يعيش العراق حاليا ازمة قومية خانقة تتهدد أمنه المائي وخاصة بعد بدء تركيا ملء سد إليسو على منابع نهر دجلة في محافظة ماردين بمنطقة الاناضول ،حيث ان نهر دجلة يمثل احد اهم انهار العراق بجانب نهر الفرات الذي تتواجد منابعهما في الاراضي التركية وهو الامر الذي يشكل خطرا حقيقيا في حال ما واصلت تركيا بناء السدود والقنوات المائية على منابع النهرين وسيتسبب في حدوث كارثة حقيقية بالنسبة للعراق وسوريا اللتين يعبر بهما هذين النهرين ويشكل لدى البلدين موردا مائيا كبيرا يشكل حوالى ما نسبته 90% من احتياجاتهما المائية.

بدأت تركيا ومنذ فترة طويلة بإنشاء عدة سدود على منابع النهرين ، ففي سبعينيات القرن الماضي بدأت الدولة التركية  العمل بخطة لمشاريع الري وانتاج الطاقة الهيدروليكية على نهري دجلة والفرات فيما عرف لاحقا بإسم  مشروع جنوب شرق الاناضول. وفي الثمانينات وسعت تركيا خطة المشروع ليتكون من 22 سدا وحوالي 19 محطة لتوليد الطاقة، منها 14 سدا في حوض الفرات وأهمها سد أتاتورك و8 سدود في حوض دجلة وأهمها سد إليسو ويمتد المشروع لمساحة تقدر ب 300 الف ميل مربع عبر حوضي دجلة والفرات.

افتتحت تركيا سد إليسو في شهر يناير الماضي وبدأت بملء خزانه المائي في الاول من يونيو الحالي اي قبل ثلاثة ايام مما تسبب بإنخفاض منسوب مياه نهر د جلة بشكل كبير ، حيث اظهرت بعض وسائل الاعلام العراقية انخفاض منسوب مياه نهر دجلة في مدينتي بغداد والموصل بشكل غير مسبوق في تاريخ النهر لدرجة بات من الممكن عبور النهر سيرا على الاقدام وذلك بعد اعلان الحكومة التركية بدء العمل  بملء سد إليسو وهو الشيء الذي يهدد بكارثة انسانية وبيئية بدأت تلوح في الافق.

ينبع نهر دجلة من جبال طوروس التي تقع في الجنوب الشرقي من الأناضول التركية، ويبلغ طوله الإجمالي حوالي 1718 كيلو متراً، منها حوالي 268 كيلو مترا في الأراضي التركية حيث يمر في العديد من المدن ، ومنها بيسميل وجزيرة ابن عمر وحصن كيفا، 1400 كيلو متر في الأراضي العراقية، و50 كيلو متراً في الأراضي السورية بداية من مدينة القامشلي وهو بذلك يختلف عن نهر الفرات الذي يقطع مسافة كبيرة في الأراضي السورية قبل دخوله في العراق ، ويجري في العراق نحو 1400 كيلومتر حيث يمر بالعديد من المدن العراقية منها: الموصل، وبعقوبة، وسامراء، وبغداد، وتكريت، وبيجي، والعمارة، والكوت، والقرنة.

ويدخل نهر دجلة العراق من ” فيش خابور ” و يُرفد هذا النهر بالعديد من الروافد المختلفة وأهمها: الزاب الكبير، والزاب الصغير، والخابور، و ديالي، والعظيم، حيث تغذي انهر من ايران هذه الروافد بحوالي 66 %من مياهها ،ويلتقي نهرا دجلة و الفرات في الجنوب العراقي، ويتحدان في شط العرب معاً إلى أن يصلا إلى الخليج العربي ويصبا فيه.

.

تكمن حجم الاخطار وتأثير السدود على العراق باحتجاز المياه عنه ، بمقدار النصف ، حيث أن استئثار تركيا بكميات كبيرة من مياه نهري دجلة والفرات، لن يعرض مشاريع الري وتوليد الطاقة الكهربائية في سوريا والعراق لأضرار بالغة فحسب، بل يعرضهما لخطر الجفاف وحلول الكوارث ايضا ،وحسب مصدر في وزارة الموارد المائية العراقية ذكر «أن وارد نهر دجلة الطبيعي من المياه عند الحدود التركية والبالغ نحو 20.93 مليار متر مكعب سنويا، وبعد ملئ السد” سد أليسو” انخفض إلى 9.7 مليار متر مكعب سنويا من المياه.

و سيحرم السد 696 ألف هكتار من الأراضي الزراعية العراقية من المياه مما سوف يتسبب في كارثة زراعية للعراق الذي يعتمد الكثير من سكانه على الثروة الزراعية ، كذلك فإن من الاخطار التي سوف تتأثر بها المدن العراقية على مجرى نهر دجلة، وهو يمر فيها من الشمال إلى الجنوب، كمدن الموصل وسامراء وتكريت وبيجي وبعقوبة والعاصمة بغداد والحلة والمدائن والكوت والعمارة والقرنة وغيرها هي انخفاض معدل انتاج الكهرباء والمياه التي تتولد من مياه نهر دجلة وهو المجال الضروري للقطاعات الصناعية والزراعية والانتاجية حيث ان سدودا ومنشآت كهربائية أقيمت على مجرى النهر منذ عشرات السنين، وهو الامر الذي سيحرم هذه المدن والمنشآت وغيرها من مياه الري والشرب وسيقلل من قوة عمل المحطات المائية والكهربائية حال استمرار الوضع الراهن.

كذلك فإن من الاخطار التي تهدد الامن المائي العراقي نتيجة انحفاض منسوب مياه دجلة تردي نوعية المياه المستخدمة في الشرب وازدياد احتمالية تلوثها مما سوف يترك آثاراً سلبية خطيرة على السكان القاطنين في دولة المصب اي العراق ،وسينخفض وارد المياه النهر بنسبة 60 % من 20 إلى 9 مليارات م3، الأمر الذي سينعكس بدوره على جميع السكان القاطنين على حوض النهر، حيث ستتأثر حياتهم كثيراً من جراء إقامة هذا المشروع ابتداء من نمط معيشتهم وتوزيعهم الجغرافي مروراً بوضعهم الاقتصادي وصولاً في النهاية إلى حالتهم الصحية التي ستتردى كثيراً بفعل زيادة نسبة التلوث النهري الحاصلة في مياه الشرب .

كذلك فإن من تأثيرات بناء السدود التركية على منابع نهر دجلة الاسراع  بالنزوح العشوائي للسكان، وتغيير أساليب العمل الاقتصادي وتحولهم من أنماط منتجة إلى أنماط غير منتجة، اذ ستتضرر (5) مراكز محافظات عراقية و (13) قضاء و (21) ناحية تقع جميعها على حوض هذا النهر وروافده الأخرى حسب المصادر الحكومية العراقية، مما سيدفع السكان إلى ترك مهنهم الزراعية والصناعية والحرفية والهجرة من الأرياف والقرى إلى المدن وبقية التجمعات السكانية وسينخفض الإنتاج الزراعي بشكلٍ كبير جراء تزايد رقعة الجفاف وتدهور المراعي والحقول الطبيعية، وتراجع الثروة الحيوانية كل ذلك من شانه أن يزيد من حجم المشاكل الاجتماعية لسكان الحوض القاطنين فيه مستقبلاٍ

وسيؤدي بناء السدود وجفاف نهر دجلة  الى تردي الواقع الاقتصادي لسكان حوض دجلة في العراق نتيجة لانخفاض واردات المياه الجارية إلى البلاد، وبالأخص الفلاحين والمزارعين الذين يعتمدون بصورة أساسية على مياه النهر في ارواء حقولهم ومزارعهم التي ستعانين قلة امدادت المياه، إلى جانب ظهور الحاجة إلى الاستيراد بدلاً من الاكتفاء الذاتي أو شبه الذاتي لبعض المحاصيل الزراعية، وحدوث زيادة كبيرة في معدلات البطالة الناجمة عن ارتفاع هجرة الفلاحين وانخفاض فرص العمل بالنسبة للعاطلين منهم. كذلك ستقضي على ثلث مساحة الأراضي الزراعية في العراق التي تقدر بأكثر من أربعة ملايين دونم خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة، مما يعني هذا حرمان مئات الآلاف من المزارعين من مزاولة أعمالهم ومهنهم الزراعية التي تعد مصدراً رئيساً لمعيشتهم الأساسية، وأيضاً الصيادين الذين يعتمدون في مهنهم على صيد الأسماك، حيث سيؤثر انخفاض معدلات تصريف مياه نهر دجلة على تنمية الثروة السمكية في البلاد.

ان انخفاض المياه في نهر دجلة سوف يعمل كذلك على حرمان أعداد كبيرة من سكان الحوض من الحصول على مياه الشرب الكافية، رغم تردي نوعيتها وزيادة معدلات التلوث النهري فيها جراء احتواءها على نسب عالية من المواد الكيماوية والأسمدة المستخدمة من قبل المزارعين الأتراك حال البدء باستخدام تلك السدود في النطاق الزراعي وسيؤثر بناء السدود ايضا في ظهور العديد من الأمراض الوبائية الخطيرة بين السكان وعلى نطاقٍ واسعٍ وكبير خصوصاً الأمراض المعدية مثل الطاعون والكوليرا والتيفوئيد والملاريا وسيخلق كارثة انسانية تهدد الكيان العراقي برمته نتيجة كل تلك الامراض والاوبئة وبدوره سيجعل التدخل الدولي للقضاء عليها امرا صعبا في ظل استمرار حالة الجفاف المائي لنهر دجلة المورد المائي الرئيسي للملايين من سكان العراق .

ان استمرار الحكومة التركية في مشاريعها الخاصة ببناء السدود على منابع الانهار ينذر بنشوب حرب اقليمية بين الدول المشتركة في مياه النهرين ، حيث ان استمرار ذلك الامر سوف يجعل تركيا تتحكم بنسبة 80 بالمئة من مياه النهرين وهو الامر الذي يتهدد مستقبل العراق كيانا وسكانا  اذا لم يسارع الى حل تلك الاشكاليات على الصعيد الدولي وبشكل سريع حتى لا تحدث كارثة انسانية  عظيمة بالعراق والذي يؤكد الخبراء المختصون بان العراق امام خطر وكارثة حقيقة بإمدادات المياه الواصلة اليه تهدد الحياة في ارض الرافدين اذا لم تحل هذه المشكلة بشكل دولي عاجل.