عودة الشيخ إلى صباه

0

 

وبما أن حلم كل شيخ أن يعود إلى صباه، فقد قررت أن أخوض التجربة، رغم نصيحة من سبقني أنّ لا فائدة ترجى وقد فات الظعن، ولكنها طبيعة الإنسان، (ابو راس يابس)، الذي لا يتعظ من تجارب الآخرين ويعتقد أنه قادر على فعل ما لم يستطع أحد فعله من قبل. وبما أن الخطوة الأولى في استرجاع الصبا بالنسبة لعجوز مثلي هي الرياضة، فقد عزمت ونفذت أن أذهب كل صباح من البيت إلى المحل سيراً على الأقدام، قاطعاً بذلك خمسة كيلومترات بمدة خمسين دقيقة، مستفيداً من المشوار، غير الرياضة، استعادة ذكريات أيام الفقر، حيث كانت السيارة في سوريا تنقل صاحبها من طبقة الفقراء إلى طبقة الوجهاء، الذين كانوا ينعمون على أبناء حاراتهم القديمة بتوصيلة إلى عرس أو مطعم أو طبيب، واضعين في اعتبارهم، اثناء تأديتهم هذه الخدمة، أن يراهم أكبر عدد ممكن من الناس وهم يجلسون خلف مقود السيارة.
 
وبما أنني كنت من دعاة السلمية سابقاً، والحل التفاوضي لاحقاً، فقد تسلحت بما يلزم لعجوز مثلي لقطع هذه المسافة، فاشتريت بوطاً خاصاً للمشي دون رباطات، وبنطلوناً مريحاً سهل الخلع واللبس عند الحاجة، ونظارة شمسية. ولم أنسَ أبداً أن أضع في جيبي قبضة من اللوز المفيد للبروستات وتخفيض الكولوسترول في الدم، ولأضع بين حين وآخر حبة لوز في فمي، على مبدأ أن فم العجوز يجب أن يكون مشغولاً دائماً بالأكل أو الكلام الفاضي وخاصة إذا كان هذا العجوز قادماً من أوساط السياسيين كحالتي، حيث طق الحنق "على أبو موزة" حسب تعبير الحماصنة. وبما أنني كنت قد أصبحت فايسبوكياً مدمناً، فكان لا بد من الاستفادة من المشوار الصباحي لالتقاط فكرة عابرة لصفحات الثورة وتسجيلها على الورقة التي تكون في جيبي، بجانب اللوز، فربما أستطيع بواسطتها إدهاش أصدقائي الفايسبوكيين وتسجيل نقطة لصالحي، منتزعاً عدداً لا يستهان به من اللايكات، التي اتهمني أكثر من صديق أنني أسعى لحصدهم بمناسبة وبدون مناسبة، حتى أصبحت أردد مع المطرب الجماهيري علي الديك أغنية الحاصودي، وضرورة أن أبحث عن صبايا وشباب معجبين بي لتشميل اللايكات ووضعها في أكوام بانتظار موسم (الجريد)، يعني نقل القمح المشمل إلى البيادر، حيث يتم درسه وفصل الحسن عن السيء.
 
وكما قلت لكم، ولم تصدقوني في بداية الحديث، اإن العجوز المسيس يبدأ الكلام ولكنه لا يعرف بعدها التوقف. اكتشفت أن (الاستضرادات) في الكلام أبعدتني عن تتمة وصف المشوار الصباحي لشيخ يحلم باسترجاع صباه، فقد كنت أقطع الطرقات، واجتاز الشوارع التي تحيط بها عمارات شاهقة، ملتزماً بالقانون وبالإشارات الضوئية، رغماً عني، وإلا فرجل الشرطة يقف بالمرصاد لمن يخالف القانون، والقانون هنا يطبق على السيارات والمشاة. وطوال الأيام كنت أراقب جيداً الحركة في الشوارع، فلم ألحظ أبداً، سيارة أمن تطلق النار على الطلاب المتظاهرين، ولم أرَ قناصاً واحداً يتمركز فوق بناية، ولم أشاهد دبابة في أي شارع، كل ذلك جعلني أفكر ملياً، وبعد أن أخذت وقتي، أن دعاة السلمية والحلول التفاوضية، الذين يعيشون خارج سوريا، معهم كامل الحق فيما يدعون إليه، وخاصة بعد ما حدث في برزة الآن من قتل وتدمير وقصف، فلو أن البرزاويين، أصلحهم الله، التزموا بمبدأ السلمية لما حصل ما حصل، وورطوا النظام المسكين القاتل بدمائهم.
وصلت قبل قليل إلى محلي المكيف، وأحضرت من المقهى المقابل فنجاناً كبيراً من القهوة، كي يعدل مزاجي وبدأت (البيض) على الفايسبوكيين.
وهذه هي النتيجة.
 
ميخائيل سعد
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.