وطن-في تحول لافت يعكس تشددًا متزايدًا في سياسة الهجرة إلى بريطانيا، سجلت المملكة المتحدة انخفاضًا حادًا في صافي الهجرة، بعدما تبنت حكومات متعاقبة إجراءات صارمة للحد من وصول العمال الأجانب وطالبي اللجوء واللاجئين. وتقول صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية إن الهدف المعلن لهذه السياسات كان جعل بريطانيا أقل جاذبية للمهاجرين، ودفعهم إلى البحث عن فرص في دول أوروبية أخرى تبدو أكثر ترحيبًا وإنسانية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن أغلب الحكومات المحافظة والعمالية الأخيرة، باستثناء حكومة بوريس جونسون، حاولت تقليص تدفق المهاجرين عبر سياسات متشددة. غير أن حكومة كير ستارمر، الذي يستعد لمغادرة مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت، تبدو الأكثر نجاحًا في تحقيق هذا الهدف، بعدما تراجعت الهجرة الصافية بنسبة كبيرة خلال فترة قصيرة.
وانخفض صافي الهجرة، أي الفارق بين عدد القادمين إلى بريطانيا والمغادرين منها، بنسبة 82%، من نحو مليون ونصف المليون شخص في عام 2023 إلى 171 ألفًا فقط في عام 2025. وترى صحيفة “لا فانغوارديا” أن هذا التراجع يعود إلى تشديد شروط الحصول على التأشيرات، ورفع الحد الأدنى للراتب السنوي المطلوب للقدوم إلى البلاد، ومنع الطلاب الأجانب والعاملين في هيئة الصحة العامة من استقدام أفراد عائلاتهم، إلى جانب مغادرة أعداد كبيرة من الطلاب الأجانب منذ جائحة كورونا.
وبدأت هذه الإجراءات في عهد رئيس الوزراء المحافظ السابق ريشي سوناك، لكنها أخذت مداها الأوسع خلال حكومة ستارمر، التي شددت السياسة أكثر، واقتربت في ملف الهجرة من خطاب اليمين المتطرف. وتكشف الصحيفة أن مشروع قانون مثيرًا للجدل يستعد مجلس العموم البريطاني للنظر فيه، ينص على إلزام الأجانب بالانتظار عشر سنوات بدلًا من خمس للحصول على الإقامة الدائمة، وهي الإقامة التي تمنح الحق في العيش والدراسة والعمل والحصول على المساعدات الاجتماعية.
ويشمل مشروع القانون أيضًا تقليص حق الاستئناف في حال رفض طلب اللجوء السياسي، ورفع التكاليف القانونية أمام من يختارون هذا المسار إلى مستوى قد يجعله شبه مستحيل عمليًا، فضلًا عن تقليص الطرق المتاحة للاستقرار القانوني في البلاد. وبحسب صحيفة لا فانغوارديا، فإن هذه الإجراءات تعكس تحولًا واضحًا في التعامل مع ملف الهجرة واللجوء في بريطانيا.
وتقود وزيرة الداخلية الحالية شبانة محمود هذه السياسات، وهي المرشحة الأوفر حظًا للاحتفاظ بمنصبها عندما يتولى آندي بيرنهام رئاسة الحكومة البريطانية الأسبوع المقبل. إلا أن الجناح اليساري في حزب العمال يرى أن هذه الإجراءات تتعارض مع الروح الإنسانية التقليدية التي اشتهرت بها البلاد، رغم أن الصحيفة تشير إلى أن تلك الروح تراجعت منذ وقت طويل.
وقد وجّه نحو 80 نائبًا من حزب العمال رسالة إلى الزعيم المقبل للحزب، طالبوا فيها بتخفيف حدة الإجراءات الجديدة. ومع ذلك، ترى صحيفة لا فانغوارديا أن حدوث تمرد واسع داخل الحزب يبدو مستبعدًا في الأيام الأولى لتغيير القيادة، إذ لا يرغب كثيرون في الدخول مبكرًا في مواجهة مع القيادة الجديدة، خصوصًا أن عددًا منهم يطمح إلى الحصول على مناصب في الإدارة المقبلة.
وفي جانب آخر من سياسة الهجرة البريطانية، جعلت لندن حياة اللاجئين أكثر صعوبة خلال الأشهر الماضية، بعدما أغلقت 20 فندقًا كانت تؤويهم، ونقلتهم إلى فنادق أرخص أو إلى ثكنات ومنشآت عسكرية مهجورة. وتقول الصحيفة إن هذه الخطوة جاءت استجابة لضغط حملة قادها اليمين المتطرف، نجحت في إقناع قطاعات من الرأي العام بأن اللاجئين يمثلون خطرًا أمنيًا محتملًا، وأنهم يحظون بمعاملة تفضيلية في وقت يعاني فيه البريطانيون من تدهور الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة وانعدام الأمن.
وتشير التقديرات إلى أن 16,500 لاجئ تضرروا من عمليات النقل القسري، التي وصلت في بعض الحالات إلى مسافات تقارب 500 كيلومتر من أماكن إقامتهم الأصلية. وأوضحت صحيفة لا فانغوارديا أن هذه التنقلات المفاجئة تسببت في مشكلات كبيرة لطلاب يستعدون للامتحانات، ولاجئين من ذوي الإعاقة، وآخرين يتلقون علاجًا طبيًا منتظمًا في عيادات ومستشفيات محلية.
وأثارت هذه الإجراءات انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان، التي نددت بما وصفته بالتعامل القاسي مع اللاجئين. غير أن حكومة ستارمر بدت، وفق الصحيفة، أكثر انشغالًا بوقف نزيف الأصوات نحو اليمين المتطرف، وهو ما دفعها إلى تبني سياسات أكثر تشددًا بدلًا من التراجع عنها.
ويبحث آندي بيرنهام، المعروف برغبته في إرضاء مختلف الأطراف، إمكانية عدم تطبيق تمديد فترة الانتظار للحصول على الإقامة الدائمة بأثر رجعي، بحيث لا يشمل إلا من وصلوا إلى البلاد منذ عام 2024. وتقول صحيفة لا فانغوارديا إن هذا النقاش يأتي بعد سنوات من فتح بوريس جونسون أبواب البلاد على نطاق واسع أمام مهاجرين من مستعمرات الكومنولث السابقة وعائلاتهم، للعمل في قطاع الصحة العامة والدراسة في الجامعات البريطانية.
وتبرز المفارقة، بحسب الصحيفة، أن جونسون كان قد روّج خلال حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لفكرة أن الهدف من البريكست هو “السيطرة على الحدود”، لكنه في الواقع سمح بدخول أعداد كبيرة من العمال والطلاب الأجانب لتلبية احتياجات سوق العمل والنظام الصحي والجامعات.
ورغم الانخفاض الكبير في الهجرة الصافية، لم تنجح بريطانيا في الحد من وصول المهاجرين عبر القوارب المطاطية التي تعبر قناة المانش من السواحل الفرنسية. وتقول صحيفة لا فانغوارديا إن لندن تدفع أموالًا لفرنسا من أجل تشديد الرقابة على شواطئها، لكن ذلك لم يمنع استمرار عمليات العبور.
وفي الجمعة الماضية، تمكن 128 شخصًا من دخول بريطانيا عبر قارب واحد، وهو رقم قياسي حتى الآن. وبلغ عدد الواصلين بهذه الطريقة منذ بداية العام 13,489 شخصًا، يرجح أن يقضوا سنوات طويلة من دون القدرة على العمل، مقيمين في فنادق أو منشآت عسكرية، بانتظار البت في ملفاتهم القانونية.
كما قلصت حكومة ستارمر بصورة شديدة شروط لمّ شمل اللاجئين مع عائلاتهم. ووفق ما أوردته صحيفة لا فانغوارديا، فإن نحو 16,500 لاجئ لا يستطيعون حاليًا المطالبة باستقدام زوجاتهم وأبنائهم إلى بريطانيا بسبب القيود الجديدة.
وتشترط القواعد الجديدة وجود مجتمعات محلية أو جهات راعية مستعدة لتحمل تكاليف دمج المهاجرين، إلى جانب تقديم ضمانات بأن يحترم القادمون الجدد القوانين ويساهموا في الاقتصاد. وفي خلاصة المشهد، ترى الصحيفة أن كير ستارمر أخفق في ملفات كثيرة، لكنه نجح في جعل بريطانيا بلدًا أقل جذبًا للمهاجرين، إلى درجة أن أعدادًا أقل بكثير باتت تختار القدوم إليها.
اقرأ المزيد
فاتورة اللجوء في بريطانيا.. قانون جديد يلزم اللاجئين بدفع 10 آلاف إسترليني ثمن الإقامة الدائمة
هل يقترب سقوط كير ستارمر؟ ضغوط داخلية وتصريحات ترامب تشعل السياسة البريطانية
أزمة القيادة في بريطانيا: 81 نائباً يفصلون ستارمر عن صراع الزعامة داخل حزب العمال

