الثورات الشعبية لاتموت

0

 

دعت الثورة المصرية في شتاء‏2011‏ إلي اسقاط النظام المستبد الفاسد‏ وهذا يعني اسقاط النظام السياسي الاقتصادي الثقافي الأخلاقي, الأبعاد الأربعة للنظام مترابطة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر, تنكمش المسئولية الأخلاقية مع انكماش المسئولية السياسية والاقتصادية والثقافية.
يترابط الاستبداد والفساد في الدولة بالاستبداد والفساد في جميع المجالات الأخري العامة والخاصة, بما فيها المجال الأخلاقي منذ السبعينيات من القرن الماضي مع سياسة الانفتاح الاقتصادي والاعتماد علي البضائع المستوردة والمعونات الخارجية انكمش الانتاج المحلي الزراعي والصناعي, وانكمش معه الحس الوطني وتدهورت الثقافة والتعليم, وتلاشت المسئولية الأخلاقية في الحياة العامة والخاصة قامت السياسة الاقتصادية والثقافية الأخلاقية علي تشجيع الاستهلاك في السوق دون حدود, واشباع الرغبات والشهوات, بصرف النظر عن العواقب الاجتماعية والأسرية, هذه هي أخلاقيات الرأسمالية القائمة علي الربح, واعادة دورة رأس المال لتغذية السوق النهمة التي لاتشبع.
شهدنا الفساد السياسي الاقتصادي الثقافي, يصاحبه الفساد الاجتماعي الأخلاقي في المجتمع والدولة والأسرة, وانتشرت ظواهر التحرش بالنساء, الاغتصاب الجنسي للأطفال البنات والأولاد داخل الأسرة وخارجها, بيع الأباء لبناتهم القاصرات في سوق الزواج, ضاع جوهر الدين وأصبح مجرد شكليات: لحية وحجاب ونقاب وزبيبة صلاة, نشطت التجارة بالدين مع السلع الأخري في السوق وزاد الإرهاب, وشهدنا خلال الأيام الأولي للثورة المسئولية الأخلاقية تصاحب المسئولية الوطنية السياسية والاقتصادية, لم تحدث حالة تحرش جنسي واحدة طوال أيام الثورة, كانت الخيام في ميدان التحرير تضم طوائف الشعب المصري, نساء ورجال وأطفال ومسلمين ومسيحيين, لم تحدث حالة اعتداء واحدة, لم تحدث حالة سرقة واحدة, وكانت شعارات الثورة وطنية لإسقاط النظام المستبد الفاسد, لم تكن هناك شعارات دينية في بداية الثورة, ثم هجمت علي الثورة القوي( الداخلية والخارجية) تنشد اجهاضها وتقسيمها طائفيا وجنسيا, بدأنا نشهد التحرش بالنساء والبنات, والتحرش الطائفي بالمسيحيين, وانتشرت الشعارات والصراعات الدينية والمذهبية: سنة شيعة, إخوان, سلفيين, صوفيين الخ.
أما اليوم فنشهد مآسي الفتيات السوريات الهاربات الي مصر من جحيم الحرب في سوريا, كيف أصبحن سلعة في يد السماسرة وتجار الرقيق الأبيض في مصر, يتعيشون علي أجساد البنات الفقيرات ويساعد علي انتشار الفساد قانون الأحوال الشخصية, الذي يبيح للرجل ان يتزوج أربع نساء من أي جنسية وفي أي سن, بعض الأزواج لهم زوجة وأولاد وأحفاد, يقدمون علي الزواج من فتاة سورية بيضاء عمرها16 عاما ثمنها نحو ألفين جنيه حسب التسعيرة في الاعلانات, وكتبت عن الآباء الذين يبيعون بناتهم القاصرات في سوق الزواج دون مسئولية أخلاقية, دون تدخل من القانون لحماية البنت الصغيرة, باعتبار أن السلطة الأبوية مقدسة لا يراجعها أحد.
زاد التدهور الأخلاقي بازدياد التجارة بالدين وانتشار الأفكار الرجعية التي تشجع زواج القاصرات وتعدد الزوجات واشباع الشهوات الذكورية تحت اسم شرع الله ينتشر التناقض الأخلاقي الصارخ, فالأب الذي يبيع ابنته في السوق لايتردد في قتلها تحت اسم حماية شرفه.
كشفت دراسات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عن أن92% من جرائم القتل الأسرية التي وقعت في الفترة الأخيرة تندرج تحت ما يسمي جرائم الشرف, يرتكبها الأباء والأشقاء والأزواج بدافع الغيرة علي الشرف وغسل العار( جريدة الأهرام10 مايو2013 ص42).
أما الأب الذي يبيع ابنته الطفلة لرجل يكبرها بنصف قرن فهذا ليس عارا لأنه يتم تحت اسم الزواج ولا يشعر العجوز بالعار وهو يتزوج طفلة.
يرتبط الفساد الأخلاقي الفردي بالفساد الأخلاقي الجماعي السياسي الاقتصادي في ظل النظام الرأسمالي الأبوي القائم علي التجارة بكل شئ حتي الجنس وأعضاء البشر,إنها تجارة عالمية إقليمية محلية تقوم علي الربح فقط دون مراعاة الأخلاق أو المبادئ الإنسانية.
تحتل الأرباح من تجارة الجنس والرقيق الأبيض المركز الثالث في السوق الحرة العالمية بعد أرباح التجارة بالأسلحة والبترول والمخدرات.
وكشف تقرير جديد لوزارة الدفاع الأمريكية( البنتاجون) عن انتشار وبائي للجرائم الجنسية في صفوف الجيش الأمريكي, حيث قدر عدد الحالات بنحو26 ألف حالة اغتصاب جنسي خلال عام2012 فقط, وأوضح التقرير أن70 اعتداء جنسيا يحدث في اليوم الواحد في الجيش, وخضعت القوات الجوية بشكل خاص لتدقيق متزايد عقب موجة من أعمال الاغتصاب الجنسي للمجندين اثناء أنشطة تدريبية رئيسية في أكاديمية القوات الجوية( راجعوا جريدة الأهرام9 مايو2013, ص6).
قام الشعب الأمريكي بمظاهرات منذ عامين, ضد فساد الرأسمالية الأبوية وجشع التجار في وول ستريت, إلا أن البوليس الأمريكي استطاع ان يجهض الحركة, كما اشتعلت المظاهرات الشعبية في كثير من البلاد غربا وشرقا ضد النظام الطبقي الأبوي الفاسد, الذي يحول الأغلبية الساحقة من الشعوب الي فقراء في بلادهم, ومهاجرين هائمين في العالم بلا مأوي.
إنه النظام الذي يتاجر بالسلاح, كما يتاجر بالدين والمخدرات والجنس وأعضاء البشر, النظام الذي يمزق الشعوب بالسلاح العسكري من أجل نهب مواردها, ويمزقها بالسلاح الديني ليحولها إلي مجموعات متناحرة طائفيا لتنعدم قوتها.
كانت الثورة المصرية شاملة, لكن القوي الداخلية والخارجية, تعاونت معا لتجزئتها سياسيا واقتصاديا وطائفيا وجنسيا, لتصبح ثورة ذكور فقط, أو طبقة وسطي فقط. أو شباب فقط, أو إخوان مسلمين فقط وطغت الصراعات المذهبية, وقمع الثوار, نساءا وشبابا وأطفالا, وتلطيخ سمتعهم وإرهابهم وايداعهم السجون, لكن الثورات الشعبية لاتموت.
 
د.نوال السعداوى
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.