الرئيسية » غير مصنف » الأمير الأخضر.. خائن أم ضحية أم تاجر “متذاكي” أم كل ما سبق؟

الأمير الأخضر.. خائن أم ضحية أم تاجر “متذاكي” أم كل ما سبق؟

حتى لو بدأت مشاهدة فيلم (الأمير الأخضر) وأنت مستعد لفهم تراجيديا مصعب بن حسن يوسف قيادي حركة حماس الفلسطينية الذي تحول إلى جاسوس إسرائيلي والتي يحكي عنها هذا الفيلم التسجيلي المثير، فإن مصعب نفسه لن يساعدك على ذلك الفهم طيلة زمن الفيلم، ربما لأنه ليس مهتما بأن تفهمه لعلك تتعاطف معه أو تحدد موقفا منه يختلف عن الإدانة المباشرة، بقدر اهتمامه أن يصنع فيلما مثيرا يعيده إلى الأضواء التي خفتت عنه.

أفيش الفيلم

ليس هذا حكما على نوايا مصعب حسن يوسف بقدر ما هو حكم على المنتج النهائي الذي قدمه الفيلم الذي يروي قصته، والذي حرصت على مشاهدته بعيدا عن التأثر بأية أحكام مسبقة، أملا في تفهم تلك التراجيديا الإنسانية التي تحول فيها ابن محب لأبيه ولوطنه إلى جاسوس على أبيه وأهل وطنه. الغريب أنني عندما تابعت القصة عقب تفجرها في وسائل الإعلام قبل سنين، كنت قد تعاطفت مع مصعب لأنني تصورت أن ما يدفعه لفعل خطير كهذا، ربما يكون نابعا عن كراهية شديدة يحملها لأبيه الذي ربما كان يخفي خلف وجهه النضالي ضد العدو، وجها آخر لأب قاسٍ متسلط عنيف مارس الضغط على ابنه طيلة حياته فأدى بذلك إلى أن ينفجر الابن ويتحول إلى جاسوس، لكن مصعب في فيلمه يقدم صورة جميلة لأبيه، يظهر فيها بوصفه أبا حنونا ورجل أسرة رائع، فضلا عن كونه رجلا منفتحا ومستعدا للحوار، ليقول مصعب لمشاهدي الفيلم أن ما دفعه لأن يكون جاسوسا لمصلحة إسرائيل هو سخطه على قادة حركة حماس في المقام الأول، ورغبته في حماية أبيه من اغتيال إسرائيل له في المقام الثاني، خصوصا بعد أن صعد نجمه داخل الحركة وأصبح من أبرز قادتها المطلوبين للقتل.

مصعب في ظل أبيه حسن يوسف.. مشهد من الفيلم

حاول مصعب كثيرا خلال الفيلم أن تبدو قصته مقنعة، لكن شيئا ميتا في عينيه يمنعك طيلة الوقت من التصديق والتعاطف، ويجبرك على أن تشاهد القصة بحيادية تتحول أحيانا إلى سخرية، خاصة عندما يقول مصعب إن سخطه على قادة حركة حماس وكراهيته لهم بدأ عندما رآهم يقومون بتصفية بعض المتهمين بالتجسس لإسرائيل داخل سجن إسرائيلي كان معتقلا فيه، دون محاكمة عادلة ولا تحقيق منصف، لكنه لم يقل بعد ذلك كيف سمحت له إنسانيته أن يوجه سخطه على قادة حماس بالتعاون مع من يقومون بقصف البنايات التي يعيش بها مدنيون مسالمون ليقتلوا الأطفال والشيوخ والنساء دون محاكمة عادلة ولا تحقيق منصف، ولماذا لم يكن رد فعله مثلا أن يطلب اللجوء السياسي إلى دولة محايدة مثل سويسرا أو دولة تتسم بأرقى درجات النزاهة القضائية مثل السويد، أم أن قدرته على رؤية الجرائم البشعة توقفت فقط عند رؤية جريمة قتل متهمين بالتجسسس دون محاكمة ولا تحقيق؟

الفيلم أخرجه المخرج الإسرائيلي ناداف شيرمان في تجربته الإخراجية الثالثة، حيث سبقه فيلمان تسجيليان أولهما كان في عام 2007 بعنوان (جاسوس الشمبانيا) عن قصة طفل يكتشف في الثانية عشر من عمره أن أباه عميل سري للموساد، وأنه متجه إلى القاهرة متخفيا في هوية مليونير نازي لاصطياد النازيين الذين هربوا إلى القاهرة. أما فيلمه الثاني (في الغرفة المظلمة) والذي خرج للنور في العام الماضي، فهو يحكي قصة ابنة وزوجة الإرهابي الأشهر كارلوس وعلاقتهما به ويستطلع وجها آخر لكارلوس الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، لذلك لم تكن قصة فيلم (الأمير الأخضر) غريبة على اهتماماته وخبرته الفنية، وإن كان حظه هذه المرة أفضل لأنه تعامل مع منتجين في غاية الاحترافية والتميز، هما جون باتسيك وسيمون شين الذين قدما أفلاما تسجيلية مهمة مثل الفيلم الرائع الحاصل على الأوسكار (البحث عن شوجر مان)، و(رجل على السلك) و(ذي إيمبوستر) و(المشروع نيم) و(أنا علي) الذي نزل مؤخرا إلى دور العرض عن جوانب مجهولة في حياة البطل الأشهر محمد علي كلاي.

مع ذلك، بدا لي من مشاهدة الفيلم أن مخرجه نفسه اتخذ موقفا من قصة مصعب جعله يقدمها كقصة تشويق وإثارة وليس كقصة تحتوي على عناصر إنسانية درامية، يمكن لها أن تنتج فيلما عظيما. فمنذ البداية، يحرص ناداف على أن يقدم مصعب باعتباره رجلا غامضا قابعا في الظلام، وحين تضيء الكاميرا وجهه، نرى أن ملامحه جامدة لا تتسق مع هول ما يحكيه عن طفولته التي اعترف أنها كانت طفولة في غاية التعاسة، ليس لأن أباه كان يسيء معاملته، بل لأنه تعرض للاغتصاب وهو طفل أثناء لعبه في منطقة خالية مجاورة لبيته، وهو الحادث الذي قام بكتمانه عن أقرب الناس له؛ لأنه يعيش في بيئة تعتبر التعرض للاغتصاب عارا أكبر من عار من يقوم به، وهي مأساة حقيقية نعاني منها في أوطاننا، وكان يمكن لو ركز الفيلم على تأثيرها المهول على طفل مثل مصعب، أن نتفهم الكثير من قراراته وتصرفاته، لكن الفيلم عبر عليها سريعا، مقررا أن يركز أكثر على أن ما دفع مصعب للتجسس لحساب إسرائيل هو شعوره بالفجيعة من تصرفات قادة حماس في المعتقل، لتتحول رغبته في التعاون مع إسرائيل التي أبداها من قبل بعد تعرضه للتعذيب، فقط لكي يرتاح من التعذيب، إلى رغبة صادقة أدهشت الضابط الإسرائيلي جونين بن إيتساك الذي قام بتجنيده والتعامل معه طول فترة تعاونه مع جهاز الشين بيت، بعد أن تم اطلاق اسم الأمير الأخضر عليه.

ويحسب للفيلم هنا أنه قدم بشكل فني متميز المراحل التي يقوم بها جهاز الشين بيت في تجنيد عملائه بعد كسرهم نفسيا ومعنويا، كما استخدم ببراعة تقنيات التصوير المحاكي لتصوير الأقمار الصناعية لتقديم اللقاءات السرية بين مصعب وجونين، التي جاءت مشابهة بشكل ما للقطات التي حكى فيها عن تعرضه للاغتصاب وهو طفل في منطقة منعزلة بعيدة عن بيته.

مشهد التجنيد الأول لمصعب

الفيلم الذي اعتمد على مذكرات مصعب التي نشرت في عام 2010 بعنوان (ابن حماس) وجد طريقه أخيرا إلى دور العرض التجاري بأمريكا بعد أن عرضه مهرجان ساندانس في دورته الماضية، وحصل فيها على جائزة الجمهور التي حصل عليها أيضا في مهرجان موسكو، في حين منحته أكاديمية الفيلم الإسرائيلي جائزة أحسن فيلم تسجيلي، يحكي قصة تحول العلاقة بين مصعب وجونين من علاقة عمل عدائية إلى علاقة عمل وثيقة ثم إلى علاقة صداقة جعلت جونين يتعامل معه بعدم احترافية أدت إلى اختيار ضابط آخر للتعاون معه، ليبدأ الشرخ في علاقة مصعب بالشين بيت، ويطلب التوقف عن التعامل مع الشين بيت، خاصة بعد أن زاد الضغط العصبي عليه، بعد أن قام بتقديم معلومات أدت إلى اعتقال وقتل عدد من قادة حماس الميدانيين لم يكن أحد يعرف مكانهم غيره، لأنه كان مكلفا بتوفير مخابئ لهم، لينتهي به الأمر مهاجرا إلى الولايات المتحدة عقب خلافات بينه وبين الشين بيت، وفي ظروف غامضة لم يتوقف الفيلم عندها كما يجب ليفسر كيف يتخلى جهاز استخبارات عن عميل مهم لديه بهذه السهولة، تماما كما لم يتوقف الفيلم طويلا عند مسألة تحول مصعب من الإسلام إلى المسيحية، ربما لإدراكه أنها نقطة حساسة ومثيرة لجدل قد لا يخدم استقبال الفيلم لدى الجميع، ثم يرينا الفيلم في نهايته كيف يتعرض مصعب لمشكلة تهدد بقاءه في الولايات المتحدة بسبب كونه ابن قائد جماعة تعتبرها أمريكا ارهابية، يأتي جونين من قلب إسرائيل ليلعب دور المنقذ له ويخرج للعلن لكي يشهد في محكمة أمريكية أن مصعب ليس إرهابيا لا سمح الله، بل هو رجل محب للسلام بدليل أنه تعاون ضد أبيه لمصلحة راعية السلام الأولى في المنطقة، لتشعر بأجواء “تبشيرية” إن صح التعبير، ولكن ليس من أجل دين معين، بل لطمأنة كل من يفكر في التعاون مع جهاز مخابرات إسرائيلي، أنه لن يعدم ضابطا جدعا يقف معه في وقت زنقته.

مشهد من الفيلم

جونين الذي يظهر في الفيلم بشخصه لا يبدو “مؤديا” مقنعا، وهو يروي كيف أنه ضرب عرض الحائط بتحذيرات قادته في الشين بيت، وأنه أصر على أن يشهد لمصلحة مصعب؛ لأن أي نظرة هادئة للفيلم تكشف أنه منذ اللحظة الأولى يصب في مصلحة إظهار الشين بيت بوصفه جهازا خارقا تمكن ببراعة من اختراق بيت واحد من أعدى أعدائه، وعندما جاءت لحظة الشدة قام بتحذير ضابطه من الوقوف مع مصعب، لكنه لم يقم بإيذائه عندما ضرب بتلك الأوامر عرض الحائط، وهي قصة حتى لو صدقنا أن فريق عمل الفيلم صدقها بما كل لديه من حرفة وخبرة؛ فقد كان ينبغي عليهم احتراما لتلك الحرفة والخبرة أن يتعبوا أكثر في إقناع الجمهور بها، خاصة أن محاولة تصوير مصعب في جزء من الفيلم بوصفه متمردا على أوامر الشين بيت، لم يعد هناك مجال لأن تكون مقنعة بعد أن زار مصعب تل أبيب مع عرض الفيلم واحتفت به وسائل الإعلام هناك ليس محبة فيه، بل سعيا لمكايدة حركة حماس التي ظلت لفترة طويلة متبنية رواية أن إسرائيل تقوم بتزييف هذه الحكاية لضرب مصداقية الشيخ حسن يوسف وقيادات الحركة وإثارة بلبلة في الرأي العام المناصر لحماس، وهو ما تخلت عنه حماس بعد إعلان مصعب تنصره، ليضطر والده وأسرته لإصدار بيان يتبرأ منه، وهو ما يتحدث عنه مصعب في الفيلم بحيادية لا تتسق مع ما حاول جاهدا أن يثبته من حرصه على التعامل مع إسرائيل لكي ينقذ والده من الموت.

مصعب وجونين ومخرج الفيلم

على أية حال، لم يظهر لي طيلة الفيلم أن الإقناع بمصداقية مصعب وتبرير أفعاله هو هدف صناع الفيلم، بقدر ما بدا أن الحرص على تقديم المفارقة الدرامية وحده هو الأهم، باعتبار تلك المفارقة عنصرا كافيا لنجاح الفيلم فنيا وتجاريا، وهو ما لم يحدث، فقد جاء نجاح الفيلم باهتا على المستوى التجاري، برغم أنه حظي بمراجعات نقدية احتفت به، وأتصور أن ما جعل صناع الفيلم يتجنبون الاستفاضة في تقديم الخلفية الإنسانية لمصعب، هو أن الفيلم يمكن أن ينزلق إلى الحديث بشكل أعمق عن سؤال أهم ما الذي يجعل أهل مصعب وشعبه يخوضون هذا الصراع مع إسرائيل، على الأقل لكي يتضح للمشاهد ما إذا كان مصعب بطلا حقيقيا لأنه قام بتفضيل السلام على الحرب، أو ما إذا كان مجرد ضحية لطفولة معذبة جعلته حائرا مرتبكا يرتكب أفعالا غير مقتنع بها ويعيش طيلة الوقت مطاردا بنتائجها، أو ما إذا كان المشروع كله مجرد رغبة في التجارة بقصة حراقة حافلة بالتوابل الدرامية دون تقديم جميع أبطالها بوصفهم بشرا من لحم ودم؟ وهي اختيارات بحكم ارتباطها بشخص مثل مصعب حسن يوسف ـ أو جوزيف حسن يوسف الآن ـ تبدو كلها صحيحة، وسيكون عليك أن تحسمها بنفسك حين تشاهد الفيلم.

بلال فضل – التقرير

قد يعجبك أيضاً

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.