وطن-تحولت فواصل شرب المياه الإلزامية في كأس العالم 2026 من إجراء هدفه حماية اللاعبين من درجات الحرارة المرتفعة إلى عامل تكتيكي مؤثر في مسار المباريات، بعدما منحت المنتخبات المرشحة فرصة ثمينة لإعادة ترتيب أوراقها وامتصاص اندفاع المنافسين الأقل حظاً.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن كرة القدم لعبة زخم بالدرجة الأولى، إذ نادراً ما يستطيع فريق السيطرة على مباراة كاملة من البداية إلى النهاية، لذلك تصبح لحظات التفوق داخل اللقاء حاسمة، خصوصاً عندما ينجح المنتخب في فرض إيقاعه والضغط على منافسه. غير أن هذه اللحظات، بحسب الموقع، تعرضت مراراً للقطع هذا العام بسبب فواصل شرب المياه، ما سمح للمدربين بالتدخل في توقيت بالغ الحساسية.
وقبل انطلاق البطولة، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” اعتماد فاصلين إلزاميين لشرب المياه في جميع مباريات كأس العالم 2026 البالغ عددها 104 مباريات، على أن يكون التوقف الأول في الدقيقة 22، والثاني في الدقيقة 67، وذلك بهدف حماية اللاعبين من الحرارة الشديدة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وأضاف موقع “ميدل إيست آي” أن القرار شمل حتى المباريات التي تُقام داخل ملاعب مغلقة أو مغطاة، مثل ملاعب أتلانتا ودالاس وهيوستن ولوس أنجلوس وفانكوفر، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول مدى ارتباط التوقفات فعلاً بظروف الطقس وحدها.
وعلى الرغم من أن الهدف المعلن من هذه الفواصل هو منح اللاعبين فرصة لشرب السوائل وتلقي الرعاية الطبية السريعة عند الحاجة، فإنها تحولت عملياً إلى ما يشبه “الوقت المستقطع” في رياضات أخرى، حيث يستغلها المدربون لشرح التعليمات، وتصحيح التموضع، وتغيير طريقة الضغط أو الخروج بالكرة.
وبحسب ما أورده الموقع البريطاني، لم تعد فواصل شرب المياه مجرد لحظة قصيرة لالتقاط الأنفاس، بل أصبحت مساحة تكتيكية كاملة. ففي معظم مباريات كأس العالم 2026، ظهر اللاعبون وهم يتلقون تعليمات فنية بقدر ما يتناولون المياه، بينما يقف المدربون أمامهم لشرح الأخطاء وتعديل الخطة.
وكانت المؤشرات على هذا التحول قد ظهرت قبل البطولة، خلال مباراة ودية جمعت الولايات المتحدة والسنغال، حين خطف المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو الأنظار بعدما أمسك حاسوباً محمولاً وعرض لقطات فنية على لاعبي المنتخب الأميركي خلال فترة التوقف، في مشهد انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل.
وقال “ميدل إيست آي” إن فواصل شرب المياه منحت المنتخبات الأكثر خبرة وقدرة تنظيمية فرصة واضحة لتغيير إيقاع المباريات واستعادة السيطرة، خصوصاً عندما تكون تحت ضغط مفاجئ من منتخبات أصغر أو أقل ترشيحاً.
ومن أبرز الأمثلة التي ساقها الموقع، ما حدث لمنتخب كوراساو أمام ألمانيا. فبعد أن نجح المنتخب الصغير في تسجيل هدف تعادل مفاجئ جعل النتيجة 1-1، جاء فاصل شرب المياه ليمنح المنتخب الألماني فرصة إعادة ترتيب صفوفه. وبعد التوقف، سجلت ألمانيا هدفين قبل نهاية الشوط الأول، لتضع المباراة عملياً خارج متناول منافسها.
وفي الماضي القريب، كان المدربون يلجؤون إلى كتابة التعليمات على ورقة صغيرة وتسليمها إلى لاعب بديل أو أحد اللاعبين قرب خط التماس، على أمل أن تصل الرسالة بوضوح وتُنفذ بشكل صحيح داخل الملعب. أما الآن، فقد منحت التوقفات الإلزامية الأجهزة الفنية فرصة مباشرة لقراءة المباراة والتدخل قبل نهاية الشوط، وهو ما غيّر ميزان أكثر من مواجهة.
وكشف موقع “ميدل إيست آي” أن عدة منتخبات عربية دفعت ثمناً باهظاً لهذه الفواصل، بعدما فقدت زخمها في لحظات كانت فيها قريبة من تحقيق نتائج لافتة في كأس العالم 2026.
وفي هذا السياق، أشار الموقع إلى دراسة نشرتها صحيفة “ذا تايمز” البريطانية، وجدت أن فاصل شرب المياه في الشوط الثاني من مباراة أوروغواي والسعودية شهد أكبر تحول في الزخم بين جميع مباريات دور المجموعات. وكان المنتخب السعودي متقدماً 1-0، قبل أن تنجح أوروغواي، بطلة العالم مرتين، في تسجيل هدف التعادل بالدقيقة 80.
وبحسب “ميدل إيست آي”، كان فوز السعودية في تلك المباراة سيغير مسارها في البطولة، وربما كان سيقود إلى مواجهة جديدة مع الأرجنتين في دور الـ32، في تكرار لمواجهة حملت رمزية كبيرة بعد الانتصار السعودي التاريخي في مونديال 2022.
ولم تكن السعودية وحدها بين المنتخبات العربية المتضررة. فقد وجد منتخب الأردن نفسه أمام سيناريو مشابه في أول مشاركة له بكأس العالم، إذ كان متعادلاً 1-1 مع كل من النمسا والجزائر قبل أن يوقف فاصل شرب المياه إيقاع اللعب في الشوط الثاني، وفق ما أشار إليه الموقع البريطاني.
أما المغرب، فقد عانى أيضاً من توقف مماثل خلال مباراته أمام البرازيل. فمنتخب “أسود الأطلس” كان يفرض حضوره ويسيطر على مجريات اللعب قبل أن يأتي فاصل شرب المياه في الشوط الأول، ليمنح البرازيل ومدربها الإيطالي فرصة لإعادة التنظيم. وبعد فترة قصيرة من التوقف، سجل المنتخب البرازيلي هدف التعادل، لتنتهي المباراة بنتيجة 1-1.
وأثارت إلزامية فواصل شرب المياه في كل مباريات كأس العالم 2026 غضب عدد من الجماهير في الملاعب. وبحسب “ميدل إيست آي”، كثيراً ما قوبلت صافرة الحكم التي تدعو اللاعبين إلى التوجه نحو الخطوط الجانبية في منتصف كل شوط بصافرات استهجان من المدرجات.
واتهم مشجعون الاتحاد الدولي لكرة القدم باستغلال ذريعة درجات الحرارة المرتفعة لتحقيق مكاسب مالية إضافية من البطولة، خاصة أن التوقفات تمنح المذيعين فرصة لعرض الإعلانات التجارية. لكن رئيس فيفا جياني إنفانتينو نفى ذلك، مؤكداً أن الاتحاد “لا يجني دولاراً واحداً من فواصل شرب المياه”.
غير أن هذه التصريحات لم تُنهِ الجدل، خصوصاً أن الفواصل ظهرت رسمياً تحت رعاية تجارية بصيغة “فاصل شرب المياه مقدم من باوريد”، وهو ما عزز شكوك المشجعين والمتابعين بشأن البعد التسويقي لهذا الإجراء.
وأوضح موقع “ميدل إيست آي” أنه، ورغم كل الانتقادات، قد تكون التوقفات ضرورية خلال الأيام المقبلة مع موجة حر تضرب الساحل الشرقي للولايات المتحدة. ومع ذلك، يرى مراقبون أن القيمة التجارية لهذه الفواصل مرشحة للارتفاع مستقبلاً، لا سيما مع إعادة التفاوض على حقوق البث التلفزيوني حول العالم في ظل الشكل الجديد للبطولة، الذي يتضمن 104 مباريات.
وفي ظل هذه التغييرات، يمكن لفيفا أن يشير إلى وجود فواصل إضافية داخل المباريات باعتبارها مساحات بث جديدة قابلة للاستثمار، سواء من خلال الإعلانات أو الرسوم البيانية أو الرعايات المباشرة.
ونقل الموقع عن الصحفية ليلى حامد قولها على منصة “إكس” إن عدداً من اللاعبين السابقين بدأوا يروجون لفكرة ترسيخ فواصل شرب المياه داخل كرة القدم بشكل دائم. وكتبت: “من الغريب مشاهدة أساطير كرة القدم، وكثير منهم مرتبطون بشركات مراهنات، وهم يصنعون قبولاً عالمياً لفواصل شرب المياه”.
وأرفقت حامد منشورها بصور للاعبيْن سابقين فازا بكأس العالم، هما روبرتو كارلوس وإيكر كاسياس، وهما يدافعان عن فكرة التوقفات. بل إن كاسياس ذهب أبعد من ذلك حين طرح تساؤلاً لافتاً: “ألا تعتقدون أن تقسيم مباريات كرة القدم إلى أربعة أشواط مدة كل منها 25 دقيقة سيكون فكرة جيدة؟”.
وفي سياق متصل، أعلن فيفا عن اتفاق رعاية جديد مع “ADI Predictstreet”، وهي سوق للتوقعات الرياضية أُنشئت قبل أشهر قليلة فقط من كأس العالم. ويرى الموقع البريطاني أنه مع زيادة فواصل اللعب، يصبح من السهل تخيل ظهور رسومات وإعلانات تشجع المشاهدين على توقع نتائج أو أحداث مختلفة أثناء سير المباريات.
ولم يقتصر الجدل على الجماهير والصحفيين، بل وصل إلى المدربين أنفسهم. فقد عبّر الألماني توماس توخيل، مدرب منتخب إنجلترا، عن انزعاجه من التوقفات قبل مواجهة إنجلترا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في دور الـ32.
وقال توخيل، بحسب ما نقل “ميدل إيست آي”: “أعتقد أنها تقطع المباراة وتغير هويتها أكثر مما كنت أتوقع”. وأضاف: “الأمر يقسم المباراة تقريباً إلى أربعة أرباع، وأعتقد أنه يغير طبيعة اللقاء بدرجة أكبر مما ظننت”.
وفي مباراة إنجلترا أمام الكونغو الديمقراطية، بدا أن فواصل شرب المياه لعبت دوراً واضحاً في تغيير مسار اللقاء. فقد تقدم منتخب “الفهود” مبكراً في الدقيقة السابعة، وقبل التوقف الأول لم تكن إنجلترا قد سجلت أي لمسة داخل منطقة الجزاء، ولم تسدد أي كرة على المرمى.
لكن بعد فاصل شرب المياه الأول، تغيرت الصورة تماماً. ووفق ما أورده الموقع، سدد المنتخب الإنجليزي ثماني مرات، وبلغ عدد لمساته داخل منطقة جزاء الكونغو 20 لمسة قبل نهاية الشوط الأول، ما عكس تحسناً كبيراً في الأداء بعد التعليمات الفنية خلال التوقف.
وعلى الرغم من صمود الكونغو الديمقراطية لفترة طويلة، فإن فاصل شرب المياه الثاني كان نقطة تحول أخرى. فقد رفعت إنجلترا عدد تسديداتها على المرمى إلى ثلاثة أضعاف، وضاعفت عدد لمساته داخل منطقة الجزاء بعد استئناف اللعب، وكان جزء كبير من هذا التحسن مرتبطاً بتعديل تكتيكي أجراه توخيل عبر نقل لاعب الوسط ديكلان رايس إلى مركز الظهير الأيمن.
ونجحت التغييرات في نهاية المطاف، إذ سجل هاري كين هدفين في الدقيقتين 75 و86، ليقود إنجلترا إلى دور الـ16 ويُنهي حلم الكونغو الديمقراطية في مفاجأة كبرى.
وعندما سُئل توخيل بعد المباراة عن فواصل شرب المياه، اختار نبرة أكثر دبلوماسية، قائلاً: “أحاول الاستفادة منها قدر الإمكان. أنتم تعرفون أنني لا أحبها كثيراً”.
وهكذا، تبدو فواصل شرب المياه في كأس العالم 2026 أكثر من مجرد إجراء وقائي ضد الحرارة. فهي باتت جزءاً من المعركة التكتيكية داخل الملعب، وعاملاً قد يحدد مصير منتخبات بين خروج مبكر وتأهل ثمين. وبين ضرورات سلامة اللاعبين، ومصالح البث والرعاية، وتأثيرها الفني الواضح، يبقى السؤال مفتوحاً: هل أصبحت كرة القدم على أبواب تغيير أعمق في شكل المباراة نفسها؟
اقرأ المزيد
المستطيل الأخضر لا يخلو من السياسة: مقابلة محمد صلاح مع صحفي إسرائيلي تثير عاصفة من الجدل بعد التأهل
من جزر صغيرة إلى قلوب الملايين.. الحكاية الملهمة لمنتخب الرأس الأخضر
حسام حسن يهدي تأهل مصر التاريخي إلى فلسطين.. تصريح يشعل تفاعلاً واسعاً ويثير غضباً في إسرائيل
عقدة الأفواه المكممة تطارد الماكينات.. لماذا احتفلت الجماهير العربية بخروج ألمانيا من كأس العالم؟

