المتابع والقاريء للتاريخ الحضاري في منطقة الخليج العربي منذ نشوء الحضارات الانسانية في المنطقة يجد ان اهل عمان كانت لهم صولات وجولات على مر التاريخ الانساني سواء من ناحيته السياسية او الاقتصادية اوالتجارية،حيث ذكرت كتب المؤرخين قديما وحديثا الكثير من عظائم هذا البلد الخالد الذي يعد متحفا تاريخيا لكل العصور وبلدا موغلا في القدم تحتضن ذاكرته التاريخية العديد من العظماء و السلاطين والائمة والقادة الذين كان لهم دورا مهما في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي بل انهم استطاعوا من تكوين امبراطورية لاتضاهى في المنطقة وقاومت العديد من القوى الكبرى في العالم كالامبراطورية الفارسية والبريطانية والفرنسية والبرتغالية في العهود المتاخرة وكانت منطقة عصية على الدولتين الاموية والعباسية والقرامطة في العصور المتقدمة التي سيطرت على كل اجزاء الخليج العربي امتدادا من العراق حتى اليمن بإستثناء عمان التي استطاعت الوقوف بكل بسالة وشجاعة ضد تلك القوى نظرا لخبرة ذلك البلد التاريخية والعريقة في التصدي للاطماع والعدوان ونظرا لكونه بلدا له تاريخا طويلا من النضال والاستقلالية في الجانب السياسي وله خبرة تاريخية طويلة في صنع المعاملات والعلاقات مع الحضارات الاخرى .

استطاع العمانيون من تأسيس علاقات سياسية وتجارية مع العديد من حضارات العالم بدءا بالحضارة الانسانية الاقدم وهي الحضارة السومرية في بلاد مابين النهرين وكان ذلك قبل الميلاد بأربعة الاف عام. أطلق السومريون على عمان اسم (مجان) أو جبل النحاس. وقد وردت عمان تحت هذا الاسم (مجان) في مئات النصوص الرافدية سواء أكانت سومرية أو أكادية والتي كتبت بالخط المسماري، وكانت تشير بشكل واضح إلى أهمية هذا المكان من النواحي الاستراتيجية ومصادره الطبيعية خاصة النحاس والأحجار الكريمة المستخدمة في صنع التماثيل مثل حجر الديوريت. وفي تلك الفترة كانت مجان تتمتع بعلاقات قوية مع بلدان العالم المختلفة، وقد كانت المواني، القديمة حلقة الوصل مثل موانئ: صحار وصور ومسقط وصلالة ومطرح حيث اعتمد السومريون وغيرهم من الحضارات الاخرى على استيراد خامات أساسية من عمان مثل الأحجار والنحاس واللبان من تلك المؤانيء، ولذلك ازدهرت  العديد من موانئ عمان تجاريا واقتصاديا كونها كانت حاضرة العالم القديم وأهم مؤانيء تجارته.

كذلك استطاع اهل عمان القدماء من تأسيس تاريخا من العلاقات السياسية والاقتصادية مع الفراعنة في مصر ،حيث كان التواصل الحضاري بين عمان ومصر الفرعونية يشهد تقدما في كافة جوانب العلاقات وخاصة العلاقات  السياسية والاقتصادية وكان حجم التبادل التجاري بين عمان ومصر الفرعونية التي عرفت منذ الألف الرابعة ق.م حضارة متقدمة وتعد من أهم حضارات العالم القديمة تبادلا كبيرا ، لذلك بدأت  الحضارة الفرعونية في التوجه لتوفير متطلبات مدنياتها ومعابدها من المواد الخام والسلع التجارية،  فبدأت في بناء شبكة من الطرق للوصول إلى مناطق تلك المواد والسلع، فأهتمت بالطرق الموصلة عبر المياه البحرية  حيث توجد أهم السلع التجارية وهي البخور واللبان والمعادن  والعاج عبر البحر الأحمر وصولا إلى ميناء ظفار. وبدأت علاقات مصر في الازدهار مع جنوب عمان(ظفار) حيث البخور واللبان والذين أحتاجت المعابد المصرية لكميات كبيرة منهما ،وبدأ الفراعنة في الاهتمام بشق طرق برية عبر الأودية الشرقية للنيل تصل إلى سواحل البحر الأحمر وبالتالي إلى ظفار في جنوب عمان. وقد سجلت النصوص الفرعونية إحدى عشرة رحلة بين مصر وظفار أولها في 2590 ق.م في زمن خوفو الأكبر وآخرها في 1160 ق.م زمن رمسيس الثالث. كما ظهرت صور لأشخاص من ظفار بين آثار مصر تعود إلى 3400 ق.م وتدل الآثار على أن بلاد إرم وبونت التي وردت في نقوش الدير البحري للملكة حتشبسوت في 1400 ق.م هي ظفار، فصور الجبال وأشجار اللبان تؤكد ذلك. وازدهرت تلك العلاقات خلال الألف الثانية ق.م لاسيما زمن الأسرة الثامنة عشرة والتي بدأت تستورد عبر ظفار البخور والتوابل واللبان والصمغ والأخشاب. كما بدأت السلع تشمل النحاس رغم توافره في سيناء ،إلا أن احتياجات المصريين وجودة خامات نحاس عمان أدت إلى استيراد كميات منه من عمان.

وأستطاع اهل عمان كذلك من مد جسور العلاقات مع الهند منذ الألف الرابعة ق.م وكانت طرق التجارة بين الهند وعمان من اهم طرق التجارة البحرية في العالم كونها كانت طريق تصدير للعديد من سلع الهند المتنوعة كالبهارات والاخشاب والعاج والذهب وغيرها من سلع بلاد الهند الى حضارات العالم كحضارة السومريين والاغريق والفراعنة وغيرهم من الحضارات الموجودة في تلك الفترة،و مثلت السواحل العمانية همزة وصل بين مناطق متباينة جغرافيا ومختلفة حضاريا، كون حضارات العراق ومصر القديمة هي حضارات ذات نمط زراعي تعرف باحادية الإنتاج، تحتاج إلى عناصر أخرى لمدنياتها مثل المعادن والخامات ومحاصيل وسلع أخرى لا سيما ما تنتجه حضارات الهند من الأسلحة والأخشاب والأحجار الكريمة والأختام.

كما بدأت العلاقات التجارية بين الصين ومنطقة غرب آسيا وسواحل عمان في الظهور منذ الألف الثالثة ق.م وبدأ الاهتمام الصيني يزداد بالمنطقة بعد غزو الاسكندر للهند ووسط آسيا سنة 326 ق.م،وبدأت السفن العمانية في الوصول إلى سواحل الصين الجنوبية والجزر المقابلة لها منذ تلك العصور حاملة منتجاتها ومنتجات الأقاليم المجاورة لها مثل التمور والسمك المجفف واللبان. وعادت تلك السفن في رحلات منتطمة حاملة سلع الصين ومنتجاتها من الأحجار الكريمة والعنبر والمنسوجات والخزف والصناعات الأخرى، حتى أصبحت موانئ عمان مرتبطة بتلك الرحلات ومواعيدها، وأطلق على تلك السفن وتلك الرحلات اسم (سفن الصين) كناية عن السفن العمانية المتجهة إلى الصين.واستمرت تلك العلاقات حتى بعد ظهور الاسلام حيث استقرت أعداد كبيرة من الجاليات العمانية وغيرها من الجاليات العربية في موانئ الصين، لا سيما ميناء خانفو، بحيث كانت تلك الموانئ أسرع المراكز للتحول إلى الإسلام وثقافته منذ القرن الأول الهجري وكان من اعظم رسل الاسلام الى هناك التاجر العماني المسلم ابوعبيدة الصغير الذي ينحدر من بلدة بسياء بولاية يهلاء من سلطنة عمان والذي استطاع من ان يصل الى ميناء كانتون الصيني عام 133 هجري وأرتقى لمنصب مستشار امبراطور الصين سون شين زون والذي اطلق عليه لقب (جنرال الاخلاق الطيبة)  نظرا لأخلاقه العالية في المعاملات التجارية ومدى تداخله وتعامله مع التجار الصينيين.

كذلك صنع اهل عمان العديد من العلاقات السياسية والتجارية مع حضارات انسانية وامم اخرى كالفرس والاحباش والافارقة وغيرهم من الامم فكان تاريخ عمان على المستوى الاقتصادي والسياسي لايقارن ابدا بأي تاريخ اخر في المنطقة في دلالة واضحة لقدم هذا التاريخ الانساني العريق بل انهم استطاعوا من فرض انفسهم على الامم الاخرى وان يكونوا ندا لهم وتمثل ذلك في صراع القائد العماني مالك بن فهم الازدي الذي هاجر من اليمن واستطاع طرد الفرس من عمان وذلك بعد انتصاره في معركة سلوت بداخلية عمان وانهى الوجود الفارسي في عمان ، وأسس دولة ذات اساس متين ورصين استطاعت بعد ذلك من السيطرة على بعض اجزاء بلاد فارس والهند واليمن وافريقيا.

بعد ظهور الاسلام واصل العمانيون صنع التاريخ المجيد وانتهجوا تاريخا فريدا في كل شيء بداية من دخولهم الى الاسلام طواعية دون قتال خلافا لبقية العرب والامم بعد ان جاءهم كتاب رسول الله الداعي الى الاسلام من خلال مبعوثه عمرو بن العاص وهو الحدث التاريخي الذي اشاد به سيد المرسلين وشهد لهم بالفضل في ذلك وهذا بحد ذاته تاريخا يكتب لاهل عمان منفردا عن بقية شعوب المنطقة وشاهدا لهم بالسيادة التاريخية في اتخاذ القرار الصائب وكانت لهم مشاركات تاريخية موثقة في نشر الاسلام في عهد رسول الله بل انهم انفردوا تاريخيا بالاشادة النبوية في الجهاد والاخلاق والتاريخ والمعاملة وهذا كله يدل على مدى تجذر الخبرة التاريخية لهذه الامة في التعامل مع بقية امم الارض ومدى تداخلهم وتعاملهم مع اطياف الجنس الانساني ككل ثم بعد ذلك وفي عهد الخلفاء الراشدين كان لاهل عمان فضلا عظيما في ترسيخ ونشر رسالة الاسلام ، فكانوا اهم جيوش الخليفة الراشد ابو بكر الصديق في حروب الردة حيث كانوا عماد الجيش الاسلامي وخاصة ازد عمان وحازوا كذلك على الاشادة من خليفة رسول الله ابو بكر الصديق ولم يكتب التاريخ حدوث اي ردة في اهل عمان عن الاسلام وهذا مما يجسد مدى الاصالة التاريخية لهذا الشعب العريق ثم بعد ذلك شاركوا في معارك القادسية واليرموك ومؤتة وفتح مصر في عهد امير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي اشاد بأزد عمان ومدى تفانيهم في خدمة الاسلام والذود عنه حتى انه عين القاضي كعب بن سوار الازدي العماني قاضيا على البصرة وهي اول مدينة اسلامية تم انشائها خارج الجزيرة العربية وكان ذلك في عهد عمر بن الخطاب ،وتواصلت جهود اهل عمان التاريخية في حماية الاسلام وأهله فظهر العديد من القادة التاريخيين ، ففي عصر الدولة الاموية كان هناك العديد من القادة من اهل عمان المهلب بن ابي صفرة الازدي العماني والى الامويين على خراسان عام (78هـ – 697م) الذي حارب الخوارج في بلاد فارس وساعد في ارساء الاستقرار للدولة العباسية واستطاع القضاء على ثورات الخوارج التي قضت مضاجع بني العباس حتى تمكن المهلب من الفضاء عليهم نهائيا ومن ثم ابنه يزيد بن المهلب ومنهم سعيد بن يزيد الأزدي الذي تولى حكم مصر في عهد بني أمية (من 62حتى 64  هـ ) ومنهم شرحبيل بن قليب الحجري الأزدي، وهو الذي تصدى لثورة ثابت بن نعيم الجذامي الذي قام بثورة عاتية في فلسطين عام 128هـ وفي عصر الدولة العباسية ظهر العديد من القادة العمانيين منهم أبي عون عبدالملك بن يزيد الهنائي الأزدي والي بني العباس على مصر (133-136هـ ،137-141هـ  ولمدة ثمان سنين و يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني الأصل، تولى يزيد بن حاتم حكم مصر في ظروف سياسية مضطربة ((144-152هـ و محمد بن زهير الأزدي على مصر(شعبان173-ذو الحجة 173هـ) و داود بن يزيد بن حاتم المهلبي الأزدي على مصر (173-175هـ) وغيرهم من القادة الاخرين.

كذلك وثق التاريخ السيادة لاهل عمان في المنطقة في جوانب اخرى غير الجوانب السياسية والاقتصادية ، فظهر العديد من العلماء والفقهاء من اهل عمان والذين كانت لهم اسهامات كبيرة وعظيمة في الحضارة الاسلامية كالامام التابعي الجليل جابر بن زيد الازدي العماني الذي شهد له الكثير من كبار الصحابة بسعة العلم والاجتهاد كأبن عباس الذي قال عنه (لو ان اهل العراق سألةا جابرا لوسعهم علمه) وابن مسعود وابن عمر وغيرهم الصحابة الاجلاء فضلا عن كبار التابعين كالحسن البصري ومجاهد وعكرمة وغيرهم  من الذين شهدوا للامام جابر بن زيد، ومن اهل العلم كذلك من عمان عالم اللغة وواضع علم العروض الخليل بن احمد الفراهيدى الازدي العماني صاحب كتاب العين واشهر علماء العربية بلا منازع ومنهم كذلك العلامة ابن دريد صاحب كتاب الجمهرة والامام الربيع بن حبيب صاحب المسند في الحديث وغيرهم من العلماء والعارفين كما كانت لهم اسهامات في مجال علم البحار فكان منهم اسد البحار الملاح العربي والجفرافي الاشهر احمد بن ماجد السيباوي (821 هـ – 906 هـ) الذي لقبه البرتغاليون بمعلم بحر الهند فكان موسوعة في علم البحار ومرجعا من المراجع العلمية الذي لجاء اليها البرتغاليين في معرفة احوال الملاحة البحرية .

كذلك برزت السيادة التاريخية لاهل عمان في منطقة الخليج العربي من جوانب بحريىة حيث استطاعوا طرد البرتغاليين من منطقة الخليج العربي وسواحل افريقيا دون مساندة او مساعدة من احد في الوقت الذي كانت فيه البرتغال تعد من اكبر القوى العالمية في ذلك الوقت واستطاعوا طردهم نهائيا عام 1650م .

كذلك من امثلة السيادة التاريخية لأهل عمان الدفاع المستمر عن المدن والحواضر العربية على سواحل الخليج العربي فكانوا الوحيدين الذين تصدوا لمحاولات الفرس في غزو المدن العربية كالبصرة التي حاول الفرس احتلالها فيما عرف تاريخيا بحصار البصرة عام 1775  والذي كتب خلالها أهل البصرة إلى سلطان عمان أحمد بن سعيد البوسعيدي يستنجدونه فبعث لهم 10,000 رجل بالسفن وكسرت سفن أسطول عمان السلسلة الحديدة المقامة على شط العرب وهاجموا قوات القائد الفارسي كريم خان، كذلك ساهم العمانيون في تحرير البحرين من الفرس في عهد الامام سلطان بن سيف اليعربي الثاني عام 1717م وحررها من الفرس واستطاع العمانيون من اخضاع مدن قشم وبندرعباس ولارك وهنجام وبعض مدن سواحل بلاد فارس الاخرى لسيطرتهم في عهد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي عام 1823م كما استطاع العمانيون السيطرة على مدينة جوادر الباكستانية وبقيت تحت سيطرتهم حتى عام 1957م وسيطروا على العديد من مدن الساحل الافريقي كممباسا وبمبا وزنجبار وجزر القمر وغيرها وتكونت لاول مرة اكبر امبراطورية عربية بحرية تشمل مناطق الخليج العربي وسواحل الهند وافريقيا وأقامت علاقات دبلوماسية مع القوى العالمية الكبرى كفرنسا وهولندا وبريطانيا وامريكا، فكانت اول دولة عربية تقيم علاقات مع الولايات المتحدة الامريكية عام 1836 ومن ثم استمر المجهود التاريخي العماني الذاتي والواسع في اعطاء نماذج اثبات للاخرين لطبيعة وسلوك الانسان العماني على مر التاريخ مؤكدا السيادة التاريخية لأهل عمان في المنطقة دون منازع وفي جميع النواحي سواءا كانت من ناحية تاريخ السياسة العمانية او من ناحية تاريخ العلاقات التجارية القديمة او من ناحية تاريخ عمان والحضارة الاسلامية ومدى اسهامات اهل عمان فيها قادة وجندا او من ناحية التاريخ البحري في المنطقة الذي سادوا فيه اهل عمان لقرون عديدة .

ان هذه الوقائع والحوادث والاسهامات التاريخية لاهل عمان يثبت بالدليل القاطع مدى عظمة الانسان العماني قديما وحديثا ومدى تميزه وتفرده في كل شيء وبأنه يحمل ارث تاريخي عريق لايمكن مقارنته بأي طرف اخر في المنطقة ولهذا استحقوا ان يكونوا اسياد التاريخ في منطقة الخليج العربي.

دويم بن سالم الشعيلي

مسقط – سلطنة عمان

16 مايو 2018م