ولـجَ ولم يخرجْ!

 

 

      كلّ المؤشّرات الإجراميّة في قضيّة اختفاء الكاتب والإعلاميّ السّعوديّ البارز جمال خاشقجي تتّجه نحو السّلطات السّعوديّة، وبالضّبط إلى البلاط الملَكي، وبالضّبط أكثرَ إلى سموّ الأمير محمّد بن سلمان!

!The thrillerولج ولم يخرجْ؛ ذلك هو عنوان الفيلم البوليسيّ

دخل جمال قنصليّة بلده في إسطنبول يوم الثلاثاء 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2018 على السّاعة 13:14:36، وهو ما سجّلته إحدى كاميرات المراقبة التّركيّة لا السّعوديّة، ولم ترصد أيُّ كاميرا خروجه فيما بعد، على رأي المثل الشعبي المصريّ: دخول الحمّام ليس مثل خروجه! فما كان على خطيبته التّركية خديجة التي رافقته وانتظرته خارجا إلّا أن تبلغ الشّرطة، وصرّحت المسكينة للصّحافة بأنّ كلّ ما كانا يحتاجان إليه ورقة لـإتمام زواجهما.

تزامن في نفس اليوم وصول 15 رجلا سعوديًّا إلى مطار كمال أتاتورك بإسطنبول على متن طائرتين سعوديّتين خاصّتين من نوع ”غولف ستريم“، وكلاهما تحت إمرة وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، وقد نشرت وسائل الإعلام التّركيّة صورهم ومعلومات عنهم، من بينهم حارسان شخصيّان للأمير؛ وهما محمد سعد الزهراني (30 عامًا) وذاعر غالب الحربي (31 عامًا)، والآخرون ضبّاط عسكريّون ورجال استخبارات، ما عدا اثنين أو ثلاثة منهم لم تُعرف وظائفهم. حجزوا في فندقي موفينبيك و وينهام القريبين من القنصليّة، ولكنّهم لم يبيتوا ليلة واحدة! فبعد ساعات قضوها في القنصليّة، استقلّوا الطّائرتين ذاتيْهما، حيث اتّجهت إحداهما إلى القاهرة والأخرى إلى دبي، ولكنّ وجهتهما النّهائية كانت الرّياض يوم 3 أكتوبر، تاركين حقائب اشتروها من سوق بمنطقة أمينونو بإسطنبول في أحَد الفندقيْن! وأتعجّب ما جدوى حضور الضّابط العقيد الطّبيب المتخصّص في التّشريح والطّبّ الشّرعيّ المسمّى صلاح محمد الطبيقي ضمن الفريق؟! أليس إلّا لتقطيع الجثّة وتسهيل نقلها?!

وقد رصدت الكاميرات التّركية تحرّك سيّارت ديبلوماسيّة تابعة للقنصليّة وسيّارة نقل أخرى سوداء من طراز مرسيدس معتَّمة الزّجاج، ولا تزال هذه الأخيرة التي حُمِلَت فيها صناديقُ سوداءُ مريبةٌ محلّ بحث.

أمّا القنصل محمد العتيبي فصرّح بأنّ كاميرات القنصليّة لم تكن تُسجّل شيئا وقت دخول جمال خاشقجي، وقد بدا غير مرتاح؛ واضعا يديْه في جيبه وعيناه تلعبان عندما تجوّل بأحَد الصّحافيّين من وكالة ”رويترز“ البريطانية في بعض الأماكن؛ فاتحا الدّواليب، مصرّحا بأنّه لا يُخفي جمالا، ويا لها من مهزلة في حقّ المملكة وفي حقّه كديبلوماسيّ! مثلما أكّد لاحقا وليُّ العهد الأمير محمد بن سلمان في مقابلة مع وكالة ”بلومبرغ“ الأمريكية أنّ السّيّد جمال خاشقجي غادر القنصليّة بحريّة بعد وقت قصير، وأعرب عن استعداد بلده للسّماح للسّلطات التّركية بتفتيش المبنى.

أمّا الرّئيس رجب طيب أردوغان، الذي صرّح بأنّه يُتابع قضيّة جمال خاشقجي كرئيس يدعوه الواجب إلى أن يحمي كلّ شخص فوق تراب بلده، فقد طالب بأن يُقدّم السّعوديون أدلّة تُثبت ادّعاءهم مغادرةَ جمال للقنصليّة، وصرّح بأنّ المبنى السّعوديّ يتوفّر على أكثر الكاميرات تطوّرا، مستغربا كيف لم تُسجّل شيئا!! وقد منحت السّلطات السّعوديّة السّلطات التّركيّة الموافقة المبدئيّة لتفتيش القنصلية ومنزل القنصل، ولكنّها تتماطل لحدّ السّاعة في السّماح بذلك.

      ما يُؤكد أيضا ضلوع السّلطات السّعودية في اختفاء جمال خاشقجي منحُ القنصليّة إجازةً لـأعوان الحراسة الأتراك يوم 2 أكتوبر، وعدم استقبال أناس في ذات اليوم. بل وما يُثبت التّهمة عليها أكثرَ -حسب صحيفة واشنطن پوست- أنّ مسؤولين سعوديّين اتّصلوا من قبلُ بالاِستخبارت الأمريكيّة لبحث مسألة اعتقاله، وهو اللّاجيء المقيم في الولايات المتّحدة منذ صيف 2017، وتساءلت الصّحيفة التي كتب لها جمال مقالاتٍ ما إذا كانت الولايات المتّحدة حذّرتْه من السّفر إلى تركيا أم لا!

      إنّ أقرب الاِحتمالات من خلال جميع المعطيات السّابقة أنّ جمالا قد جعله الخمسة عشر جلّادا يستحمّ بدمه في كواليس القنصليّة بأوامر فوقيّة. أمّا لماذا،،، فليست كتاباته وانتقاداته لسياسات بلده في عهد الملِك سلمان وابنه محمّد السّبب الوحيد، وإنّما لـأسباب أخرى، فلقد كان الرّجل مقرَّبا من رجالات المملكة الكبار ومن دوائر صناعة القرار من خلال عمله في الصّحافة المكتوبة والمرئيّة لعشرات السّنين، حيث راسل جرائد وترأّس أخرى وعلّق على أحداث سياسيّة مهمّة في أبرز الفضائيات العربيّة وحاور شخصيّات مؤثّرة، ولا بدّ أنّه سبر عديدا من الأغوار واطّلع على كثير من الأسرار، ونحن نعلم جميعا أنّه لا توجد حريّة تعبير في وطننا العربيّ من محيطه إلى خليجه، إذ ترسُم سلطة كلّ قطر خطوطا حمراء للصّحافيّ لا يتجاوزُها، وتُملي عليه ما يكتب وما يقول. ولعلّ السّلطة الحاكمة في السّعوديّة خافت من خاشقجي أن يكشف بعض ما يعلمه ولم يكشفْه للدّنيا، فخطّطت لكيفيّة تصل إليه بعد انفلاته من يديْها لتئدَ تلك الأسرار في صدره بكتم أنفاسه إلى الأبد، فقيل له في سفارة بلده بواشنطن: حاجتك في قنصليّة المملكة بإسطنبول فاذهبْ إليها، والأكيد أنّ جمالا شكّ في أنّ الأمر لا يعدو أن يكون مجرّد استدراج، ولكنّه خاطر بحياته من أجل أن يحصل على وثيقة ليُتمّ زواجه، وربّ محِبّ أهلكه حبُّه. رحمك الله يا جمال خاشقجي ميْتًا وحيًّا.

 

بقلم: عمارة بن صالح عبد المالك

قد يعجبك ايضا

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.