نعم، فقد بتنا في حيرة من أمرنا، وبات القلق ينمو في قلوبنا، أشد ما يكون من أي وقت مضى، تحسبا لما يمر به الوطن، فالوضع لا يحتمل المماطلات والمهاترات، في ظل ظروف دولية وإقليمية ملتبسة، فالذي دفع المواطن الأردني أن يخرج إلى الشارع بتحدٍ وعفوية، دون اعتبار لأية حسابات -مهما كان شأنها- أن صبره قد نفذ، إذ طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى من ممارسات أهل الحكم، الذين لا يرعون الاًّ ولا ذمة في حياة الناس، ولا يحسبون لرأيهم أي حساب.

لقد سُلطت علينا في هذا البلد زمرٌ من اهل الحكم، لا يعنيها الانتماء اليه، بل أن هاجسها على الدوام هو مصالحها ومناصبها ومحاباة أرباب نعمتها، وبالتالي هي تؤازر بعضها بعضا، أكثر من حرصها على مصالح الوطن، حتى صار الحكم لدينا متوارثا في عائلات محصورة، وأمّا الشعب فينظر اليه كبقرة حلوب، يحقق الفاسدون من أهل الحكم طموحاتهم منها، دون وجل أو خجل.

عندما يخرج المواطن الأردني بتلقائية إلى الشارع، غير آبه بتوعدات وتهديدات، ولا مهتم بدعوات حزبية أو فئوية، فهذا يعني أنه خلع لباس الخوف، وقذف به وراء ظهره، وأنه لم يعد يؤمن بأشخاص أو مناصب أو رتب وظيفيه، يدرك تماما أنها تاريخيا لم تُنجز شيئا مبدعا أو معجزا، بل استسهلت سياسات المكر والخبث على المواطن من خلال افقاره وتجويعه، ومن ثم إذلاله وتجهيله.

لا يعقل أن يبلغ الصلف بالحكومات هذا الحد، ففي الوقت الذي يخرج الناس إلى الشارع بعدد ضخم، كما لم يحدث من قبل، تعلن الحكومة عن استفزازات جديدة للناس، فتعمد إلى رفع أسعار المحروقات والكهرباء، مما يعني أنها استمرأت أساليب المخادعة والتضليل، وبالتالي لا يضيرها أن تجرنا جميعا الى ساحات محظورة.

من غير المبرر أن تنبطح الحكومة للمجتمع والرأي العام العالمي، ومؤسسات الاستكبار والفساد الدولي، وتفقد كل السبل لإيجاد مخرج لأية أزمة، وبنفس الوقت تستأسد على المواطن، ولا تحترم رأيه أو تقدر ظروف معيشته.

تخيل يا رعاك الله، أن البنك الدولي يشترط على حكومتنا في ظرفنا الحالي أن توظف 25000 لاجئ سوري، في الوقت الذي يعاني فيه المواطن الأردني من بطالة حارقة، لقاء قرض ميسر قيمته 500 مليون دولار، مما يعني زيادة مديونيتنا وتمكين الفاسدين لدينا، في الوقت الذي لا يلمس فيه المواطن أثر الديون على أرض الواقع.

إن المواطن الأردني لم يعد تنطلي عليه الحيل والمراوغة، ولا يعنيه ابداً أن يكون الوطن الأردني ضحية سياسات ومواقف إقليمية ودولية ليست شأنه وحده، فالأولى أن يكون الهم الوطني الأردني، وكرامة المواطن، ومعيشته، هي أولويات السياسات والحكومات التي تحاسب على أساسها، أو تُقال بناءً عليها.

هناك ما يمكن أن يؤخذ بعين الاعتبار بناءً على ما يحدث اليوم، من ذلك أن خروج الأردنيين إلى الشارع بهذه الصورة، يعني أنهم لن يقنعوا بالوعود الكاذبة، بل أنهم يطلبون الإصلاح الشامل في الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فقد وصلت الأمور حدا لا أخلاقيا في تغول فئة أهل الحكم على الناس، دون وازع من خلق أو ضمير، امّا الأمر الثاني والمهم الذي يستخلص مما يحدث اليوم، أن الأردني من خلال هذه الهبة لن يرضى بأي حل في القضايا الإقليمية وبخاصة القضية الفلسطينية على حساب وطنه، ولن يتقاسم وطنه مع أحد، وهو قادر على أن يفشل كل المخططات التي يساوم عليها أهل الحكم، فالوطن الأردني خط احمر، لن يستطيع كائنٌ من كان أن يتجاوز إرادة الأردنيين فيه.

إن الخروج من هذا الجدل يكمن بتغيير ممارسات أهل الحكم، بإبراز أنهم يُحسّون بالوطن والمواطن، ويبتعدوا عن مظاهر البذخ والترف، وأن يُسن قانون محاسبة الفاسدين الذي لا يحابي أحدا، وأن تسعى الدولة في سياساتها لتحقيق مصالح الوطن والمواطن الأردني، حتى لو خرجت عن التحالفات المألوفة، والسياسات البائسة، وأن يوضع حد لفساد الدوائر الخاصة والرواتب الخرافية، وأن يتم اختزال أعداد النواب والوزراء، وأن تقنن رواتب العمل والتقاعد لهم جميعا، فلا يعقل أن يمنح راتب تقاعد مبالغ فيه عن خدمة أيام لكثير من الوزراء، خاصة أن حالة الغضب تطال الجميع حكومةً ونواباً واعياناً، مثلما أن الناس تدرك تماما، أن عمل المؤسسات البرلمانية لدينا لا يعدو أن يكون مظهرا شكليا أمام الرأي العالمي، أكثر منه قيمة في تحقيق إي إنجاز على المستوى المحلي.