لو ان الفتى حجرٌ؟

0

 

‘ما اطيبَ العيشَ لو ان الفتى حجرٌ تنبو الحوادثُ عنهُ وهو ملمومُ’
تحوّل هذا البيت الشعري الذي كتبه تميم بن مقبل الى ما يشبه المثل، فحين اطلق الشاعر الجاهلي صرخة الألم هذه، كان يرثي زمنه الجاهلي، ويبكي زوجته التي فرّقه عنها الاسلام ، حين الغي العرف الجاهلي الذي يسمح بزواج الابن الأكبر من زوجة ابيه، بعد وفاة هذا الأخير. 
لكن الزمن نجح في فصل صرخة الشاعر عن سببها المباشر، فصارت شكلا من اشكال تجسيد اليأس في كلمات، وصارت عزاء لليأس بيأس مصنوع من الايقاع.
تذكرت هذا البيت الشعري وانا اتابع وقائع الجدل الذي اثاره مقال عميرة هاس في ‘هآرتس′ (3 نيسان/ابريل)، وفيه تحاول المحللة الاسرائيلية، التي عُرفت بمواقفها النزيهة المناهضة للاحتلال الاسرائيلي، ان تقدم تصورا لاحتمالات تطور المقاومة الشعبية الفلسطينية السلمية، مركزة على حق الفلسطينيين في استخدام الحجر، كأداة للتعبير والمواجهة، وداعية الى تأسيس وعي مقاوم في المدارس الفلسطينية، ضمن اطار مقاومة سلمية.
المذهل ان الردود على هاس، التي شارك فيها عدد كبير من الكتاب الاسرائيليين اجمعت في معظمها على ادانة المقال واعتباره تشجيعا على قتل الاسرائيليين! فالحجر في عرف هؤلاء هو سلاح للقتل، بل قد يكون اكثر خطورة من اطلاق النار! اي ان الفلسطيني المتهم بالقاء الحجارة على جنود الاحتلال قاتل، ويمكن بالتالي قتله في السجن تحت التعذيب كما حصل للشهيد عرفات جرادات.
بدت الكاتبة الاسرائيلية الشجاعة معزولة بشكل كامل، وسط حملة صحافية تعكس المناخ السياسي- الثقافي الاسرائيلي، الذي ذهب بعيدا في يمينيته وعنصريته، وتبنى خطاب المستوطنين الهذياني.
واللافت ان احد اسباب ادانة مقال هاس، كان بسبب نشره عشية احتفال اسرائيل بذكرى الهولوكست. والغريب ان المحتفلين بذكرى ضحايا المحرقة، لم يتوقفوا لحظة ليسألوا انفسهم ماذا يفعلون في الاراضي الفلسطينية المحتلة؟ وكيف يمكن لمشاعرهم الانسانية ان تختفي حين تكون الضحية فلسطينية؟
درور ايدار يتساءل في مقال نشر في جريدة ‘اسرائيل هايوم’: ‘هل انا الوحيد الذي فهم ان هاس تشجع القتلة في ‘فتح’ و’حماس′ على ايذاء ‘فقط’ اولادكم وبناتكم الذين يخدمون في جيش الدفاع … وكل ذلك يجري عشية ذكرى الهولوكست’. ويصل في تحليله الهذياني الى اعتبار المقال ‘دعوة للارهابيين لالقاء الحجارة وقتل اليهود’.
لاحظوا معي، اطفال فلسطين الذين يلقون الحجارة صار اسمهم ‘قتلة’، وانتزعت منهم طفولتهم، اما جنود الجيش الذين يطلقون النار فصاروا ‘اولادكم وبناتكم’. الطفل صار قاتلا، والقاتل صار طفلا؟ يا للعجب. لكن سرعان ما سوف يتبدد هذا العجب حين نقرأ مقالا لأدفا بيتون في ‘معاريف’ تقول فيه ان’ الحجر سلاح قاتل بكل ما في الكلمة من معنى’، اما مجلس المستوطنين في الضفة الغربية فقدم شكوى الى الشرطة ضد الكاتبة لأنها ‘الغت المسافة بين الصحافي والناشط المؤيد للفلسطينيين’، كما كتب المستوطن يسرائيل مداد في مدونته الالكترونية. 
حتى يوسي بيلين الذي اعلن تعاطفه مع شجاعة هاس اعتبر مقالها ‘مفاجئا ومحزنا’، وقارن بينه وبين زيارة شارون الى المسجد الأقصى، وهي الزيارة التي اشعلت شرارة الانتفاضة الثانية! 
صحيفة ‘هآرتس′ حيث تعمل هاس نشرت مقالها وبعض الردود عليه في نسختها الالكترونية الانكليزية، مما سمح لي بأن اتابع ولو بشكل جزئي هذا المناخ الثقافي الاسرائيلي المهيمن، الذي اوصل الوضع ليس الى انسداد سياسي شامل فقط، بل الى انهيار اخلاقي معلن لم تعد اسرائيل قادرة على ترميمه، بعدما تمت شرعنة الاحتلال والاستيطان، واستبدلت لغة الضحية المتنعّجة التي اخفت اهوال حرب النكبة لتحل في مكانها اليوم لغة القوة المتنمّرة التي تعلن ان النكبة مستمرة ولم تتوقف منذ خمسة وستين عاما، وانها تصل اليوم الى احدى ذراها مع الاستيطان المتوحش.
لا تكشف معركة عميرة هاس جديدا، سوى انها سمحت للمكبوت العنصري الاسرائيلي بأن يكشف نفسه بلا حياء.
فالذي يعتبر المقاومة السلمية التي دعت اليها عميرة هاس جريمة، يريد من ضحيته الفلسطينية ان تتلاشى وتندثر.
هذا هو جوهر اللعبة منذ حرب النكبة عام 1948، بجرائمها الوحشية التي تمحورت حول رفض الاعتراف بالفلسطينيين ليس كضحية فقط بل وكبشر ايضا يملكون الحقوق والمشاعر والأحاسيس. واذا كانت الآلة الاسرائيلية نجحت بعد الحرب العالمية الثانية في امرار جريمتها، فانها اليوم لم تعد تستحي، وها هي تعلن بصريح العبارة ان الفلسطيني لا يملك اي حق، وان مقاومته السلمية وحجارة اطفاله سوف تعامل بوصفها جريمة!
لا يشكل هذا الاعلان جديدا بالنسبة للفلسطينيين، وهو لن يؤثر في مقاومتهم باشكالها المختلفة، فالفلسطينيون يقاومون اليوم دفاعا عن حقهم في الوجود كبشر، وهذا الحق سوف يجد دائما اشكاله، ويصحح اخطاءه. 
لكنه يشكل تحولا لغويا اسرائيليا، لأنه يكشف الغطاء عن الثقافة الاسرائيلية بوصفها ثقافة عنصرية لا التباس فيها، ويرسم الملامح الحقيقية للمشروع برمته وقد نزع اقنعته كي يؤسس نظام الابارتيد في فلسطين.
الشاعر الجاهلي هرب الى الحجر كي يختبئ في المه، لكن الفلسطيني الذي ورث الحجر حوله الى ‘حجر يطير الى ابي حجلا’، كما كتب محمود درويش.
الحجر الجاهلي صار حجلا فلسطينيا، والحكاية لا تزال في بداياتها، اما النهاية فلن يكتبها سوى من جعل الحجر يبني ‘سقف السماء’.
الياس خوري
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.