وطن-تحوّل كأس العالم 2026، الذي كان يُنتظر أن يكون النسخة الأكبر في تاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخباً وتنظيم مشترك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، إلى واحدة من أكثر النسخ إثارة للجدل، ليس فقط بسبب ما جرى داخل الملاعب، بل بفعل حضور السياسة الأمريكية وتأثيرها المباشر في تفاصيل البطولة.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، في تقرير للصحفي إليس جيفوري، إن النسخة الحالية من كأس العالم كان يفترض أن تكون احتفالاً كروياً ضخماً يدر على الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» إيرادات قياسية تصل إلى 9 مليارات دولار، لكنها باتت مرشحة لأن تُذكر باعتبارها بطولة طغت عليها القرارات التحكيمية المثيرة للجدل، والتدخلات السياسية، وحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس فيفا جياني إنفانتينو في قلب المشهد.
وبحسب ما أورده الموقع، فإن أسعار التذاكر المرتفعة، وتكاليف التنقل القاسية بين المدن، ودرجات الحرارة الشديدة، لم تكن وحدها ما أثار غضب الجماهير، إذ سرعان ما بدا أن البطولة تجري تحت نفوذ سياسي أمريكي واضح، انعكس على قرارات تتعلق بالتأشيرات، والتحكيم، وإدارة المباريات، وحتى العقوبات الانضباطية.
وأشار التقرير إلى أن حالة الجدل دفعت بعض مشجعي كرة القدم إلى استحضار حقبة الرئيس السابق لفيفا سيب بلاتر، رغم سجله المثير للانتقادات وحرمانه من ممارسة أي نشاط مرتبط بالاتحاد الدولي حتى عام 2027. وكتب بلاتر عبر منصة «إكس» الأسبوع الماضي أن «كرة القدم يجب ألا تتحول أبداً إلى ساحة لعب للقوة السياسية».
وأضاف موقع “ميدل إيست آي” أن بعض الجماهير ذهبت إلى حد الدعوة، بسخرية واضحة، إلى عودة المسؤول السويسري البالغ من العمر 90 عاماً إلى رئاسة فيفا، معتبرة أن ما يحدث في عهد إنفانتينو جعل حتى بلاتر يبدو وكأنه أقل إثارة للجدل. وعلّق آخرون بأن «فيفا وإنفانتينو أصبحا فاسدين إلى درجة أدهشت حتى سيب بلاتر».
جائزة سلام لفيفا وسط حرب وتهديدات
من أبرز محطات الجدل، وفق التقرير، منح دونالد ترامب أول جائزة تحمل اسم «جائزة فيفا للسلام»، وذلك في وقت كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تستعدان فيه، بحسب الموقع، لمهاجمة إيران في 28 فبراير.
وأوضح موقع “ميدل إيست آي” أن ترامب كان قد تسلّم الجائزة في ديسمبر الماضي خلال فعالية أقيمت في واشنطن، داخل مركز كينيدي للفنون، الذي حاول الرئيس الأمريكي إعادة تسميته باسمه قبل أن تلغي المحاكم الأمريكية ذلك لاحقاً. وصعد ترامب إلى المنصة لتسلم ميدالية ذهبية وتمثال ذهبي من رئيس فيفا جياني إنفانتينو.
وخلال الحفل، قال إنفانتينو مخاطباً ترامب: «نريد أن نرى الأمل، نريد أن نرى الوحدة، نريد أن نرى مستقبلاً. هذا ما نريد أن نراه من قائد، وأنت تستحق بالتأكيد أول جائزة سلام من فيفا».
لكن التقرير أشار إلى أن الفترة التي أعقبت منح الجائزة شهدت تصعيداً أمريكياً واسعاً، شمل اختطاف رئيس فنزويلا، والتهديد بغزو غرينلاند، وتشديد الحصار على كوبا، ثم الانخراط في حرب مع إيران، ما جعل الجائزة نفسها موضع انتقادات واسعة.
منع حكم صومالي من دخول الولايات المتحدة
ومن القضايا التي أثارت موجة غضب، منع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول الولايات المتحدة، رغم أنه كان يستعد ليصبح أول حكم من الصومال يشارك في إدارة مباراة بكأس العالم.
وبحسب ما ذكره موقع “ميدل إيست آي”، فقد رفضت السلطات الأمريكية دخول أرتان عبر مطار ميامي الدولي، واحتجزته وحققت معه لنحو 11 ساعة قبل ترحيله، بحجة وجود «مخاوف تتعلق بالتدقيق الأمني». وقال مسؤول في البيت الأبيض لاحقاً للصحفيين إن أرتان كان «يتحدث مع أشخاص سيئين جداً»، من دون تقديم أي أدلة تدعم هذا الادعاء.
ورأى التقرير أن هذه الواقعة عكست نهج إدارة ترامب المتشدد تجاه الصومال والجاليات الصومالية داخل الولايات المتحدة. وكان ترامب قد وجّه في أكثر من مناسبة إهانات للصومال والصوماليين الأمريكيين، مطالباً إياهم بـ«العودة إلى الأماكن التي جاؤوا منها». كما أن الصومال مدرجة ضمن قائمة حظر السفر الأمريكية.
حظر السفر يحرم جماهير من حضور كأس العالم 2026
ولم يقتصر الجدل على الحكم الصومالي، إذ ألقى حظر السفر الأمريكي بظلال ثقيلة على البطولة، بعدما وجد مشجعون من هايتي وإيران وساحل العاج والسنغال ودول أخرى أنفسهم عملياً خارج حسابات حضور المباريات.
وكشف موقع “ميدل إيست آي” أن برنامجاً منفصلاً لضمانات التأشيرة فرض لفترة قصيرة على جماهير من الجزائر والرأس الأخضر وساحل العاج والسنغال وتونس، إذ طُلب منهم إيداع مبالغ قد تصل إلى 15 ألف دولار، قبل أن تعلق السلطات هذا الإجراء تحت ضغط الانتقادات.
وتحوّلت تأشيرات كأس العالم إلى إحدى أكثر القضايا حساسية في البطولة، مع اتهامات بأن الإجراءات الأمريكية لم تكن إدارية بحتة، بل جاءت في سياق سياسي أوسع انعكس على الجماهير والمنتخبات والمسؤولين الرياضيين.
إيران.. المنتخب «الأكثر ظلماً» في البطولة
أما المنتخب الإيراني فكان، بحسب التقرير، من أكثر المتضررين من التوتر السياسي والعسكري بين واشنطن وطهران. وقال مدرب إيران أمير قلعة نويي إن فريقه أصبح «المنتخب الأكثر ظلماً»، بعدما واجه سلسلة من الإجراءات التي استهدفت إضعافه ودفعه خارج المنافسة.
وذكر موقع “ميدل إيست آي” أن ترامب كان يسعى قبل انطلاق البطولة إلى استبعاد إيران واستبدالها بإيطاليا. كما أجبرت السلطات الأمريكية المنتخب الإيراني على نقل مقر تدريباته من توسان في ولاية أريزونا إلى تيخوانا في المكسيك.
وأضاف الموقع أن السلطات ألغت حصة إيران من التذاكر قبل أيام قليلة من المباراة الافتتاحية، ما تسبب في أزمة للجماهير التي كانت قد حجزت رحلاتها بالفعل. ولم يحصل اللاعبون على التأشيرات إلا قبل 10 أيام فقط من أول مباراة، في حين مُنع عدد كبير من أفراد الجهاز الفني والإعلاميين ومسؤولي الاتحاد الإيراني، بمن فيهم رئيس الاتحاد مهدي تاج، من دخول الولايات المتحدة.
وبحسب التقرير، اضطر المنتخب الإيراني في أول مباراتين له إلى دخول الأراضي الأمريكية خلال 24 ساعة فقط من موعد المباراة، ثم المغادرة فور انتهائها، وهو ما قلّص وقت التدريب وحرم اللاعبين من الراحة والتعافي بالشكل المناسب.
رفع عقوبة رونالدو وبالوغون يفتح باب الاتهامات
امتدت الانتقادات أيضاً إلى قرارات فيفا الانضباطية. فقبل انطلاق البطولة، خفّضت لجنة الانضباط في الاتحاد الدولي عقوبة النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو من إيقاف ثلاث مباريات بسبب سلوك عنيف إلى مباراة واحدة فقط، ما سمح له بالمشاركة منذ بداية كأس العالم.
لكن القضية الأكثر إثارة للجدل، وفق موقع ميدل إيست آي، كانت حالة مهاجم منتخب الولايات المتحدة فولارين بالوغون، الذي حصل على بطاقة حمراء خلال مباراة دور الـ32 أمام البوسنة والهرسك، ما كان يستوجب إيقافه مباراة تلقائياً وفق لوائح فيفا.
وبعد أيام، ألغت فيفا العقوبة بهدوء، عقب اتصال مباشر من دونالد ترامب بجياني إنفانتينو لطلب «مراجعة» القرار، لأن الرئيس الأمريكي اعتبر أنه «لم تكن هناك مخالفة».
وأشار التقرير إلى أن تأكيد ترامب العلني تدخله للضغط على الاتحاد الدولي من أجل تغيير القرار كان سابقة غير معهودة، وأثار ردود فعل حادة من جماهير وهيئات كروية حول العالم. وأصدر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» بياناً غاضباً اتهم فيه فيفا بتجاوز «خط أحمر»، معتبراً أن القرار «غير مفهوم ولا يمكن تبريره» لأنه خضع لضغط سياسي.
وبحسب رواية فيفا للأحداث، فقد سمحت المراجعة لبالوغون بالمشاركة في مباراة دور الـ16 أمام بلجيكا، غير أن المنتخب الأمريكي تعرض لهزيمة ثقيلة في تلك المباراة.
مباراة الأرجنتين ومصر.. غضب من التحكيم والفار
لم تكن السياسة وحدها حاضرة في كأس العالم 2026، إذ فجّرت بعض قرارات التحكيم داخل الملعب موجة غضب واسعة، خصوصاً في مباراة الأرجنتين ومصر بدور الـ16، التي انتهت بفوز الأرجنتين 3-2 بعد عودة مثيرة في الدقائق الأخيرة.
وقال موقع “ميدل إيست آي” إن المباراة تحولت إلى واحدة من أكثر مواجهات الأدوار الإقصائية إثارة للجدل، بعدما تقدمت مصر بهدفين دون رد وكانت قريبة من بلوغ ربع النهائي، قبل أن تستقبل ثلاثة أهداف متأخرة.
وأثار اللقاء غضباً كبيراً بسبب قرارات تقنية الفيديو «VAR»، من بينها إلغاء هدف لمصر بعد المراجعة، وتجاهل مطالبات بركلات جزاء في الدقائق الأخيرة، فضلاً عن احتجاجات قوية من الجهاز الفني المصري قبل هدف الأرجنتين في الوقت بدل الضائع.
وأوضح التقرير أن التوتر كان واضحاً على خط التماس، حيث دخل أعضاء من الجهاز الفني المصري في اعتراضات متكررة على قرارات الحكم، بينما جادل اللاعبون طاقم التحكيم داخل الملعب. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، اعتبر كثيرون أن القرارات حرمت مصر من فرصة عادلة للتأهل.
كما أشار الموقع إلى أن المباراة شهدت تدقيقاً في نقاش جرى بين ليونيل ميسي وبعض أفراد الجهاز المصري حول لفتة مرتبطة بمناهضة العنصرية، ما أضاف بعداً آخر للجدل المحيط باللقاء.
العنصرية تطارد كأس العالم داخل الملاعب وخارجها
إلى جانب التدخلات السياسية والقرارات التحكيمية، برزت العنصرية كأحد الملفات الثقيلة في كأس العالم 2026، مع تسجيل حوادث داخل الملاعب وعلى الإنترنت وأثناء التفتيش الأمني.
وبحسب ما أورده موقع “ميدل إيست آي”، انتشر قبل مباراة مصر والأرجنتين مقطع فيديو يظهر مشجعاً مصرياً يسأل حارسة أمن أمريكية عما إذا كانت تقوم بتفتيش الجماهير المصرية فقط. وردّت الحارسة عند مدخل يبدو أنه تابع للملعب: «نعم، لأن هذه هي الأوامر الواردة حالياً».
وتصاعدت التوترات داخل الملعب أيضاً، إذ أظهرت مقاطع مصورة جماهير أرجنتينية تعتدي على مشجعين مصريين بعد عودة منتخبها من التأخر بهدفين في الشوط الأول. كما نشر مشجعون صوراً ومقاطع أخرى تظهر جماهير أرجنتينية تلوّح بأعلام إسرائيلية باتجاه الجهاز الفني المصري أثناء خروجه من الملعب.
ولفت التقرير إلى أن مدرب مصر حسام حسن تحدث أكثر من مرة بحماس عن معاناة الفلسطينيين، خصوصاً في غزة، حيث تشن إسرائيل حرباً منذ أكتوبر 2023. وكان حسن قد أهدى فوز مصر في الأدوار الإقصائية على أستراليا إلى الشعبين المصري والفلسطيني، قائلاً للصحفيين: «أهدي هذا الانتصار إلى الشعب المصري والشعب الفلسطيني».
وفي واقعة أخرى، فتح فيفا تحقيقاً في مواجهة شهدها لقاء الأرجنتين والرأس الأخضر يوم 3 يوليو، وشارك فيها صانع المحتوى الشهير IShowSpeed وأحد المشجعين. وكان “IShowSpeed” يبث المباراة مباشرة، وسمع وهو يسأل مشجعاً يرتدي قميص الأرجنتين عما قاله له. وبدا أن المشجع، متحدثاً بالإسبانية، قال له وهو أسود البشرة: «اذهب وابكِ في حديقة الحيوان».
كما أدان النجم الفرنسي كيليان مبابي تصريحات عنصرية نشرتها السيناتورة الباراغويانية سيليستي أماريا بعد خسارة باراغواي أمام فرنسا، إذ وصفت مبابي بأنه «كاميروني مستعمر يحاول بيأس أن يظهر كفرنسي»، كما وصفته بأنه «فظ» لم يتعلم الكتابة.
وقال فيفا في الأول من يوليو إن «الإساءات العنصرية تتزايد وأصبحت تهديداً مستمراً لرفاهية اللاعبين». وأوضح الاتحاد الدولي أنه رصد أكثر من 89 ألف منشور مسيء خلال البطولة، احتوت 11% منها على إساءات عنصرية.
بطولة تاريخية تتحول إلى أزمة ثقة
وخلص تقرير “ميدل إيست آي” إلى أن كأس العالم 2026، رغم ضخامته التنظيمية والإيرادات القياسية المتوقعة، بات يواجه أزمة ثقة غير مسبوقة، بعدما تداخلت السياسة مع الرياضة في ملفات التأشيرات والعقوبات والتحكيم والتعامل الأمني مع الجماهير.
وبينما كان يفترض أن تكون البطولة احتفالاً عالمياً بكرة القدم، تحولت في نظر كثيرين إلى اختبار قاسٍ لاستقلال فيفا وقدرتها على حماية اللعبة من الضغوط السياسية، خصوصاً حين يكون البلد المضيف هو القوة الأكبر نفوذاً في العالم.
اقرأ المزيد
بروتوكول عنصرية أم ثورة غضب؟ السر الحقيقي وراء إشارة الـ “X” التي قام بها حسام حسن أمام الأرجنتين
الريمونتادا المشبوهة: كيف غيرت قرارات الـ (VAR) مسار القمة الدرامية بين الفراعنة والتانغو؟
ترامب يشعل أكبر أزمة تحكيمية في مونديال 2026.. ضغوط على فيفا ومطالب بإقالة إنفانتينو

