يستعد ولي العهد السعودي، الأمير ، لزيارة القاهرة بشكل لم يعلن عنه من قبلُ، مما مثَّل مفاجأة للعديد من المتابعين، مثيراً العديد من الأسئلة عن أسباب الزيارة في هذا التوقيت بالتحديد.

 

فوسط أجواء أمنية مشددة، وصلت إلى مطار القاهرة مساء الثلاثاء 27 فبراير/ شباط “مقدّمة” الأمير بن سلمان، التي تضم ما يقرب من 20 سيارة خاصة و6 سيارات نقل، بعدما سُمح لها بالمرور، وتم فحصها، وتسلَّمتها السفارة في القاهرة، بتنسيق مباشر مع المخابرات العامة المصرية وعناصر من الأمن الوطني.

 

و”المقدمة”، هي مصطلح بروتوكولي يُقصد به السيارات والأغراض التي يستخدمها الأمير في أثناء زياراته لأي بلد، وهي دوماً ما تصل قبله؛ ليتم فحصها والتأكد من الترتيبات الأمنية كافة الخاصة بها.

 

وصول “المقدمة” وتسلُّمها، تزامنا مع الإعلان عن زيارة رسمية لولي العهد السعودي إلى ، قبل أن يتجه في الشهر نفسه إلى الولايات المتحدة الأميركية.

 

زيارة بن سلمان للقاهرة جاءت مفاجئة ومثيرة للتساؤلات، فالأمير الذي يغير من وجه المملكة حالياً، لم تطأ قدماه أرض مصر منذ أبريل/نيسان 2016، حين وقَّع البلدان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية والتي بموجبها سلَّمت مصر جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، في سابقة أثارت غضباً شعبياً بمصر.

 

حتى الآن، لا أحد يمكنه الجزم، بشكل محدد، بسبب زيارة محمد بن سلمان القاهرة، وإن كانت السيناريوهات المطروحة لتفسير الزيارة تتمحور حول 3 خيارات.

 

فضيحة كوشنر

التفسير الأول، الذي يبدو الأكثر تماسكاً، مرتبط بـ”الفضيحة” الأخيرة التي فجَّرتها صحيفة “ بوست” الأميركية، وتتعلق بصهر الرئيس الأميركي ومستشاره السياسي غاريد كوشنر.

 

فقد كشفت الصحيفة تقارير استخباراتية تتحدث عن “تفاهمات” بين 4 دول -هي: الإمارات والصين وإسرائيل والمكسيك مع كوشنر، مفادها أن تستفيد تلك الدول سياسياً من الرجل، الذي سيستفيد هو الآخر مالياً هو وأسرته، التي تعاني أزمة ديون متراكمة في سوق العقارات، مستغلين نقص خبرته السياسية.

 

ولم يمضِ وقت طويل حتى اعتمد جون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض، قراراً بإجراء تغييرات في نظام التصاريح، وتم بموجبه سحب حق الاطلاع على الملفات المصنفة “سري للغاية” من كوشنر.

 

قرار بمثل هذا الحجم ليس هيناً مطلقاً، فعلى حد تعبير آرون ديفيد ميلر، المفاوض السابق في قضايا الشرق الأوسط، فإن كوشنر الآن يواجه خطر فقدان “مصداقيته” أمام محاوريه في الشرق الأوسط بهذا القرار.

 

مصادر دبلوماسية ربطت بين زيارة محمد بن سلمان للقاهرة ولقائه الرئيس المصري ، والإطاحة بكوشنر.

 

فالفضيحة المالية والسياسية، التي طالت أبوظبي، التي تعد أبرز حليف لكل من محمد بن سلمان والسيسي، ستؤثر حتماً على موقف ولي العهد السعودي، خصوصاً أن كثيرين يتحدثون عن لعب كوشنر دوراً بارزاً في تدعيم صعود نجم بن سلمان بالرياض للوصول إلى العرش.

 

تغيُّرات في الشرق الأوسط

لكن مصادر مطلعة ترى أن زيارة بن سلمان جزء من ترتيبات إقليمية شديدة الحساسية، ستحدث قريباً في منطقة الشرق الأوسط.

 

هؤلاء يشيرون صراحةً إلى ترتيبات عسكرية تخص الملف اليمني وضرب بالمنطقة، ويعتقدون أن زيارة بن سلمان في هذا الوقت وقبل جولته الأوروبية، هي لوضع اللمسات النهائية لما يصفونه بـ”حرب خاطفة”، ستكون عربون صعوده لسدة الحكم قريباً.

 

وتواصل “هاف بوست عربي” مع أحد قيادات ، رافضاً التصريح باسمه، والذي أكد أن مثل هذه التوقعات هي مجرد “تخاريف”، على حد تعبيره.

 

وأكد أن الجيش المصري لن يتورط في أي حروب خارج أراضيه، “هذا قول فصل، نشارك بوحدات خفيفة ممكن، نكون جزءاً من تحالف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة ممكن. أما سيناريو اليمن وناصر عام 1962، فهذا لن يحدث. أقولها بحزم قاطع”.

 

وكعادتها حينما تتعقَّد الأمور وتشتبك بشكل غير واضح، تطلُّ برأسها من جديد، كلمة السر “صفقة القرن”، التي -حتى الآن- لا أحد يمكنه الجزم بدقة، ما هي بنود تلك الصفقة تحديداً.

 

لكن هذا لا يمنع أنه في الأوساط الصحفية بالقاهرة تتردَّد كثيراً بين الصحفيين المسؤولين عن تغطية الملف العربي، أن زيارة بن سلمان بالأساس هي لوضع اللمسات النهائية لتلك الصفقة قبل مبايعته ملكاً قريباً.

 

المثير للاهتمام هنا أيضاً، أن الزيارة أتت بعد تعديلات موسعة في الجيش السعودي أجراها بن سلمان.

 

وقبل وصول الرجل للقاهرة بأيام، تمت الإطاحة بسفير السعودية التاريخي والقوي في القاهرة أحمد القطان، والذي تسلَّم منصبه مباشرة في فبراير/شباط 2011، أي بعد شهر واحد من اندلاع الثورة المصرية، وظل فيه حتى الآن.

 

وقد عُرف عن الرجل جملته الشهيرة: “أنا لن أغادر القاهرة أبداً، اليوم سفير، وغداً أمين عام لجامعة الدول العربية”.

 

وقد نجح القطان، عبر تلك السنوات، في تكوين شبكة علاقات قوية بالنخب المصرية وخاصة في الإعلام، خصوصاً على خلفية منحه هدايا ساعات رولكس للمقربين.

 

السؤال هنا: لماذا أُطيح بالقطان الآن وقبل ساعات من وصول ولي العهد؟

لا أحد يعرف، ولكنه سؤال ضمن مجموعة أسئلة تبحث عن إجابة في ثنايا تلك الرحلة المفاجئة، والتي قد تجيب الأيام القليلة القادمة عنها.