الإعلامي التونسي محمد الهاشمي الحامدي ونضالات أمن الدولة

2

كتب: حليم لطفي الجريري

أيام طغوة الرئيس المخلوع زين العابدين ابن علي وتحييده للجو السياسي العام بالبلاد، تكلمت كبرى المنظمات الحقوقية العالمية عن سياسته القمعيّة وعن الألوف المؤلفة القابعة في مخافر وزارة الداخلية لأنها قالت “ربّنا الله”، فكان ابن علي يرد على الهجمة العالمية التي يتعرض لها بأن جعل المعارضين له يمارسون سياسات الإبتزاز من أجل أكل جزء من كعكة السلطة فقط، ابن علي كذب على التونسيين كثيرا، لكنه كان محقا في الذي جاء به كرد على قمعه للمعارضين، ليس كلهم ولكن نقصد اليساريين خاصّة وبعض المنتمين إلى “شرع الله” من المتعاطفين مع الإخوان، وبين ظهرانيهم كان محمد الهاشمي الحامدي ملوّحا بيده، مطوّعا قناته “المستقلة” على مقاس نزواته وعطشه للسلطة والتقرب من أصحابها، يطوّعها لضرب نظام ابن علي تحت الخاصرة، لكن سرعان ما ذاب الثلج وبان المرج، حيث وبعد محاولات متتالية لابتزازه -نظام ابن علي-، قبِل الحامدي بملايين الدولارات من وكالة الإتصال الخارجي التي أنشأها عبد الوهاب عبد الله وزير ابن علي المقرّب لشراء ذمم الصحافيين تحت يافطة “توزيع الإشهار العمومي” بالعدل والقسطاس بين المؤسسات العمومية المحلية والعالمية، وانبلج فجر جديد في عمر “المستقلة”، حيث أثبتت وثيقة مسربة إبان الثورة التونسية حصول الحامدي على 150 ألف دولار سنويا من وكالة الإتصال الخارجي كدعم لقناته “المعارضة” لبن علي، مع انطلاق العقد الأول من سنة ألفين.

الحامدي صديق الديكتاتوريين

ومن هنا انطلقت القصّة، ذلك أن الحامدي صار مقربا من “يبيّضه” ويدافع عنه ويمارس فيه مقاولاته “النضالية” على أكثر من جبهة، حتى بلغ مستوى الوسيط بينه وبين بعض الإسلاميين من حركة النهضة في ذلك الوقت، ممن “غضب عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا عظيما” إن هم قرروا العودة من “مَهرَبهم” في خوارج البلاد التونسية، وقد أفادنا أحد هؤلاء “المغضوب عليهم” السابقين في تصريح حصري لوطن بعد أن رفض الكشف عن اسمه قائلا: “الهاشمي كان التقى ببن علي بعد تنسيق قام به الوزير السابق عبد الوهاب عبد الله بينهما، وقدم “يد الصلح” مع ومعها قائمة إسمية “للتائبين” عن حركة النهضة وعن المعارضة ككل، فحواها عشرة أسماء أو ما يناهز وكان إسمي من بينها، وبمجرد خروجه -الحامدي- من لقاء ابن علي اتصل بصديق مشترك بيننا ليعلمه بأن إسمي حُذف من قائمة المبحوث عنهم وبأنه بإمكاني العودة إلى تونس متى شئت”.

إنتهى محدثنا وقد استثار ثنايا الذاكرة عندما هفا علينا لقاء راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة اللاجئ في بريطانيا آنذاك، بالهاشمي الحامدي على قناة الجزيرة ضمن إحدى نُسخ برنامج “الإتجاه المعاكس” الذي ينشطه الإعلامي فيصل القاسم، وتذكرنا كيف استمات الحامدي في الدفاع عن خيارات ابن علي “وحَلَف بالله” أن الرجل يريد الخير لتونس وأنه ما أراد إلا حمايتها من “أعدائها الخارجيين”، لقاء يتذكره الجميع فلا يعجبون إذن “لوثيقة النضال” التي أطلت برأسها بعد الثورة والتي فيها مبالغ “نضالات أمن الدولة” التي كان الحامدي يتلقاها من بن علي إزاء سكوته بل وتبييضه لنظام ولغ في دماء الأبرياء لأكثر من عقدين، وكذا صرّح المناضل “” الصحفي والكاتب والسجين السياسي السابق لوطن عندما سألناه عن ماهية الهاشمي الحامدي الشخصية، من هو؟ وهل حقا كان مناضلا في عهد ابن علي كما قال في أكثر من منصة إعلامية؟؟؟

شهادة سليم بوخذير

“ما أعرفه ومتأكد منه أن الإعلامي والسياسي الهاشمي الحامدي كان مناضلا شرسا ضد دكتاتورية النظام ولكن إلى غاية بدايات سنة 2002 فقط حسب ما أذكر حيث انسحب من مشهد المعارضة إلى مشهد الموالاة لبن علي ومساندته إلى غاية 14 جانفي 2011 تاريخ فرار الدكتاتور”، ويضيف محدثنا:”قبل تحول الهاشمي الحامدي إلى موالاة بن علي، كان تعرض إلى أحكام غيابية بسبب انتمائه للنهضة واضطراره إلى المنفى في بريطانيا وهناك أسس قناة المستقلة التي كانت تبث ساعتين أسبوعيا كل أحد على قمر أوتلسات التناظري من الساعة الواحدة ظهرا إلى الثالثة، وكانت تخصص برامجها لاستضافة معارضي نظام الدكتاتور وكثيرا من الحقوقيين والصحافيين الجريئين وكشف فظاعات انتهاكات حقوق الإنسان في تونس، وذلك خاصة سنة 2001، ونتيجة لذلك سلّط نظام بن علي سلاح الهرسلة والمضايقات الحادة على عائلة الهاشمي الحامدي في تونس وشنّت الصحف الموالية للنظام حملات لتشويه الحامدي، كما كلف بن علي فريقا من المحامين بلندن لرفع قضايا بالحامدي وقناته التي كانت محل مشاهدة عالية في تونس، إلا أنه في 2002 تغير الخط التحريري للقناة نهائيا وصارت موالية تماما لنظام بن علي ولعدد آخر من الأنظمة العربية الفاشية بعد أن أغدقت عليها وكالة الاتصال الخارجي سيئة الذكر وافر العطايا المالية من الرشى، فتحولت إلى قناة تبث على النظام الرقمي 24 ساعة على 24، وأسس الحامدي أيضا صحيفة تحمل نفس إسم القناة، وكلاهما (أي الصحيفة والقناة) سخّرهما الحامدي حتى 14 جانفي لخدمة نظام بن علي وتلميع وجهه القبيح، وسمح النظام في ما بعد بمحو الأحكام الصادرة ضده -الحامدي- وعاد إلى تونس أكثر من مرة وصار صديقا لبن علي إلى غاية فراره في 14 جانفي 2011”..

سليم بوخذير
سليم بوخذير

كانت هذه شهادة المناضل “سليم بوخذير” لوطن التي وصّف فيها مسيرة الحامدي كما عرفها، رجل تتغيّر مواقفه بتغيّر التاريخ والجغرافيا وفق تعبيره، فلا عجب اليوم في أن يصفه متابعون للشأن السياسي بأنه كالوادي الجارف الذي لا يستقر على حال، ولا غرابة في تباين مواقفه ضدّ فجأةً بعد أن كان سائرا في ركابها كما قال أحد محدثينا من المناضلين الإسلاميين القدامى في تونس، وقد عزّز هذا الموقف ما جاء به قول الناشط السياسي والباحث والمفكر الأستاذ “عادل بن عبد الله” في حديث خاصّ لوطن، حيث قال: “قديما جاء في الأثر أنّ ذا الوجهين ليس عند الله وجيها، فكيف بمن تعدّدت وجوهه حتى ذكّرنا ببعض آلهة الهند وليس من القداسة في شيء؟ الهاشمي الحامدي هو نموذج للشخص الذي “لا معوّل عليه” في أي قضية مهما كان نبلها، قضيته الوحيدة هي إثبات ذاته والتصدر للناس، أما المبادئ والقيم “والقضايا الكبرى” فهي مجرد آلات لخدمة غاية مفردة ألا وهي الهاشمي الحامدي، ولذلك فإن تقلباته -رغم عبثيتها - هي تقلّبات منطقية إذا ما ربطناها بالقيمة الوحيدة التي تحكم الدكتور كما يحلو لأتباعه أن يدعوه، المصلحة الشخصية التي تتغذى من تموقعات مؤقتة في خندق ما، ثم تغيير التموقع ونسف الخندق القديم ذاته إذا اقتضت المصلحة الذاتية ذلك، وهو ما يجعل كل توقعاته لا تعكس مبدأ معينا بقدر ما تعكس الرغبة في الإستفادة القصوى من أي “ارتزاق” ممكن قد يوفره الدفاع عن فكرة ما، أو دولة ما، أو محور إقليمي ما، وصدق من قال “من مدح وذم فقد كذب مرتين“..

شخصية إنقلابية

ثمّ فسّر الباحث عادل بن عبد الله انقلاب الحامدي الأخير على دولة قطر بردّه الى المنطق الخفي أو العميق الذي يوجه الهاشمي الحامدي الشخصية السياسية في كل مواقفها منذ أن كانت إسلامية ثم أصبحت بعد ذلك بوقا من أبواق النظام، لتنقلب بعد ذلك على “سادتها” -وفق تعبير بن عبد الله- إبان الثورة، موظّفةً المنطق الجهوي والقبلي وشبكات التجمع الدستوري المنحل للتموقع السياسي داخل المجلس التأسيسي، منشأً بالقول:  “ببساطة، الهاشمي الحامدي شخصية انقلابية “بالقوّة” منذ البدء، لأنه لا مبدأ لها، لا يحكمها إلا المصلحة الشخصية، وقطر هي الرابحة لأنها لن تُدافع عن قضية عادلة بشخص مشبوه”.

قد يعجبك ايضا
2 تعليقات
  1. وادي يقول

    الحامدي خبيث لا مذهب ولا دين يطبل لكل فرعون يرى منه مصلحة شخصية

  2. شكيب يقول

    فعلا انه عميل لبن علي واتذكر انه في برنامج الاتجاه المعاكس مع الاعلامي فيصل القاسم اقسم بالله ان ليلى بن علي اهدته مصحف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.