وطن-في خطوة تعكس اتساع سباق التسلح عالي السرعة بين القوى الكبرى، بدأت الصين برنامجاً بحثياً جديداً يستهدف تطوير قدرات متقدمة في مجال الطيران فرط الصوتي، بما قد يمهد مستقبلاً لإنتاج صاروخ قادر على التحليق بسرعة تفوق سرعة الصوت بخمس مرات، وعلى ارتفاعات منخفضة جداً فوق سطح البحر، بما يجعله أكثر صعوبة في الرصد بواسطة أنظمة الرادار التقليدية.
وقالت صحيفة “لا راثون” الإسبانية إن البرنامج الجديد أطلقه أبرز جهاز علمي في الصين، وهو الأكاديمية الصينية للعلوم، ويركز على تكنولوجيا قد تصبح قاعدة أساسية لأنظمة طيران فرط صوتية في المستقبل، خصوصاً تلك القادرة على العمل على ارتفاعات منخفضة وبسرعات هائلة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن نجاح هذا المشروع الطموح قد يفتح الباب أمام جيل جديد من القدرات العسكرية الصينية، الأمر الذي قد يمثل تحدياً إضافياً للولايات المتحدة، في ظل التنافس المتصاعد بين واشنطن وبكين على تقنيات الدفاع المتقدمة، ولا سيما في مجال الصواريخ فرط الصوتية.
تكنولوجيا فرط صوتية منخفضة الارتفاع
تكتسب تكنولوجيا الطيران فرط الصوتي أهمية عسكرية كبيرة لأنها تجمع بين السرعة العالية والقدرة على المناورة وتقليص فرص الاعتراض. لكن التحليق بسرعات فرط صوتية على ارتفاع منخفض فوق سطح البحر يضيف بعداً أكثر تعقيداً، إذ يمكن أن يقلل قدرة الرادارات على اكتشاف الهدف في وقت مبكر، ويمنح أنظمة الدفاع وقتاً أقل للتعامل مع التهديد.
وأضافت صحيفة “لا راثون” أن التطبيقات المحتملة لهذه التكنولوجيا تشمل صواريخ كروز فرط صوتية، وطائرات مسيرة فائقة السرعة، وأنظمة عسكرية متقدمة قادرة على اختراق شبكات الدفاع الجوي بصورة أكثر فاعلية.
وتملك الصين بالفعل أسلحة فرط صوتية دخلت الخدمة، غير أن النماذج الحالية تعتمد في معظمها على مسارات تحليق عالية الارتفاع، سواء عبر أسلوب الدفع ثم الانزلاق أو من خلال التحليق بسرعات كبيرة على ارتفاعات مرتفعة. أما التحدي الجديد فيتمثل في الحفاظ على سرعة فرط صوتية بالقرب من سطح الأرض أو البحر، وهي مهمة أكثر تعقيداً من الناحية الهندسية.
تحديات هندسية معقدة أمام الصين
وبحسب الصحيفة الإسبانية، فإن التحليق بسرعات تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت على ارتفاعات منخفضة يفرض مجموعة من التحديات التقنية القاسية. فعند الاقتراب من سطح الأرض، تزداد مقاومة الهواء بدرجة كبيرة، كما يرتفع مستوى التسخين الناتج عن الاحتكاك بالغلاف الجوي، ما يضع ضغطاً هائلاً على هيكل المركبة وأنظمة الدفع والتحكم.
وتحتاج هذه الأنظمة إلى محركات قادرة على العمل في ظروف شديدة القسوة، مع الحفاظ على الاستقرار والقدرة على المناورة والدقة في التوجيه. كما يتطلب الأمر مواد متقدمة تتحمل درجات حرارة مرتفعة جداً، وتصاميم هوائية تقلل من مقاومة الهواء وتمنع فقدان السيطرة أثناء الطيران.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الصعوبات تجعل مشروع الأكاديمية الصينية للعلوم مختلفاً عن برامج فرط صوتية تقليدية، لأنه لا يركز فقط على بلوغ السرعة، بل على تحقيقها في بيئة تشغيل منخفضة الارتفاع، وهي بيئة أكثر خطورة وتعقيداً.
أهداف الأكاديمية الصينية للعلوم
يسعى المشروع الصيني الجديد إلى بناء أسس علمية وهندسية تمكّن الباحثين من تجاوز العقبات المرتبطة بالطيران فرط الصوتي منخفض الارتفاع. وتشمل مجالات العمل تطوير الديناميكا الهوائية، وتحسين تصميم أنظمة الدفع، وبناء نماذج رياضية ونظريات أساسية يمكن اختبارها وتحويلها لاحقاً إلى تطبيقات عملية.
ونقلت الصحيفة عن لي يوهوي، نائب مدير مكتب البحوث العلمية الأساسية في الأكاديمية الصينية للعلوم، قوله إن المبادرة تمثل جهداً لتعزيز البحث العلمي الأساسي وتحقيق اختراقات علمية أصلية، بما يدعم قدرات الصين في المجالات التكنولوجية المتقدمة.
ولا يقتصر هدف المبادرة، وفق ما أوردته إل إندبندينتي، على تحسين تقنيات الدفع فرط الصوتي فحسب، بل يمتد إلى تطوير مبادئ تصميم جديدة ونماذج نظرية يمكن أن تشكل أساساً لحلول هندسية مستقبلية في قطاعي الدفاع والطيران.
سباق عسكري وتكنولوجي مع واشنطن
يأتي هذا التطور في وقت تتسارع فيه المنافسة بين الصين والولايات المتحدة وروسيا على تطوير الأسلحة فرط الصوتية، التي تُعد من أكثر المجالات حساسية في الجيل الجديد من القدرات العسكرية. وتمثل هذه الأسلحة تحدياً لأنظمة الدفاع التقليدية بسبب سرعتها الكبيرة ومساراتها غير المتوقعة وصعوبة اعتراضها في مراحل الطيران المختلفة.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، فإن نجاح الصين في تطوير طيران فرط صوتي منخفض الارتفاع قد يقلص هامش التفوق الدفاعي الأميركي، خصوصاً في المناطق البحرية الحساسة التي تشهد توتراً استراتيجياً، مثل المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي.
وفي حال تمكنت بكين من تحويل الأبحاث الجديدة إلى أنظمة عملية، فقد تكون أمام مرحلة جديدة من سباق الصواريخ فرط الصوتية، لا تعتمد فقط على السرعة، بل على القدرة على التخفي النسبي عن الرادارات، وخفض زمن الاستجابة الدفاعية، وزيادة فرص اختراق شبكات الدفاع الجوي المتقدمة.
اقرأ المزيد
الصين تطلق صاروخاً استراتيجياً من غواصة نووية في المحيط الهادئ وسط توتر مع اليابان وتايوان
الصين ترد بقوة على واشنطن.. بكين تعاقب شركات أمريكية بعد استهداف عمالقتها التكنولوجيين

