وطن-البقاء في علاقة عاطفية أو زوجية لم تعد تمنح الطرفين السعادة ليس حالة نادرة كما يظن كثيرون. فالكثير من الأشخاص يدركون، في مرحلة ما، أن العلاقة أصبحت مرهقة أو باردة أو مليئة بالتوتر، ومع ذلك يجدون أنفسهم عاجزين عن اتخاذ قرار واضح بالرحيل أو حتى إعادة تقييم المسار بجدية.
وتوضح دراسات في علم النفس أن الأمر لا يرتبط غالبًا بضعف الشخصية أو قلة الحسم، بل بمجموعة من الأنماط النفسية المعروفة التي قد يقع فيها أي إنسان. وفهم هذه الأنماط لا يعني بالضرورة أن الانفصال هو القرار الصحيح، لكنه يساعد الشخص على رؤية الموقف بوضوح بعيدًا عن الخوف أو الاعتياد أو الشعور بالذنب.
فخ “التكلفة الغارقة” في العلاقات
كلما زاد الوقت والجهد والمشاعر والمال الذي استثمره الإنسان في علاقة ما، أصبح الخروج منها أكثر صعوبة، حتى لو لم تعد تمنحه الراحة أو الاستقرار النفسي.
ويُعرف هذا السلوك في علم النفس باسم مغالطة التكلفة الغارقة، وهي ميل الإنسان إلى الاستمرار في قرار أو وضع معين فقط لأنه سبق أن أنفق عليه الكثير من الوقت أو الطاقة أو الموارد.
وبحسب ما أوردته الدورية العلمية لعلم النفس المعاصر، أظهرت دراسة أجرتها جامعة دو مينهو البرتغالية وشملت أكثر من 900 مشارك، أن الأشخاص يصبحون أكثر ميلًا للبقاء في علاقات غير سعيدة عندما يشعرون بأنهم قدموا الكثير من التضحيات، مثل شراء منزل مشترك أو بناء حياة طويلة مع الطرف الآخر.
وتشبه هذه الآلية النفسية إصرار بعض الأشخاص على مشاهدة فيلم ممل حتى النهاية فقط لأنهم شاهدوا نصفه بالفعل. فالعقل لا يسأل هنا: «هل الاستمرار مفيد لي؟»، بل يركز على سؤال آخر: «كيف أتخلى عن كل ما بذلته؟».
الخوف من التغيير لا يعني دائمًا وجود الحب
في كثير من الأحيان، لا يكون البقاء في علاقة غير مرضية دليلًا على قوة الحب، بل نتيجة خوف عميق من التغيير. فقد يعرف الشخص أن العلاقة لم تعد تمنحه السعادة، وقد يدرك وجود خيارات أخرى، لكنه يشعر بأن الانتقال إلى حياة جديدة أو مواجهة الوحدة أمر مخيف ومربك.
وكشفت دراسة أجراها عدد من الباحثين عام 2020 وشملت 726 مشاركًا، أن الأشخاص الذين لديهم نمط تعلق عاطفي قَلِق يكونون أكثر عرضة للخوف من الوحدة، وهذا الخوف قد يزيد بدوره من صعوبة اتخاذ قرار التغيير.
وتوضح هذه النتيجة الفرق بين التمسك الحقيقي بالعلاقة وبين الخوف من المجهول. فالسؤال أحيانًا لا يكون: «هل ما زلت أحب؟»، بل: «هل أستطيع مواجهة حياة مختلفة؟».
الخوف من إيذاء الشريك
ليس كل من يبقى في علاقة متعبة يفعل ذلك من أجل مصلحته الشخصية فقط. ففي بعض الحالات، يكون السبب الأساسي هو الخوف من جرح الطرف الآخر، خصوصًا إذا كان الشريك متعلقًا بالعلاقة أو يعتمد عاطفيًا عليها.
وتشير دراسات في علم النفس الاجتماعي إلى أن بعض الأشخاص يستمرون في علاقات غير سعيدة بسبب القلق الحقيقي على مشاعر شركائهم. وكلما شعر الشخص بأن الطرف الآخر يحتاج إليه نفسيًا أو عاطفيًا، أصبح اتخاذ قرار الانفصال أكثر صعوبة، حتى لو كان هو نفسه يعيش حالة من عدم الرضا.
وهذا يكشف جانبًا إنسانيًا معقدًا في قرارات الانفصال، إذ لا يكون الأمر دائمًا أنانية أو ضعفًا، بل قد يكون مزيجًا من التعاطف والشعور بالمسؤولية والخوف من انهيار الطرف الآخر.
“نستمر من أجل الأبناء”.. قرار معقد بلا إجابة واحدة
يُعد الأبناء من أكثر الأسباب التي تدفع بعض الأزواج إلى الاستمرار في علاقات غير سعيدة، لكن الخبراء يؤكدون أن هذه المسألة ليست بسيطة، ولا يمكن إصدار حكم واحد ينطبق على جميع العائلات. ففي بعض الحالات، قد يكون بقاء الوالدين معًا أقل ضررًا، بينما قد تكون الشراكة الأبوية بعد الانفصال أفضل من حياة مليئة بالخلافات والصمت والتوتر.
وتشير الدراسات النفسية إلى أن العامل الأساسي ليس فقط وجود الوالدين معًا أو انفصالهما، بل طبيعة البيئة التي يعيش فيها الطفل. فالطفل يتأثر بالأمان والاستقرار العاطفي داخل المنزل، كما يتأثر أيضًا بالصراعات المستمرة والعداء والبرود بين الوالدين. ولهذا فإن قرار البقاء من أجل الأبناء يحتاج إلى تقييم واقعي للعلاقة، وليس فقط الاعتماد على فكرة التضحية.
عندما يشعر كل طرف أن الآخر قدم الكثير
أحيانًا لا يستمر الشخص في العلاقة بسبب ما قدمه هو فقط، بل بسبب ما يعتقد أن شريكه قدمه أيضًا. فعندما يشعر الطرفان بأنهما استثمرا سنوات من حياتهما وجهودهما ومشاعرهما في العلاقة، يتولد إحساس قوي بالالتزام يصعب كسره.
وهذا يشبه مغالطة التكلفة الغارقة، لكنه يرتبط هنا بالشعور بأن الرحيل قد يكون خيانة لتاريخ طويل من المحاولات والتضحيات المشتركة. وقد يدفع هذا الشعور الطرفين إلى الاستمرار في علاقة يدركان في داخلهما أنها لم تعد تمنحهما الرضا والسعادة.
الخلط بين صعوبة الرحيل واستحالته
قبل إنهاء علاقة طويلة، يميل كثيرون إلى تضخيم صعوبة الرحيل، فهم يفكرون في المواجهات، والألم، وتقسيم المسؤوليات، وردود فعل العائلة، والوحدة، وربما الشعور بالفشل. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المخاوف إلى اعتقاد خاطئ بأن الرحيل مستحيل، بينما هو في الحقيقة قرار صعب فقط.
وتشير أبحاث في مجال اتخاذ القرارات البشرية إلى أن الإنسان كلما استثمر موارد أكثر في أمر ما، شعر بأنه ملزم بالاستمرار فيه، حتى لو لم يعد هذا الاستمرار يخدم مصلحته. وفي العلاقات، قد لا يرى الشخص تكلفة البقاء في علاقة تستنزفه نفسيًا، لأنها تتراكم ببطء مقارنة بألم قرار الانفصال.
الاعتياد التدريجي على التعاسة
نادراً ما تنهار العلاقات بشكل مفاجئ. ففي الغالب يحدث التدهور تدريجيًا عبر خلافات صغيرة، ومسافة عاطفية، وضعف التواصل، وتراجع الحميمية، والشعور المتكرر بالوحدة رغم وجود الشريك. ومع مرور الوقت، يبدأ الإنسان في اعتبار هذه المشكلات أمرًا طبيعيًا.
وتوضح أبحاث عالم النفس جون غوتمان حول العلاقات الزوجية أن التعرض المستمر للخلافات غير المحلولة أو للابتعاد العاطفي قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات الضغط النفسي، والتأثير في الصحة النفسية والجسدية.
فالخطر لا يكمن فقط في المشاكل الكبيرة، بل في الاعتياد على حياة يغيب عنها الدفء والارتباط الحقيقي.
فهم السبب لا يعني أن الانفصال هو الحل دائمًا
هذه الأسباب النفسية لا تعني أن الشخص ضعيف أو غير قادر على اتخاذ القرار، فهي أنماط طبيعية قد تظهر لدى أشخاص مختلفين.
والأهم هو معرفة الدافع الحقيقي وراء الاستمرار:
هل هو الحب؟
أم الخوف؟
أم الشعور بالذنب؟
أم الاعتياد؟
أم الاعتقاد بأن الماضي لا يمكن التخلي عنه؟
إن فهم هذه العوامل يساعد على اتخاذ قرار أكثر وعيًا. فقد تكون العلاقة قابلة للإصلاح إذا وُجدت الرغبة المتبادلة والجهد الحقيقي، وقد يكون إنهاؤها هو الخيار الأفضل في بعض الحالات. وفي النهاية، يبقى الوعي بالحقيقة أفضل من الاستمرار في علاقة فقط بسبب الخوف من التغيير أو التمسك بما مضى.
قد يعجبك
لماذا تترك بعض النساء أزواجهن بعد الأربعين؟ أسباب صامتة تقود إلى الانفصال رغم استمرار الحب..
السر العلمي وراء “الاحساس الداخلي”! لماذا قراراتك السريعة غالباً ما تكون صائبة؟
7 علامات تحذيرية تسبق الطلاق بسنوات.. هل يمكن إنقاذ العلاقة قبل فوات الأوان؟

