وطن-أعادت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة، الجدل بشأن مستقبل علاقة تركيا بالحلف، بعدما تزامنت مع احتجاجات واسعة وإجراءات أمنية مشددة، في وقت تصاعدت فيه الانتقادات الشعبية والسياسية لدور الناتو، على خلفية الحرب في قطاع غزة وتزايد الإنفاق العسكري للدول الأعضاء.
وذكرت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية أن السلطات التركية فرضت حظراً على التظاهرات في أنقرة طوال فترة انعقاد القمة، بالتوازي مع حملة اعتقالات شملت مئات الأشخاص، بينهم ناشطون وصحفيون وأكاديميون وممثلون عن منظمات مجتمع مدني.
الحرب في غزة تعزز المعارضة للناتو
وعلى الرغم من أن انتقاد الناتو يمثل موقفاً تقليدياً لدى قوى اليسار التركي وبعض التيارات المناهضة للسياسات الغربية، فإن استمرار الحرب في غزة رفع مستوى الاحتقان الشعبي، ودفع مجموعات سياسية ونقابية إلى تنظيم فعاليات احتجاجية في عدد من المدن التركية.
وشهدت إسطنبول قبل انعقاد القمة تجمعاً حمل عنوان «قمة السلام المناهضة للإمبريالية»، نظمها حزب العمال التركي بمشاركة شخصيات سياسية وناشطين من دول مختلفة، بهدف تقديم رؤية معارضة لسياسات الحلف.
انتقادات لزيادة الإنفاق العسكري
وركز المشاركون في القمة الموازية على قرار دول الناتو رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، معتبرين أن هذه السياسة ستؤدي إلى تحويل مزيد من الموارد العامة نحو الصناعات العسكرية على حساب قطاعات مثل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
وبحسب التقرير، يرى منظمو المؤتمر أن هذه الزيادة تخدم شركات الصناعات الدفاعية أكثر مما تعزز الأمن والاستقرار.
منع وفود أجنبية من دخول تركيا
وأشار “ميدل إيست آي” إلى أن السلطات التركية منعت عدداً من المشاركين الأجانب من دخول البلاد لحضور المؤتمر المناهض للناتو.
وأوضح مسؤول في حزب العمال التركي أن بعض الوفود القادمة من منظمات سلام أوروبية وأحزاب يسارية احتُجزت في مطار إسطنبول، قبل ترحيل أفرادها بعد ساعات من وصولهم.
واعتبر الحزب أن هذه الإجراءات تعكس تشديداً أمنياً يستهدف الأصوات المعارضة لسياسات الحلف.
حملة اعتقالات واسعة
وتزامنت القمة مع حملة توقيف شملت أكثر من 225 شخصاً، وفق التقرير، بينهم مشتبه بانتمائهم إلى تنظيمات مسلحة، إضافة إلى أكاديميين وحقوقيين وصحفيين ونشطاء سياسيين.
وشملت الاعتقالات شخصيات معروفة في الأوساط الحقوقية والنقابية، إلى جانب أعضاء في حزب العمال التركي.
علاقة تاريخية معقدة
انضمت تركيا إلى حلف الناتو عام 1952 خلال الحرب الباردة، وأصبحت منذ ذلك الحين إحدى الركائز الأساسية للحلف، مستفيدة من موقعها الجغرافي بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.
وتحتفظ تركيا بثاني أكبر جيش داخل الناتو بعد الولايات المتحدة، كما تستضيف قواعد عسكرية استراتيجية لعبت أدواراً مهمة في عمليات الحلف خلال العقود الماضية.
انتقادات لدور الناتو
ويرى معارضون للحلف داخل تركيا أن دور الناتو تجاوز الجانب الدفاعي، ليصبح أداة لتعزيز النفوذ السياسي والعسكري الغربي، فضلاً عن تأثيره في رسم السياسات الأمنية والاقتصادية للدول الأعضاء.
ونقل التقرير عن الباحث خيم روغالي من مركز «كومن ويلث» قوله إن زيادة الإنفاق العسكري قد تؤدي إلى تقليص الإنفاق على قطاعات اقتصادية واجتماعية أكثر إنتاجية، معتبراً أن العوائد الاقتصادية للاستثمار في الدفاع أقل مقارنة بالاستثمار في مجالات أخرى.
غزة توحد خصوماً سياسيين
وأشار التقرير إلى أن الحرب في غزة ساهمت في تقارب مواقف بعض القوى اليسارية والإسلامية داخل تركيا، رغم اختلافاتها الأيديولوجية، إذ يرى معارضو الناتو أن الحلف لم يتخذ خطوات للضغط على إسرائيل، بل يواصل التعاون معها في عدد من الملفات الأمنية.
كما اتهمت شخصيات معارضة الحكومة التركية بازدواجية الخطاب، معتبرة أن انتقاداتها لإسرائيل لا تنعكس على مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
قيود على التغطية الإعلامية
وأفاد “ميدل إيست آي” بأن عدداً من وسائل الإعلام التركية المستقلة لم يحصل على تصاريح لتغطية القمة، فيما أوضح حلف الناتو أن منح الاعتمادات الإعلامية يتم بالتنسيق مع الدولة المضيفة.
وأثار ذلك انتقادات من منظمات صحفية اعتبرت أن القيود المفروضة حدّت من إمكانية التغطية المستقلة لأعمال القمة.
تركيا بين الحلف والشرق
وفي المقابل، لا تزال بعض دول الناتو تنظر بحذر إلى سياسات أنقرة الخارجية، بسبب علاقاتها مع روسيا وإيران، وهو ما يثير تساؤلات داخل الحلف حول توجهات السياسة التركية.
ورغم ذلك، شهدت القمة مؤشرات على تحسن العلاقات بين واشنطن وأنقرة، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يدرس رفع بعض القيود المفروضة على التعاون العسكري مع تركيا، بما في ذلك إمكانية استئناف صفقة مقاتلات إف-35، إضافة إلى تخفيف عقوبات أخرى.
ووصف ترامب تركيا بأنها «حليف استثنائي»، في واحدة من أكثر تصريحاته إيجابية تجاه أنقرة خلال السنوات الأخيرة.
انقسام مستمر حول مستقبل العلاقة
تعكس قمة أنقرة استمرار الانقسام داخل تركيا بشأن عضوية الناتو، بين حكومة ترى في الحلف ركيزة أساسية لمكانة البلاد الاستراتيجية وعلاقاتها مع الغرب، ومعارضة تعتبر أن التحالف يكرس التبعية العسكرية ويزيد الإنفاق الدفاعي على حساب الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية.
ويشير مراقبون إلى أن هذا الجدل مرشح للاستمرار، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الأمنية الدولية، والتحديات التي تواجهها تركيا في موازنة علاقاتها مع حلفائها الغربيين وشركائها الإقليميين.
اقرأ المزيد
انهيار اتفاق الـ 60 يوماً: ترامب يعلن نهاية مذكرة التفاهم مع إيران من قمة أنقرة
لماذا يتجاوز ماكرون وترامب ماضي الرئيس السوري الجهادي؟ حسابات السياسة والمصالح تتقدم..
لولا أردوغان لما حضرت قمة الناتو! ترامب يفتح النار على أوروبا الغربية ويشيد بـ “ولاء” أنقرة..
ترامب في قمة أنقرة.. مطالبة متجددة بالسيادة على غرينلاند وتهديد بسحب القوات الأمريكية من أوروبا

