وطن-تصاعدت الضغوط داخل بريطانيا على الحكومة للتحرك العاجل من أجل إطلاق سراح الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في شمال غزة، بعد أكثر من 550 يوماً على احتجازه لدى إسرائيل دون توجيه تهمة أو محاكمة، وسط تحذيرات حقوقية وطبية من أن حياته باتت مهددة بشكل مباشر.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن أكثر من 800 طبيب وممرض وعامل في القطاع الصحي بالمملكة المتحدة وقعوا رسالة مفتوحة إلى وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، طالبوها فيها بالتدخل الفوري والعلني لتأمين الإفراج عن أبو صفية، الذي اختطفه الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة في أواخر ديسمبر 2024.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، ظهر الطبيب الفلسطيني عبر رابط فيديو خلال جلسة في المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس في 10 يونيو، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوقية أنه محتجز في ظروف قاسية، ويتعرض للتعذيب وسوء المعاملة داخل السجون الإسرائيلية.
رسالة بريطانية تطالب بتحرك عاجل
الرسالة التي نسقتها منظمة العفو الدولية في بريطانيا بالتعاون مع مجموعة Health Workers 4 Palestine، دعت وزيرة الخارجية البريطانية إلى استخدام كل الأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية المتاحة للضغط على إسرائيل من أجل الإفراج الفوري عن الطبيب حسام أبو صفية.
وجاء في نص الرسالة، وفق ما نقلته “ميدل إيست آي”: “نحثكم على المطالبة علناً وبلا لبس بالإفراج الفوري عنه، واستخدام جميع الأدوات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية المتاحة لكم لضمان إطلاق سراحه”.
ويُعد حسام أبو صفية واحداً من أبرز الأطباء الفلسطينيين الذين برزت أسماؤهم خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، بعدما واصل عمله في مستشفى كمال عدوان، الذي كان من آخر المستشفيات العاملة في شمال القطاع، وظهر في مقاطع مصورة عدة وهو يناشد المجتمع الدولي وقف استهداف المستشفى وحماية المرضى والطواقم الطبية.
آثار تعذيب وعزل انفرادي
وكشفت الصحيفة أن الرسالة استندت إلى زيارة أجراها محام تابع لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل إلى منشأة احتجاز إسرائيلية في 2 يوليو، حيث أفاد بأنه شاهد كدمات واسعة وآثار تعذيب واضحة على رأس وجسد الدكتور أبو صفية، مشيراً إلى أنه بدا ضعيفاً وبالكاد يمكن التعرف عليه.
وأضافت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان أن أبو صفية يتعرض للضرب يومياً منذ نقله إلى منشأة “راكيفت”، وهي جناح تحت الأرض داخل مجمع سجن أيالون في مدينة الرملة داخل إسرائيل. كما أكدت أنه محتجز في العزل الانفرادي منذ الشهر الماضي، رغم معاناته من أمراض مزمنة وحاجته المستمرة إلى الرعاية الطبية.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، قال أبو صفية لمحاميه خلال الزيارة: “هذه آخر مرة ستراني فيها… لقد أحضروني إلى هنا ليقتلوني”.
وفي تعليقها على القضية، قالت كيري موسكوجيوري، المديرة التنفيذية لمنظمة العفو الدولية في بريطانيا، إن “الدكتور حسام أبو صفية يتعرض للتعذيب على أيدي القوات الإسرائيلية حتى حافة الموت، فقط لأنه رفض التخلي عن مرضاه”. وأضافت أن على الحكومة البريطانية أن تتحرك الآن “بشكل علني وحازم” لتأمين الإفراج الفوري عنه قبل فوات الأوان.
“ليس حادثاً منفرداً”
من جانبها، اتهمت أميرة نمراوي، المديرة التنفيذية لمجموعة “Health Workers 4 Palestine”، الحكومة البريطانية بالسماح للطبيب الفلسطيني بأن “يموت ببطء داخل زنزانة إسرائيلية” بسبب غياب الإرادة السياسية للتحرك من أجله ومن أجل مئات العاملين الصحيين الفلسطينيين المعتقلين.
وقالت نمراوي، وفق الصحيفة البريطانية، إن ما يتعرض له أبو صفية “ليس حادثاً عارضاً”، بل نتيجة نظام احتجاز “مصمم لكسره”.
وكان أبو صفية قد رفض أوامر إسرائيلية متكررة بإخلاء مستشفى كمال عدوان، بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي المنطقة المحيطة به منطقة قتال. ولاحقاً اقتحمت القوات الإسرائيلية المستشفى واعتقلت 44 من أفراد طاقمه الطبي، فيما قُتل نجله إبراهيم في غارة بطائرة مسيرة.
وتشير الرسالة إلى أن الطبيب الفلسطيني كان يوثق بالفيديو الهجمات شبه اليومية على المستشفى، ويرسل نداءات متكررة إلى المجتمع الدولي من أجل وقف القصف وحماية المرضى والجرحى والطواقم الطبية، قبل أن يتم اعتقاله في 27 ديسمبر 2024، ليبقى منذ ذلك الحين رهن الاحتجاز دون لائحة اتهام أو محاكمة.
استهداف واسع للقطاع الصحي في غزة
وبحسب ما نقلته “ميدل إيست آي”، حذر الموقعون على الرسالة من أن احتجاز أبو صفية وتعذيبه لا يمكن فصله عن نمط أوسع من استهداف العاملين في القطاع الصحي الفلسطيني. وأشاروا إلى أن أكثر من 400 من العاملين الصحيين في غزة تعرضوا للاعتقال التعسفي على يد إسرائيل منذ أكتوبر 2023.
كما لفتت الرسالة إلى أن إسرائيل قتلت أكثر من 1700 عامل في المجال الطبي منذ بداية الحرب على غزة، بمعدل يتراوح بين اثنين وثلاثة من العاملين الصحيين يومياً حتى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وهي ممارسات وصفها خبراء أمميون بأنها “إبادة صحية” أو “Medicide”.
وأوضحت الرسالة أن القوات الإسرائيلية ألحقت أضراراً أو دمرت كل مستشفيات قطاع غزة، في ما وصفه تقرير أممي بأنه نمط من الهجمات دفع النظام الصحي في غزة إلى “حافة الانهيار شبه الكامل”.
وأكد الموقعون أن العاملين الصحيين والمنشآت الطبية يتمتعون بحماية واضحة بموجب القانون الدولي الإنساني، معتبرين أن الاستهداف المتكرر للطواقم الطبية والمستشفيات أدى إلى زيادة أعداد الضحايا المدنيين، وأنه، عند النظر إليه ضمن السياق الأوسع لسلوك إسرائيل في غزة، يمثل دليلاً على نية إبادة جماعية، وفق ما ورد في الرسالة.
مطالب بالمحاسبة أمام المحاكم الدولية
ودعا العاملون الصحيون في بريطانيا الحكومة إلى ضمان المحاسبة عن “الاحتجاز التعسفي وقتل جميع العاملين الصحيين الفلسطينيين”، بما في ذلك دعم تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية بشأن الانتهاكات المرتكبة في غزة.
وقال الدكتور غسان أبو ستة، أستاذ طب النزاعات وأحد الموقعين على الرسالة، لموقع ميدل إيست آي إن استمرار احتجاز الدكتور أبو صفية يثبت أن “تدمير النظام الصحي في غزة لم يكن أمراً عرضياً في الحرب على القطاع، بل كان جزءاً مركزياً من الحملة الإبادية آنذاك، وما يزال مركزياً حتى الآن”.
أما الدكتور عمر عبد المنان، طبيب الأطفال الذي عمل في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية لمدة 15 عاماً، فقال إن طبيب أطفال رفض التخلي عن مرضاه “تعرض للتعذيب حتى حافة الموت داخل الاحتجاز دون تهمة”. وأضاف أن وزيرة الخارجية البريطانية تملك القدرة على التحرك، وعليها أن تطالب علناً بالإفراج الفوري عن أبو صفية وأن تدعم ذلك بعقوبات على إسرائيل، مؤكداً أن “كل يوم يمر من دون تحرك يضع حياته في خطر”.
ضغوط دولية واحتجاجات في لندن
وتزايدت الدعوات الدولية للإفراج عن حسام أبو صفية بعد تقارير عن تدهور حالته الصحية داخل السجون الإسرائيلية. وشهدت بريطانيا احتجاجات عدة شارك فيها مئات من ناشطي حقوق الإنسان والعاملين في القطاع الطبي وشخصيات سياسية، تجمعوا أمام مقر رئاسة الحكومة في داونينغ ستريت للمطالبة بتحرك بريطاني عاجل.
وبحسب الصحيفة البريطانية، دعا عدد من خبراء الأمم المتحدة إلى إطلاق سراح الطبيب الفلسطيني، معتبرين أن احتجازه تم بموجب ما يسمى “قانون المقاتلين غير الشرعيين” الإسرائيلي، وهو قانون سبق أن حذر الخبراء من تعارضه مع القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية قد رفضت في 16 يونيو استئناف أبو صفية ضد احتجازه، ما أدى إلى تمديد اعتقاله دون تهمة حتى أكتوبر 2026 على الأقل.
وقال نجله إلياس إن والده “يمر بلحظات حرجة بين الحياة والموت”، محذراً من أن “صمت العالم اليوم قد يعني فقدان حياة إنسان بريء”.
وفي ردها على طلب للتعليق، أحالت وزارة الخارجية البريطانية موقع ميدل إيست آي إلى إجابة سابقة لإيفيت كوبر في مجلس العموم، قالت فيها إن قضية وضع أبو صفية الصحي أثيرت مع الحكومة الإسرائيلية، دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن طبيعة تلك الاتصالات أو نتائجها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه المطالب الحقوقية والطبية بمحاسبة إسرائيل على استهداف النظام الصحي في غزة، وسط تحذيرات من أن استمرار احتجاز حسام أبو صفية قد يتحول إلى اختبار جديد لمدى جدية المجتمع الدولي في حماية الأطباء والعاملين الإنسانيين في مناطق الحرب.
اقرأ المزيد
برداء طبيب وزنزانة “مقاتل غير قانوني”.. كيف يواجه حسام أبو صفية التصفية الجسدية في سجن نفحة؟
تحذيرات من وفاة الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية داخل السجون الإسرائيلية.. عائلته تطالب بتحرك دولي عاجل
“أحضروني لكي يقتلوني”.. صرخة الطبيب حسام أبو صفية من داخل السجن تثير صدمة ومخاوف حقوقية

