جاءت الانتخابات البلدية التي شهدتها تونس استكمالا لمسار ديمقراطي بدأ قبل أكثر من سبع سنوات ويعتبر إنجازها بكل المقاييس، و في الوضع الحالي، نصرا جديدا للثورة وفتحا جديدا للديمقراطية وللحرية يتجاوز في آثاره حدود تونس. لأول مرة في تاريخ تونس المعاصرة ومنذ الاستقلال يقع انتخاب ديمقراطي حر ونزيه أعضاء المجالس النيابية المكلفين بتسيير الشأن المحلي وتدبيره. لكن يجب الإقرار أن إنجاز هذه الانتخابات لم يكن تحصيل حاصل سواء من وجهة نظر سياسية أو من زاوية تقنية إجرائية.

من زاوية نظر سياسية كان رهان أعداء الثورة  تأجيلها ومحاولة تعطيل انجازها بل وربما إلغائها لاسباب عديدة وتحت مبررات تبدو في كثير من الأحيان غير جدية بل وهزلية. مسعي التأجيل او الالغاء يجد تبريره فعليا في مركزية هذا الاستحقاق الانتخابي ضمن مسار الانتقال السياسي لكون الانتخابات البلدية تذهب بالقيم التي قامت من أجلها الثورة كالحرية والمشاركة والمحاسبة والكرامة والإنصاف وغيرها إلى منتهاها الفعلي أي إلى صلب الحياة اليومية للناس وتمكن الثورة من إختراق الحصن الأهم للدولة العميقة. من الصحيح أن الانتخابات التشريعية والرئاسية جسدت إلى حد كبير متطلبات الانتقال الديمقراطي لكن هامش التغيير الممكن من خلال هذه الآليات محدود ورهين محددات مختلفة بل و متعارضة مرتبطة بتوازن القوى الداخلي والخارجي. من جهة ثانية فإنه يصعب على البرلمان الاهتمام بمسائل الحياة اليومية لكونه يهتم أساسا بالمسائل العامة والعامة جدا التي لا تجد طريقها بشكل مباشر في حياة الناس اليومية. مقابل ذلك، فإن المجلس البلدية قادرة على التأثير مباشرة في نمط العيش ومن خلال تكوينها ذاته تحافظ علي الحد الادني من العلاقة المباشرة بين الحاكم والمحكوم بين الشعارات و الوقائع ومن اليسير محاسبتها والحكم عليها بمعنى التأثير في السلطة وتطويعها للغايات التي وجدت من أجلها.

لكن منبع قلق الثورة المضادة من هذه الانتخابات يكمن في واقع الأمر مما تؤدي إليه من شكل معدل للامركزية الحكم وفصلها النسبي للأطراف عن المركز وإحلالها للتدبير المحلي لشؤون المواطنين محل الحكم المركزي الذي يسيطر، كما هو شأن أشكال السلطة الشمولية، على أدق تفاصيل الحياة مانعا أي شكل من العلاقة الافقية وبالتالي أي محاولة للتغيير. ما جاءت به الانتخابات البلدية هو شكل جديد من تنظيم السلطة لا فقط على المستوى المحلي وانما ايضا وبشكل اكثر جذرية على مستوى علاقة السلطة المركزية بأطرافها فهي وإن كانت ما تزال قادرة على التأثير إلا أن كما كبير من صلاحيتها وقع فعليا إحالته إلى المجالس البلدية والجهوية وتضحي بالتالي غير قادرة على فرض أجندتها على الجهات الا عبر هذه المجالس التي يقع انتخابها بشكل ديمقراطي. ما هو أهم من تركيز حكومة مركزية بشكل ديمقراطي هو تركيز مجالس بلدية وجهوية بشكل ديمقراطي  يجعل من الصعب جدا السيطرة عليها بغير الأدوات الديمقراطية ويجعل شكل السلطة التقليدي عاجز عن فرض أجندة شمولية على الأطراف. بذلك فإن مهمة الثورة المضادة في تعطيل المسار الثوري وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة أصبح تقريبا مهمة مستحيلة فإذا من السهل التأثير على حكومة مركزية بل والسيطرة عليها وتحويل وجهتها فإن من الصعب جدا السيطرة على المجالس البلدية والجهوية.

لكن هذه الانتخابات لم تكن سهلة او من قبيل تحصيل الحاصل من وجهة نظر تقنية ذلك أن المسار الذي قاد إلى هذا الاستحقاق المركزي للتحول الديموقراطي استوجب من جميع الشركاء تقديم تنازلات مختلفة وأدت التوافقات إلى خيارات يمكن أن تمس من العملية الديمقراطية  لكنها كانت بكل المقاييس غير متناسبة مع رهان تجسيم هذا الاستحقاق. سواء تعلق الأمر بالقانون الانتخابي الذي يقوم علي النسبية مع احتساب أكبر البقايا والذي اثبتت الانتخابات التشريعية عجزه عن افراز أغلبية قادرة على الحكم ومن ثم تحمل مسؤولية خياراتها الاقتصادية والاجتماعية ويشكل حاجزا أمام إصدار العديد من القوانين بل وانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، إلا أن إنجاز الاستحقاق الانتخابي البلدي كان أهم من تطوير هذا القانون أو تغييره.

نفس الامر يمكن ايضا ملاحظته في شأن التناصف الافقي والعمودي في القائمات الانتخابية. فمن جهة يمثل هذا الخيار تطورا نوعيا في التجربة الديموقراطية و إنصافا للمرأة ودورها الاجتماعي إلا أن التمسك به وتنفيذه حرفيا وكل ما يقتضي ذلك من دفع العديد من النساء إلى الترشح للاستجابة لهذا الشرط، كان واقعيا عنصرا من عناصر تعطيل اكتمال المسار لكون الالتزام به دفع فعليا بالعديد من المرشحات التي إقتضي هذا الشرط وجودها دون أن تكون قادرة فعليا على تقديم الإضافة اللازمة للمجالس البلدية وحرم مقابل ذلك العديد من الكفاءات الادارية من المشاركة بفعل تصدر المتسيين والمتأدلجين لهذه القائمات. بكل المقاييس كان ينبغي التعامل مع هذا الشرط بأكثر سلاسة وانسيابية بشكل يمكن المرأة فعليا من المشاركة دون أن يمس من جوهرة الممارسة الانتخابية التي هي من حيث الأصل فوق كل الشروط من هذا القبيل، وهو ما نشاهده فعليا في الديمقراطيات العريقة التي واقعيا لا تشترط تناصفا أفقيا وعموديا في القائمات المترشحة لكون هذا الأمر متروك، كما تقتضي شروط الانتخاب الحر ، للترشح الحر دون شرط الجنس أو اللون أو العمر.

كان من بين شروط هذه الانتخابات مدونة تضبط شروط التغطية الصحفية والاعلامية للحملات الانتخابية.  فعليا، بقدر ما مثلت هذه المدونة التي أصدرتها هيئة تنظيم الإعلام تقدما نوعيا مقابل الانفلات الإعلامي الذي شهدته الانتخابات التشريعية السابقة وتمكنت فعلا من الحد من تدخل المال في توجيه الرأي العام وحصنت الممارسة الانتخابية من أشكال التوجيه المباشر والخفي، إلا أنها كمنشور كان من الصرامة تجاه التجاوزات الممكنة بشكل دفع المؤسسات الإعلامية الخاصة إلى مقاطعة تغطية الانتخابات بشكل أثر فعليا على التعريف بها ورهاناتها وحث الناس على المشاركة فيها. واقعيا من غير الممكن تحديد مشروعية هكذا موقف من وسائل إعلام كان من المفترض أن تلتزم بموقف وطني في مثل هذا الاستحقاق الهام والحاسم للمسار الثوري الذي مكنها فعليا من حرية اعلامية وصحفية لا مثيل لها. لكن يمكن القول أن هذا الموقف على سلبيته وعلى الرغم من آثاره السلبية على نسبة المشاركة إلا أنه حصن الممارسة الانتخابية من شتى أشكال التأثير ومنع أشكال من الانفلات ما تزال البلاد تتذكرها بأسف شديد إلى اليوم.

رغم هذه الصعوبات الهيكلية والشكلية السياسية والتقنية والتي واقعيا كادت تعصف بشروط تحققه اصلا،شق هذا المسار الانتخابي  طريقه إلى التحقق وتمكن من يهمه الأمر من المواطنين من التعبير والترشح والاختيار وأعلن عن النتائج في وقتها وقبل الجميع بحكم صندوق الاقتراع وهذا في حد ذاته مكسب كبير.

بصرف النظر عن النتائج، فإن مراكمة هكذا تجربة مهم جدا لا فقط لمستقبل الانتقال الديموقراطي ولكن لترسيخ السلوك الديموقراطي والوعي المدني عند التونسيين. ولكن ما هو أهم مما سبق هو إقامة الحجة، إن كان من اللازم إقامة حجة، على أهلية المجتمعات العربية في وضعها الحالي على انجاز انتقال ديمقراطي سلمي ومدني، وسقوط كل الأوهام المتعلقة بعلاقة المواطن العربي في وضعه الحالي بالمشاركة السياسية الديموقراطية. ما يتجاوز فعليا هذه الصعوبات والعوائق التي اعترضت طريق هذه الانتخابات تمثل نموذجا من حالة انتقال ديموقراطي ممكن وصالح لكل الشعوب العربية لا ينبغي ان تقوده فقط النوايا الحسنة وانما ايضا العمل والإصرار على تحقيق مطالب الثوار. تماما كما كان تحرك الشعوب تعبيرا عن وعيها بأنها لن تنال من حرية الا بقدر ما تستطيع هي انتزاعه كذلك فإن مواصلة المسار الذي يحقق هذه الحرية ليس من قبيل تحصيل حاصل بل يتطلب جهدا هو بكل المعايير اكبر بكبير من الجهد الأول إذ لا يتعلق الامر بطريق معبد ومزين بالورود بل بدرب يتطلب وعيا بمقتضيات المعادلات القائمة ومحاولة تطويع إحداثياتها تدريجا لتحقيق ليس كل مطالب الحرية وانما ما هو ممكن منها فقط.