها إسرائيل من تنازلات في المقابل.

ولكن مع مضي الوقت والتعثر المستمر للمفاوضات، تبين أن سقف هذه “التنازلات” لا يقارب الحد الأدنى الذي يمكن لقيادة السلطة القبول به، مما دفعها للتفكير في جدوى استمرار التنسيق الأمني دون مقابل، وخصوصاً في ضوء الرفض الشعبي والفصائلي لهذا التنسيق أصلاً.يبدو من غير المرجح لجوء قيادة السلطة فعلاً لوقف هذا التنسيق بصورة تامة، نتيجة اقتناعها بعدم قدرتها على تحمل الثمن الباهظ الذي قد تدفعه نتيجة لذلك، سواء على الصعيد الخارجي أم الداخلي. ولكن ذلك لا ينفي إمكانية خفض مستوى التنسيق الأمني تدريجياً، أو تراكم عوامل ضغط تتسبب بوقفه بغير إرادة السلطة أو إسرائيل.

وزادت الدراسة، الصادرة عن مركز (الزيتونة) أنّ موضوع التنسيق الأمني، شكّل وما يزال، أكثر مجالات عمل السلطة الفلسطينية مثاراً للجدل منذ نشأتها، بين من يرى فيه التزاماً تعاقدياً وضرورة لا يمكن للحكم الذاتي البقاء دونها، وبوابة لا بدّ لمشروع بناء الدولة المرور عبرها، ومن يرى في المقابل أنه خطيئة تجر ثمناً باهظاً على الشعب الفلسطيني ومشروعه للتحرر من الاحتلال، من خلال ضرب قوى المقاومة التي تُشكّل عامل القوة الأهم لديه، علاوة على أنه عامل فرقة في الساحة السياسية الفلسطينية.

وإلى جانب هذا الجدل بين الفريقين، فإن هناك سؤالاً مطروحاً داخل قيادة السلطة الفلسطينية نفسها، يتعلق بالموازنة بين المكاسب والخسائر المترتبة على استمرار التنسيق الأمني، في ضوء إصرار إسرائيل على أن تقتصر السلطة الفلسطينية على صفة وظيفية، تقدم للاحتلال الأمن دون مقابل، ودون السماح لها بتحقيق أي قدر من المكاسب أو المنجزات على طريق تحقيق حلم بناء الدولة المنشودة، مع استمرار الاستيطان وقضم الأراضي التي يفترض أن تكون جزءاً من هذه الدولة.

ولفتت إلى أنّه بعد أنْ تولى محمود عباس قيادة السلطة الفلسطينية، كان الرد على المطالبات المتكررة بوقف التنسيق الأمني في غير مرة هو التأكيد على استمرار التنسيق الأمني بوصفه التزاماً لا رجعة عنه، وباعتباره مصلحة فلسطينية، والتأكيد على حرصه الشديد على عدم اندلاع انتفاضة جديدة.

كما أنّه كان واضحاً أن عباس يستحضر في ذهنه مصير الأجهزة الأمنية عقب انتفاضة الأقصى، و”إنجازه” في إعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس مقبولة إسرائيلياً ودولياً، سمحت له بأن يثبت مصداقيته كشريك حريص على تحقيق السلام مع إسرائيل. وشدّدّت الدراسة على أنّ طرح فكرة وقف التنسيق الأمني كان آخر البدائل التي لجأت إليها قيادة السلطة للضغط على إسرائيل، وذلك بعد استنفاد بدائل التوجه للأمم المتحدة ومجلس الأمن للاعتراف بدولة فلسطينية، وتوقيع معاهدات للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية وعدد من المؤسسات الدولية الأخرى، في ضوء توجه إسرائيل نحو اليمين أكثر فأكثر، إلى حد إعلان رئيس حكومتها المعاد انتخابه بنيامين نتنياهو رفضه قيام دولة فلسطينية، وحجب الحكومة الإسرائيلية أموال الضرائب التي تجبيها لصالح السلطة كرد على توجهها للمؤسسات الدولية.

وبحسب الدراسة، فإنّه في ظل غياب نقاط الالتقاء بين المفاوض الفلسطيني والمفاوض الإسرائيلي، وجدت قيادة السلطة الفلسطينية نفسها ملزمة بإيجاد البدائل التي تحقق لها هدف زوال الاحتلال وإقامة الدولة. وبالنسبة لها، يشكّل وقف التنسيق الأمني ورقة ضغط مهمة، باعتبار الوظيفة الأمنية للسلطة أهم الوظائف التي تهتم إسرائيل باستمرارها. ورأت أنّه منذ تشكيل السلطة الفلسطينية وبدء تسلمها لمهامها على الأرض، شكل التنسيق الأمني أداة تمكين سياسي مزدوجة بالنسبة لقيادة السلطة؛ حيث تمّ توظيف الأجهزة الأمنية داخلياً لملاحقة المعارضين، كما تمّ استغلال تقاطع المصالح بين طرفي التنسيق الأمني في إظهار جدارة السلطة أمام إسرائيل والولايات المتحدة، باعتبار معارضي السلطة هم أنفسهم من واصلوا رفع سلاح المقاومة بوجه الاحتلال. وتابعت أنّه على خلاف ما كانت عليه الحال في انتفاضة الأقصى، فإن الأجهزة الأمنية الفلسطينية وعقيدتها خضعت لعملية تغيير شامل بموجب خطة خريطة الطريق، بحيث تم استبعاد عناصر الأمن ممن لهم خلفيات في العمل المقاوم، كما تمّ إنتاج عقيدة جديدة و” فلسطيني جديد”، بإشراف الجنرال الأمريكي كيث دايتون، لم يعد يرى في إسرائيل عدواً، ويرى في استمرار التنسيق الأمني مصلحة فلسطينية كبرى، وهو ما يقلل بشكل كبير بالتالي، من فرص تكرار تجربة انتفاضة الأقصى، التي انخرط خلالها عناصر الأمن في أعمال المقاومة. وشدّدّت الدراسة على المسارات المحتملة قائلةً إنّ الأول هو استمرار التنسيق الأمنيّ، الثاني: وقف التنسيق الأمنيّ، الثالث: خفض مستوى التنسيق، وينطوي هذا المسار على اتخاذ السلطة الفلسطينية إجراءات تخفض من مستوى التنسيق الأمني تدريجياً، دون وقفه نهائياً، بهدف تجنب اتخاذ إسرائيل ردود فعل قوية تجاهها.

ويزداد احتمال إتباع هذا المسار في حال استمرار انسداد أفق المفاوضات، وعدم إبداء إسرائيل مرونة تجاه السلطة ومحاولة التضييق عليها مالياً، إلى جانب تصاعد الضغط الشعبي إلى الحد الذي يضطر السلطة لاتخاذ إجراءات لاحتوائه، على حدّ تعبير الدراسة.

وخلُصت الدراسة إلى القول إنّه قد تسعى السلطة الفلسطينية تحت الضغط الشعبي والمقاوم إلى تبني المسار الثالث، باعتباره خياراً يحقق حداً من المصلحة الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني، ويلبي جزءاً من المطالب الشعبية ومطالب المقاومة، دون تحميل السلطة ثمناً باهظاً قد لا تكون راغبة بتحمله في الوقت الراهن، ويقدم لها في الوقت ذاته ورقة ضغط في وجه الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More