كيف استدرج بوتين كيري إلى خطة روسية لحلّ الأزمة السورية

0

 

الصور التي تظهر وزير الخارجية جون كيري وهو يضرب كفاً بكف مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يوزعها سوريون كثيرون معارضون لنظام (الرئيس السوري) بشار الأسد كتأبين بصري لقضيتهم. الم يكن من المفترض ان يكون هذان الرجلان على طرفي الصراع السوري؟ ولماذا يبدو لافروف اسعد من نظيره الأميركي؟ يتساءل الكاتب الأميركي مايكل ويس في تقرير له في مجلة فورين بوليسي.
 
ربما لأن الاجواء خلال زيارة كيري الحديثة الى موسكو قصد منها ان تظهر ان مضيفيه ليست لديهم اوهام بشأن من هو الجانب الاكثر حاجةً وانحناءً. اوَلاً، موكب كيري توقف في زحمة السير في موسكو لنصف ساعة بسبب التدريبات على العرض العسكري بمناسبة عيد النصر الذي يحتفل فيه بهزيمة السوفيات للنازيين في الحرب العالمية الثانية. ثم ابقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كيري منتظراً لثلاث ساعات قبل موافقته على مقابلته، وقد عمد خلالها الى اللعب بقلمه وكان اشبه برجل مطلق العنان لاهوائه خلال زيارة مبرمجة منذ مدة طويلة للملحق الثقافي لبابوا نيو غيني اكثر منه مشاركاً في قمة عاجلة مع ارفع دبلوماسي أميركي.
 
وادعت صحيفة "ازفستيا" الموالية للكرملين ان كيري "كان يحسب ان بامكانه الاعتماد على الا تعارض موسكو عقوبات ضد دمشق. ولكن لم ينجح ذلك". وحتى لو كانت هذه القصة باطلة، فان صياغتها تبين كيف نظرت الحكومة الروسية الى هذه المحادثات. وفي النهاية اعطى كيري بوتين ما اراده: موافقة واشنطن على محاولة جديدة لترتيب مفاوضات لانهاء الكارثة الجيوبوليتكية في سوريا.
 
في وقت ما قبل انتهاء شهر ايار (مايو) الجاري، ستستضيف الولايات المتحدة وروسيا مؤتمراً قائماً على اساس مبادىء بوتوكول جنيف الذي اتفق عليه في اواخر حزيران (يونيو) 2012 تحت رعاية الامم المتحدة. ويدعو الاعلان الى "عملية سياسية بقيادة سورية تفضي الى انتقال يلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري". ولتمهيد السبيل لمثل هذا الاتفاق، تطالب الوثيقة بانهاء العنف المسلح من الجانبين كليهما، واطلاق السجناء السياسيين، ومنح الصحافيين حرية الحركة في كل انحاء البلاد، وتعزيز الهدوء والاستقرار". ومنذ صوغ هذه الوثيقة التي كان يفترض ان تصبح خارطة طريق، قتل اكثر من 50 الف سوري في محاولة نظام الاسد اليائسة لسحق الانتفاضة.
 
والافتراضات الكامنة هي ان روسيا تستطيع "جلب" الاسد او ممثليه، وتضغط عليهم ليحضروا هذه المسامرة، وان الولايات المتحدة يمكنها ان تحضر الجناحين السياسي والعسكري للمعارضة السورية التي اختارت ان تكون شريكة لها، اي الائتلاف الوطني السوري والقيادة العسكرية العليا للجيش السوري الحر بقيادة اللواء سليم ادريس. ولم يكن اي من الجسمين الاخيرين موجوداً عندما تم الاتفاق على بروتوكول جنيف، ويجد ادريس نفسه الآن مضطراً لعمل ما لا يضطر حلفاء روسيا في الصراع الى عمله قط – اي ان يشحد.
 
والواقع انه بينما يستورد الاسد صواريخ طويلة المدى من ايران ويسمح لقائد الحرس الثوري الاسلامي الميجور جنرال قاسم سليماني ببناء ميليشيا طائفية مكونة من 150 الف شخص لترث المسؤوليات عن الجيش السوري، فان ادريس يكتب رسائل الى راعيه طالباً المزيد من العون. ورد فعل الولايات المتحدة هو مطالبة رجال ادريس بان يقتلوا مقاتلي "جبهة النصرة" اولاً ثم يولوا اهتمامهم بعد ذلك لقوات الرئيس بشار الاسد.
 
ويزعم ان سوريا تعرضت لهجمات بغاز سارين، وقد شهدت مقتل اكثر من 70 الف شخص وتهجير قرابة ربع مجموع سكانها، وصارت ملجأً لفرع متعاظم وطموح لـ"القاعدة". والآن يريد كيري للعالم ان يصدق ان بوسعه السفر عبر الزمن الى الوراء واحياء مبادرة دبلوماسية ولدت ميتة في وقتها ذاك. ولن ينجح المسعى.
 
وكما يحب الروس ان يذكِروا العالم، لا يوجد في اي جزء من بروتوكول جنيف نص يطالب بوجوب استقالة الاسد او حتى وعد بالا يتولى السلطة مرة اخرى في المستقبل. ويبدو ان كيري يوافق: ففي مؤتمر صحافي مشترك في موسكو مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عرض كيري هذا التققيم الجديد الصريح لاصرار الرئيس باراك اوباما المتكرر على خروج الاسد من المشهد. اذ قال: "من المستحيل بالنسبة الي كفرد ان افهم كيف يمكن ان تحكم سوريا في المستقبل من الرجل الذي ارتكب الاشياء التي نعلم انها حدثت. ولكنني… لن اقرر ذلك الليلة، ولن اقرر ذلك في النهاية".
 
وقد ارغم كيري على ان ينبذ بسرعة ميوعة موقفه في روما بتذكيره الصحافيين بالموقف الاصلي للولايات المتحدة. ولكن رد فعله الاولي يمكن ان يقنع الروس بان موقف الولايات المتحدة ازاء رحيل الاسد قابل للتفاوض.
 
وكان تعليق كيري بخصوص مستقبل الاسد انعكاساً لتعبير "الخط الاحمر" السيء الصيت الذي استخدمه اوباما بشأن استخدام او تحضير الاسلحة الكيميائية للاستخدام. فبعد ان اقر البيت الابيض بان من المرجح ان الاسد استخدم اسلحة كيميائية ضد شعبه – وهي خطوة قال اوباما ذات مرة انها ستكون "غلطة خطيرة" – كانت خطوة الولايات المتحدة اللاحقة بشأن سوريا هذا الجهد لاحياء محادثات سلام جامدة.
 
يجرى كل هذا في موازاة جهود تشريعية منتعشة لمساعدة المعارضة. فقد عرض السناتور روبرت مينديز (الجمهوري عن ولاية نيوجيرزي) مشروع قانون في 6 أيار (مايو) يقضي بتزويد مجموعة معينة من الثوار باسلحة أميركية وتدريب عسكري أميركي، فيما دعا كل من السناتور جون ماكينزي (الجمهوري عن ولاية أريزونا) والسيناتور كارل ليفين (الديموقراطي عن ولاية ميتشيغان) المجلس اليوم للقيام بعمليات قصف جوي مركزة باستخدام منظومات لمواجهة طائرات وبطاريات صواريخ الاسد. وما يستنتجه الكرملين من هذا التغييير في السياسية والخطابات الأميركية هو انه ليست لدى واشنطن استراتيجية متماسكة للحديث عنها. ولا يمكن لانصار بوتين ان يغفلوا القول القديم لاحد المسؤولين الأميركيين الذي لم يعرف باسمه: "اذا استخدم الاسد غاز سارين على ابناء شعبه، فما الذي يعنينا من ذلك؟".
 
وسيتوصل مسؤولو الامن الروس من ذلك الى انه دعوة مفتوحة لروسيا لكي تساعد البيت الابيض في عدم اللجوء الى التدخل في سوريا. وقد اعربوا عن سعادتهم الحقيقية بالفعل لقبولها: ففي اليوم التالي بعد مغادرة كيري لموسكو، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية مقالا عن صفقة "وشيكة" بين روسيا وسوريا لتزويد الاسد بـ300 صاروخ من طراز "إس-300" – وهو نفس النظام العالي التقنية لمقاومة الطائرات الذي حثت واشنطن روسيا على عدم بيعه الى ايران. والصفقة المفترضة ستشمل "6 بطاريات اطلاق و 144 صاروخا، يبلغ مدى كل منها 125 ميلا"، ومن المقرر ان يجري التسليم خلال الاشهر الثلاثة المقبلة. وهذه الاسلحة ستعزز موقف المطالبين في واشنطن بعدم التدخل الذين يرون ان الدفاعات الجوية السورية حصينة الى درجة كبيرة امام فرض اي منطقة حظر للطيران.
 
ويبدو ان افكار بوتن تنفتح كما لو كانت درجا من السكاكين، فيما تعيش الولايات المتحدة، وبعض افراد المعارضة السورية، على الوهم بامكان ان يتغير موقف الرئيس الروسي. والسؤال هو ما الذي يدعوه الى ذلك في وقت يتسم فيه موقف الغرب بشأن سوريا بالتقلب على الدوام؟ ولم يصدر عن لافروف (وزير الخارجية الروسية) بمحض الصدفة او خلافا لخطاباته، قوله لمجلة "فورين بوليسي" انه يشعر "بالامتنان وهو يلاحظ بعض التغيير الايجابي من جانب اولئك الذين كانوا ينفون اي امكانية لقيام حوار طالما بقي الرئيس الاسد في سوريا".
 
وفي ذلك الوقت اعاد لافروف التأكيد على حق روسيا في بيع السلاح والمضادات الجوية للاسد، واشار الى ان الأميركيين وليس الروس هم الذين يتراجعون في طلباتهم. وكان فيودور لوكيانوف صادقا بالقدر ذاته في تقييمه لنشرة "المونيتور" يوم الخميس: "موقف روسيا لن يتغير على وجه التأكيد – وليس مرد ذلك الى روسيا ولكن نتيجة تضاؤل الحماس في ما يتعلق بما يمكن ان تكون عليه سوريا بعد الرئيس السوري بشار الاسد".
 
ومنذ البداية فان الاستراتيجية الروسية سارت في الطريق الصحيح مع نظام الاسد: باطالة أمد الصراع الى الدرجة التي يبدو فيها الجهاديون اكثر ظهورا على الجانب الاخر، وحشرهم بعد ذلك في اطار الحرب العالمية ضد الارهاب. واستتباعا لما يعلنه الاسد، وصفت روسيا كل الثوار السوريين، بمن فيهم المنشقين عسكريا عن النظام، باعتبارهم "ارهابيين". وحاولت ان توجه مسؤولية مذبحة الحولة، التي قتل فيها 108 من المدنيين، بمن فيهم من نساء واطفال، على ايدي قوات الشبيحة الموالية للنظام، ضد المعارضة. وقامت بتسهيل دعاية النظام في ما يتعلق باستخدام الثوار لاسلحة كيميائية بالاصرار على ان يقتصر تحقيق الامم المتحدة الجنائي على منطقة واحدة في حلب، بدلا من السماح لفريق الامم المتحدة بالقيام بتحقيق شامل في انحاء البلاد. وتدرك روسيا كذلك ان الامم المتحدة لا يمكنها دخول الاراضي السورية الا باذن من الاسد، وهو أمر غير محتمل، اذ ان من المناسب في ما يتعلق بالذين يؤمنون انه مهما بلغت درجة مصداقية او "واقعية" الاستخبارات الأميركية بشأن اسلحة الدمار الشامل فانها لن تؤخذ على محمل الجد بعد احداث العراق.
 
وكان لافروف محقا في قوله ان موقف روسيا ظل "ثابتا". ومقارنةً بالبيت الابيض، الذي ازاح الستار في البداية عن سياسة تغيير النظام عندما اعلن اوباما في آب (اغسطس) 2011، ان على الاسد ان "يتنحى"، لتعود بالتخلي بهدوء عن تلك السياسة بتأييد خطة السلام ذات النقاط السبع الفاشلة لموفد الامم المتحدة الى سوريا السابق كوفي أنان في آذار (مارس) 2012.
 
ويكاد المرء يغبط الكرملين في هذه الساعة المتأخرة. اذ بعد الكثير من التعنت في خليج السلاحف، واستمرار تدفق شحنات الاسلحة والخبراء العسكريين لصالح نظام الاسد، تتحقق بالفعل توقعات بوتين لاستعادة صفة الدولة الكبرى لروسيا. انه يريد ان يقف على قدم المساواة مع الولايات المتحدة في السياسة الخارجية، ليس في الشأن السوري وحسب، ومن الواضح انه رجل المستقبل. تهانينا بيوم النصر السعيد".
 
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.