وطن-تحولت خريطة جديدة للأحياء ذات الطابع المهاجر في مدينة نيويورك إلى محور جدل سياسي واجتماعي واسع، بعدما أثارت اتهامات لإدارة العمدة زهران ممداني بتهميش أحياء تاريخية ارتبطت بموجات الهجرة الأوروبية، وفي مقدمتها حي “ليتل إيتالي” الشهير.
وبحسب ما أوردته مجلة “ذا نيو ريبابليك” الأميركية، فإن الخريطة التي جرى تداولها مؤخراً هدفت إلى إبراز أبرز التجمعات السكانية للمهاجرين في الأحياء الخمسة للمدينة، بما يشمل مجتمعات صينية وأفريقية وعربية ولاتينية وجنوب آسيوية وشرق أوروبية، إلا أن غياب بعض الأحياء التاريخية أثار اعتراضات من منظمات تمثل الأميركيين من أصول إيطالية وأيرلندية ويهودية.
اعتراضات على استبعاد “ليتل إيتالي”
رأت مجموعات إيطالية أميركية أن استبعاد “ليتل إيتالي” لا يمكن اعتباره مجرد تحديث فني للخريطة، بل يمثل تجاهلاً لجزء مهم من تاريخ الهجرة الذي ساهم في تشكيل هوية نيويورك السياسية والثقافية خلال القرن العشرين.
وتصاعد الجدل بعد انتشار رسالة من رابطة الحقوق المدنية الإيطالية الأميركية، قبل أن ينضم التجمع الإيطالي في مجلس مدينة نيويورك إلى الانتقادات، مطالباً بتوضيح أسباب استبعاد الحي التاريخي.
ممداني: الخريطة ليست شاملة
وردّ العمدة زهران ممداني على الانتقادات، مؤكداً أن الخريطة لا تمثل قائمة كاملة بجميع المجموعات الإثنية في المدينة، بل تعكس جانباً من التنوع السكاني الحالي.
وأوضح مساعدون للعمدة أن الإدارة أضافت خلال عملية التحديث أحياء تحمل أسماء مثل “ليتل إيجيبت” و**”ليتل سينيغال”** و**”ليتل فلسطين”** و**”ليتل أوديسا”**، بهدف إبراز المجتمعات التي برز حضورها خلال العقود الأخيرة.
“ليتل إيتالي”.. من قلب الهجرة إلى معلم سياحي
يحمل حي ليتل إيتالي مكانة خاصة في تاريخ الأميركيين من أصول إيطالية، إذ كان في مطلع القرن العشرين مركزاً رئيسياً للجالية الإيطالية في نيويورك.
لكن مع انتقال معظم السكان إلى أحياء أخرى داخل المدينة وخارجها، وتوسع حي تشايناتاون المجاور، تقلص الحي تدريجياً حتى أصبح يقتصر على بضعة مبانٍ في شارع مولبيري، وتحول إلى وجهة سياحية أكثر منه مجتمعاً سكنياً للمهاجرين.
كما شهدت المنطقة تغيرات ديموغرافية واقتصادية، إذ باتت العديد من المطاعم والمتاجر الإيطالية التقليدية تُدار من قبل أفراد ينتمون إلى جاليات مهاجرة أحدث، في انعكاس لتحولات الهجرة داخل المدينة نفسها.
صراع أوسع حول معنى الهجرة
وترى ذا نيو ريبابليك أن الجدل تجاوز حدود أسماء الأحياء، ليطرح سؤالاً أوسع حول تعريف “المهاجر” في مدينة مثل نيويورك. فكثير من الأميركيين من أصول إيطالية وأيرلندية ويهودية لم يعودوا يعتبرون أنفسهم جزءاً من مجتمعات مهاجرة حديثة، بعدما استقرت عائلاتهم في المدينة منذ أجيال، بينما باتت موجات الهجرة الجديدة تضم مجتمعات آسيوية وعربية وأفريقية ولاتينية تشكل اليوم جزءاً متزايداً من النسيج السكاني.
تحولات في موازين القوة السياسية
وتشير المجلة إلى أن الخلاف يعكس أيضاً تغيراً في موازين النفوذ السياسي داخل نيويورك. فبعد عقود هيمنت خلالها الجاليات الأيرلندية والإيطالية واليهودية على الحياة السياسية والإدارية في المدينة، أسهمت التحولات الديموغرافية وانتقال أعداد كبيرة من السكان إلى الضواحي في تراجع حضور هذه المجموعات، مقابل صعود تحالفات جديدة تضم الأميركيين من أصول أفريقية ولاتينية وآسيوية.
وجاء انتخاب زهران ممداني رئيساً لبلدية نيويورك ليعكس هذا التحول، بعدما اعتمد على ائتلاف انتخابي واسع ضم الشباب والمستأجرين والناخبين من أصول متنوعة، إضافة إلى حضور متزايد للمسلمين والأميركيين من أصول جنوب آسيوية، الذين أصبحوا يشكلون ثقلاً انتخابياً متنامياً داخل المدينة.
أكثر من مجرد خريطة
ويرى مراقبون أن الجدل حول خريطة الأحياء المهاجرة يتجاوز الجانب الإداري، ليعكس نقاشاً أعمق حول الذاكرة الجماعية، وتمثيل المجتمعات المختلفة، وإعادة تعريف هوية نيويورك في القرن الحادي والعشرين.
فبينما لا يمكن إنكار الدور التاريخي الذي لعبته موجات الهجرة الأوروبية في تشكيل المدينة، تؤكد التحولات السكانية والسياسية أن نيويورك تواصل إعادة رسم صورتها مع كل جيل جديد من المهاجرين، في مدينة ظلت على الدوام مرآة للتنوع والتغير المستمر.
اقرأ المزيد
مفاجأة سياسية في كولورادو.. مهاجرة إثيوبية تُطيح برمز “أيباك” وتصل للكونغرس من بوابة غزة
على طريقة كينغ كونغ.. طلب زواج “مجنون” فوق قمة إمباير ستيت ينتهي في قبضة شرطة نيويورك
سابقة تاريخية في نيويورك.. القضاء الأمريكي يستدعي ترامب بطلب من قضاة “الجنائية الدولية”

