يا لَلسّياسة الدّوليّة النّتنة! إيران تستفزّ دول الخليج وتوجّه صواريخها صوبها، وأمريكا تُتاجر مع الطّرف الأوّل وتبتزّ الأطراف الثّانية، وفي كل حال لن تخسر شيئا. فكما ضربت طهرانَ ببغدادَ خلال الثّمانينات، ثم ضربت بغدادَ بطهرانَ في الألفينات، ستظلّ تتقلّب كالصِّلّ حسب مصالحها. ولكي يستمرّ تدفّق الأرباح العظيمة إلى خزائنها، لا بدّ من بؤر توتّر مستمرّة وحروب ساخنة خارج إقليمها، وليس ثمّة أفضلُ من دول الخليج الثّريّة لتكون عدوًّا شرسا لـإيرانَ من بعد أن أصبح العراق تابعا للبيت الأبيض اقتصاديا ولقيادة الثّورة بشريًّا.

سياسة النّفخ في الكير لا يفقهُها كثيرا حداة الإبلِ أصحاب الكوفيات والْعُقُلِ، ولكنّ رعاة البقر يتقنونها جيّدا، وأصحاب العمائم السّوداء يتأقلمون معها ببراعة كبيرة. فذاك داونالد ترامپ يصرّح علنا بأنّ على دول الخليج أن تدفع أكثر مقابل الحماية، وكأنّه لم يكتفِ بتريليونات الدّولارات الخليجية في البنوك الأمريكية، وبملايير الدّولارات التي جناها من الصّفقات، وبمئات الملايين التي أخذها كهدايا! أجل؛ لن يكفّ كسالفيه عن إثارة القلاقل في المنطقة من أجل المزيد من الأموال السّهلة، وسيظلّ يُحرّض نظامَ الوليّ الفقيه على الشّرق الأوسط عموما والخليج خصوصا، وسيظلّ يَحضُّ الدّول النّفطيّة السّتَّ على شراء المزيد من الأسلحة المكدّسة في ترسانات بلده، ولن تكون أسلحة من الدّرجات الأولى طبعا، وعلى فتح أقاليمها البريّة والبحريّة والجويّة لتدعيم القواعد العسكريّة الموجودة أو إقامة أخرى جديدة.

وذيّاك حسن روحاني يُدلي في ميكروفونات الاِتّحاد الأوربيّ بأنّ قتال إيران إلى جانب العراق وسوريا ضدّ داعش إنّما سيُعيد الاِستقرار والأمن لهاتين الدّولتين العربيتين، وسيُجفّف منابع الإرهاب بما يتناغم ومصالحَ الغرب والعالم. وعلى مَن تُمثّل يا عمُّ حسن المعمَّم؟!

أمّا إسرائيل؛ فكأنها الإمبراطور المعظَّم الذي يسعى الجميع لـإرضائه وخدمته؛ من أمريكا إلى أوربّا إلى إيران إلى دول الخليج نفسها! إذ أنّ كلّ حراك سياسيّ أو عسكريّ من هذه الأطراف يأخذ في الحسبان مضارَّ ومنافعَ الدّولة العبريّة الصّهيونيّة، ويا للعجب! وإذا سلّمنا بتحالف الغرب الصّليبيّ معها بحكم المصالح المشتركة لا بحكم القرابة، وإذا سلّمنا أيضا بتلاقي مصالح طهران وتل أبيب في عداوة العرب فغدتَا عدوّتين في العلن حليفتين في السّرّ، فما الذي يُجبر الأنظمة الخليجية على الدّوس على ثوابت الأمّة والغدر بها؟! أ ليس سوى الجبنِ والذِّلّة والنّذالةِ وحبِّ الدّنيا؟!

عمارة بن صالح عبد المالك

About عمارة بن صالح عبد المالك