كثيرا ما كتب المثقفون  العرب عن الغزو الفكري والثقافي الغربي للمشرق العربي وعن الارساليات التبشيرية في القرن التاسع عشر والثامن عشر  حتى أصبحت هذه الكتابات تدرس في المناهج الدراسية في المدارس والجامعات في كل دول العالم العربي وأصبحت جزء من المقررات الإلزامية التي ينبغي دراستها من كافة الطلاب في المعاهد والمدارس والجامعات العربية من اجل الحصول على شهادة التخرج.

ولكن الحقيقة ان هذا الغزو الفكري والثقافي الذي حاربه المثقفون العرب كان له تأثير إيجابي كبير على الحياة الفكرية والثقافية والسياسية  والاقتصادية في العالم العربي  و له انعكاسات حضارية كبيرة سادت الدول العربية، واهمها الثورة على الاحتلال السلطوي التركي والمطالبة بالحرية وحق تقرير المصير والاستفادة من العلوم  و الابداعات والتقدم العلمي الموجود في الغرب.

ولكن طاعون العصر الذي تمدد وانتشر في القرن العشرين و استمر في القرن الحادي والعشرين وهو الغزو الوهابي للعالم العربي ، لم نر او نسمع تلك الابواق المأجورة من المثقفين العرب يكتبون عنه  بل انتشر بكل سلاسة وبتسهيل من الأنظمة السلطوية العربية بل وتم تعزيز ذلك بان اصبح الفكر الوهابي جزء من المناهج الدراسة في المدارس الحكومية ، وتجاوز ذلك بفتح اكاديميات وجامعات متخصصة تخرج الالاف من الخريجين سنويا في هذا التخصص .

وهنا لا بد لنا من تقديم لمحة عن طبيعة ومضمون هذا المنهج ، اذ نشات الوهابية في القرن الثامن على يد محمد بن عبد الوهاب في نجد وقد قوبلت يالرفض في البداية ، وذلك بسبب نزعتها المتشددة والتكفيرية فانتفض ضدها الكثير من العلماء ورجال الدين ، وادى ذلك الى طرد محمد بن عبد الوهاب وملاحقته ، فقام بالهرب واللجوء لدى الأمير محمد بن سعود وهنا اتحد الرجلان معا وتحالفا لينشا بينهما تحالف قوي بقي ينمو ويتمدد حتى وصل الى ذروته في التمدد في العالم العربي أواخر القرن الماضي ، وتمدد دور الوهابية ورجالها الذين هم وعاظ سلاطين اذ يغضبون لغضب السلطان ويرضون لرضاه ويأتمرون بأمره فيصدرون الفتاوى بما يرضيه وحسبما يهوى ، واستخدمت هذا النهج كالية واحدة من اليات القتل المعنوي والجسدي لتصفية خصوم ال سعود داخليا وخارجيا ، واما الالية الأخرى و الاقوى والاشد فتكا هي الفتاوى التي استخدمتها كسلاح ناري في جذب العامة وتخويفهم واستعبادهم و تركيعهم وفرض ما تريده السلطة عليهم .

وهذا النهج تمدد في الجزيرة العربية ودول الخليج العربي بسهولة ، فأصبحت دول الخليج العربي معقلا لهذا المنهج الظلامي ، واخذ ينمو ويتمدد مع مرور الوقت حتى بلغ ذروته في تسعينات القرن الماضي وانتشر في كافة بلاد الشام والعراق وشمال افريقيا ، وكانت اهم سمات هذا الغزو ظهور الجماعات المتطرفة من القاعدة في أفغانستان و ومليشيات الزرقاوي في العراق و داعش والنصرة في سوريا  والجماعات المتطرفة في شمال افريقيا جنوب الصحراء ، والتنظيمات المتشددة في سيناء ، وحركة الشباب في الصومال ، وغيرها من الحركات الإرهابية المتطرفة.

لقد أصبحت المدارس والمساجد والجامعات مركزا ومنبعا لهذا الفكر المتطرف ، وجاء ذلك بالتحالف ما بين الأنظمة السلطوية العربية والمؤسسة الوهابية الدينية ، اذ استخدم الدين كسلاح قائم على استمالة الشعب من خلال العواطف والمشاعر الدينية والانفعالات ، وفي الوقت نفسه تصوير النظام السلطوي بانه ظل الله في الأرض وان مخالفة النظام والثورة عليه هي فتنه يحاسب عليها الانسان من الله  ، وان اطاعة السلطان من طاعة الله عز وجل ، وتقديس  التبجيل والتهليل والتصفيق للزعيم وللقائد وللحاكم الذي يقدم خطابا عاطفيا انفعاليا بصبغة دينية  لا يمت للواقع باية صلة .

وتعزز هذا الفكر الوهابي الى مؤسسات رسمية في الدول العربية اذ اصبح هناك مؤسسات مثل ديار الإفتاء ، ومفتي الجمهورية ، ومستشار الشؤون الدينية ، ومفتي البلاط الملكي، وغيرها من المسميات التي تبث سموم الحقد والاكراه ورفض الاخر والتطرف والعنف والتشدد في المجتمعات العربية ، وقد تجاوز ذلك الى انعكاسات على ثقافة المجتمع وملامحه وسماته العامة ، فاذا نظرنا الى المجتمع المصري او السوري في ستينات وسبعينات القرن الماضي فان سماته وخصائصه وثقافته تختلف عما هو عليه اليوم في القرن الحادي والعشرين ، واذا نظرنا الى الحركة الأدبية والثقافية والشعرية والفكرية في سبعينات وستينات القرن الماضي نراها متقدمة بكثير عما هو موجود في يومنا هذا ، وقد نجحت الأنظمة السلطوية العربية في تسخير هذا الخطاب الديني الوهابي لردع شعوبها وزج معارضيها في السجون والاستمرار في الحكم .

ان استمرار طاعون العصر (الغزو الوهابي ) في العالم العربي ومؤسساته المنتشرة سوف يعيد العالم العربي الى القرون الغابرة اجلا ام عاجلا، وهذا يتطلب من كافة النخب المثقفة والمبدعة ان تتمرد على هذا الواقع وتكشف الغطاء عن هذا الطاعون المنتشر في العالم العربي ، فلا نهضة ولا تنمية ولا استقرار اقتصادية ولا ابداع حضاري او ثقافي او  تكنولوجي يمكن ان يتحقق في العالم العربي في ظل وجود هذا الطاعون المنتشر في المجتمع .

ان خطورة هذا الغزو تكمن في انه يعمل على منع المواطن من التفكير و استبعاد دور العقل البشري من عملية الابداع والتفكير ، و إعادة كل الظواهر والحقائق الموجودة الى قضايا غيبة الاهيه لا يجوز للإنسان للتفكير بها ، وهنا تكمن الجريمة بحق الانسان ، فليس من حق الانسان العربي التفكير في الخطا او الصواب لان الله خلق الكون وقدر كل شيىء ، ولان ممثل الله في الأرض وهو السلطان يسير وفق إرادة الله ، وهنا يمكن الصراع الحقيق ما بين العقل واللاهوت ، فما زال العرب يسطر عليهم خطاب اللاهوت المقدس ، واما دور العقل فهو منفي ومقيد بالسلاسل وإصدار الفتاوي التي تحرم ذلك، وان مراحل الحياة البشرية التي تطورت تمثلت  بمراحل ثلاثة وهي مرحلة السحر ومرحلة اللاهوت ومرحلة العقل ، وما زال العرب عالقون في الوسط ما بين السحر واللاهوت ، وهو ما يرتكز عليه الغزو الوهابي ويمثله في العالم العربي .

ان الصراع ما بين العقل والذي يمثل الابداع والابتكار والتنمية والمعرفة والعلم والتكنولوجيا والتحرر ، واللاهوت الذي يرتكز على المسلمات الغيبية ويعطي الأنظمة السلطوية صفة الالوهية ، كان ميدانا واسعا في أوروبا في العصور الوسطى وفي نهاية الصراع انتصر العقل والمعرفة على اللاهوت ، ونتيجة ذلك نرى أوروبا اليوم في المقدمة والإنجازات والابداعات الحضارية ودولة الرفاه لمواطنيها ، ولذلك فان اية نهضة حضارية او اقتصادية او تحررية او ثقافية في الشرق بحاجة الى معركة حقيقية ما بين العقل واللاهوت ، وبحاجة الى حسم هذه المعركة لمصلحة العقل والمعرفة والعلم ، على حساب اللاهوت المتمثل بالغزو الوهابي ومؤسساته المتجذرة في العالم العربي.