في أكتوبر تشرين الأول الماضي قاد عماد الدين عبدالحميد، ضابط القوات الخاصة السابق في الجيش الذي انتهج عنف الإسلاميين، كميناً في الصحراء الغربية مستهدفاً الشرطة المصرية.

 

قراره هذا يلقي الضوء على تهديد مُتنامٍ من ضباط سابقين مستعدين لتحويل أسلحتهم تجاه قوات الأمن.

 

وعبدالحميد، الذي أعلنت جماعته المسؤولية عن الهجوم وأشادت به باعتباره أحد قادتها، لقي مصرعه في ضربة جوية انتقامية في وقت لاحق. لكن ثلاثة مصادر أمنية مصرية ذكرت أن مقتله لم يُثنِ مزيداً من ضباط الجيش والشرطة عن الانضمام لأنصار الإسلام.

 

وواقعة أكتوبر/تشرين الأول هي أول تعلن الجماعة مسؤوليتها عنه، ومثّلت أول ظهور لاسم أنصار الإسلام.

 

لكن الجماعة المرتبطة بالقاعدة لديها تاريخ وجذور. فهي جزء من شبكة مجهولة اتهمتها قوات الأمن المصرية بمحاولة اغتيال وزير داخلية سابق في 2013، وكذلك بقتل النائب العام المصري في تفجير سيارة ملغومة بعد ذلك بعامين. وفق تقرير نشرته وكالة “رويترز”.

 

واليوم تخوض مصر قتالاً ضد تنظيم الدولة الإسلامية في محافظة شمال سيناء. وقتل مئات الجنود هناك منذ 2013، عندما عزل الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي كان آنذاك وزير الدفاع والقائد العام للجيش، الرئيس السابق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين إثر احتجاجات على حكمه. واكتسح السيسي انتخابات 2014 التي أُجريت بعد عام من عزل مرسي وتعهد بسحق التمرد الإسلامي.

 

الشبكة السرية والتحدي الأمني

ويقول مسؤولون في المخابرات إن الشبكة السرية التي تتبعها جماعة أنصار الإسلام تمثل تحدياً أمنياً أصعب مما يشكله متشددو سيناء، إذ أنها تتألف من ضباط سابقين في الجيش والشرطة يستخدمون تدريبهم على مكافحة الإرهاب وعمليات الاستطلاع والمراقبة في مهاجمة أجهزة الأمن التي خدموا في صفوفها يوماً ما.

 

وقال مصدر أمني: “العناصر الموجودة في الصحراء الغربية أكثر خطورة من الموجودين في سيناء لأن لديهم خبرة عسكرية، يقودهم ضباط سابقون، يسلحون أنفسهم بأسلحة متطورة، يتحركون بسهولة نظرا للطبيعة الجغرافية للمكان. فهم يأتون ويهربون إلى ليبيا بكل سهولة. هناك من يساعدهم في القبائل الموجودة على الحدود، يتعاونون مع مهربي الأسلحة لتهريبهم عبر الدروب الصحراوية”.

 

وأضاف: “المعلومات قليلة عنهم، مثل تلك المجموعات لا يمكن أن تقضى عليها بين يوم وليلة لأنها تعمل على تنفيذ هدف ثم تختبئ لاستجماع قواها وترتيب أوراقها”.

 

ولم ترد وزارة الداخلية على طلبات للتعليق.

 

ولم يعلق الجيش أيضاً. وعين السيسي رئيساً جديداً لأركان الجيش بعد أسبوع من الهجوم وعزلت وزارة الداخلية عدداً من كبار الضباط في ما يبدو أنه عملية إعادة تنظيم للقيادة الأمنية للبلاد.

 

وقالت المصادر الأمنية المصرية الثلاثة إن الشهور القليلة الماضية شهدت انضمام ما يصل إلى 30 ضابطاً آخرين من قوات الأمن برتبة نقيب وملازم أول إلى جماعة أنصار الإسلام التي يرأسها واحد من أبرز المطلوبين في مصر، هو ضابط القوات الخاصة السابق .

 

وقال ضابط في جهاز أمن الدولة المصري لرويترز: “صاروا أقوى لأنهم بعد كل عملية يهدأون طويلاً لحين ضم أعداد جديدة وأسلحة جديدة وعلاج من أصيب منهم. فهم يعملون على عمليات نوعية فقط، لذلك لا يتم استنزاف أفرادهم أو أسلحتهم”.

 

وأفاد اثنان من المصادر الأمنية بأن العشماوي قام في السنوات القليلة الماضية بحملة تجنيد بدأت تؤتي ثمارها حالياً من ناحية الأعداد المنضمة.

 

وطلب المصدران عدم نشر اسميهما لحساسية الأمر، شأنهما في ذلك شأن المسؤولين الآخرين الذين أجرت رويترز مقابلات معهم.

 

وتعين على مصر التصدي للمتعاطفين مع الإسلاميين في القوات المسلحة منذ سنوات. ففي 1981، اغتال ضباط من الجيش الرئيس أنور السادات الذي أغضب تقاربه مع العالم العربي. ويقول ممثلو ادعاء أميركيون إن سيف العدل، وهو عقيد سابق في الجيش، ساعد تنظيم القاعدة في تنفيذ مخطط لشن هجمات تفجيرية استهدفت سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998.

 

وقال المسؤولون الأمنيون إنه جرى إعفاء مئات من أفراد قوات الأمن من الخدمة في الشهور القليلة الماضية بسبب انتماءاتهم السياسية أو الدينية. وشملت أسباب فصل الضباط رفض اعتقال محتجين في مظاهرة أو كتابة منشورات مناهضة للحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

ويخوض السيسي انتخابات رئاسية في مارس/آذار، لكن التأثير السياسي للعنف ربما يكون محدوداً. فمرشحو المعارضة الرئيسيون انسحبوا، ويقول كثير من المصريين إن غضبهم من ارتفاع تكاليف المعيشة يفوق سخطهم من هجمات المتشددين.

 

وقع كبير

قال ناجٍ من كمين الصحراء الغربية إن الأمر لم يتطلب من أنصار الإسلام سوى نحو 12 من متشدديها المدججين بالسلاح لاستدراج سيارات الشرطة إلى الكمين في 20 أكتوبر/تشرين الأول.

 

وأضاف ضابط نجا من الهجوم “أتذكر جيداً يوم العملية كيف وقعنا في فخ صنعه لنا قائد الخلية. سرنا وراء قشر موز وبرتقال كان يبدو لنا أنها ملقاة من المسلحين، ووقتها اعتقدنا أنهم أغبياء وتركوا لنا دليلاً نمشى وراءه، ولكننا فوجئنا بأننا في مصيدة. دخلنا في منطقة رملية والسيارات لم تعد تستطيع التحرك، غرزت في الرمال، وظهروا هم من أعلى الجبل يطلقون علينا الرصاص”.

 

وأبلغت ثلاثة مصادر أمنية رويترز في وقت الهجوم أن عشرات من ضباط الشرطة والمجندين قُتلوا. لكن وزارة الداخلية نفت ذلك الرقم في اليوم التالي وقالت إن 16 من رجال الشرطة، بينهم ضباط كبار، لقوا حتفهم.

 

وذكر مصدران في جهاز المخابرات العامة المصرية أن جماعة أنصار الإسلام كانت تعلم مسبقاً على الأرجح بتحركات الشرطة.

 

وقال أحد المصدرين إنه كانت لدى أجهزة الأمن معلومات تفيد بأن العشماوي تمكّن من حيازة أجهزة اتصال أو التنصت على شبكة اتصالات يستخدمها الضباط.

 

وأضاف أن شبكة الاتصالات تم تأمينها في الأشهر التي سبقت الكمين بتكنولوجيا لاسلكية جديدة لا يستخدمها سوى الأمن الوطني، لذلك فإن العشماوي إما تمكّن من التنصّت عليها أو حاز أحد هذه الأجهزة الجديدة.

 

وقالت قوات الأمن إن العشماوي ينتقي مجنديه بعناية، وعادة ما يكون ذلك عن طريق شبكة من ضباط سابقين يعملون في خلايا صغيرة. لكن طريق العشماوي وعبدالحميد إلى التشدد مألوف لمسؤولي المخابرات الحربية.

 

وتقول أسرة عبدالحميد إنه والعشماوي تخرّجا في الكلية الحربية عام 1999 وخدما لفترة في وحدة الصاعقة بالقوات الخاصة.

 

وأعفى الجيش عبدالحميد من الخدمة في عام 2007، والعشماوي في 2006 بعد ظهور علامات التزمّت الديني عليهما.

 

وتقول أسرة عبدالحميد إنهما اختفيا وتحوّلا إلى التشدد في سنوات الفوضى التي أعقبت انتفاضة 2011.

 

وعبدالحميد سليل أسرة لها تاريخ طويل من العمل في الشرطة والجيش. لكنه تحول للتشدد ما أثار ريبة ضباط المخابرات.

 

وقالت والدته سهير الجوهري في منزل الأسرة بالإسكندرية: “بدأ يقرأ في الدين بعمق”.

 

واحتجز الجيش عبدالحميد لما يصل إلى شهر بعدما وجد بحوزته كتباً إسلامية. وذكر شقيقه علاء عبدالحميد أنه نقل في 2006 إلى وظيفة بالخدمة المدنية لعدة سنوات.

 

وقال أقارب لعبدالحميد إنه طلّق زوجته وتزوج من منتقبة ثم اختفى في 2013 قبل أيام من تنفيذ شبكة العشماوي محاولتها الفاشلة لاغتيال وزير الداخلية.

 

الكلمات الأخيرة

لم تسمع أسرة عبدالحميد عنه شيئاً حتى قُتل في ضربات شنتها حربية مصرية بعد أسابيع من كمين الصحراء الغربية.

 

واسترجع علاء آخر كلمات شقيقه له عام 2013: “قال: كيف يمكنني الخدمة في جيش يحاكمني (لالتزامي الديني)، أو أعيش في بلد لا يتبع شرع الله؟”.

 

وقال شرطي حُوصر في تبادل إطلاق النار إن مهارة عبدالحميد في استخدام السلاح ظهرت بجلاء خلال كمين أكتوبر/تشرين الأول.

 

وأضاف الشرطي لرويترز مسترجعاً الواقعة: “أنا شفت عماد يضرب ضابط بطلقة في رأسه من مسافة رغم أن الضابط كان يختبئ خلف سيارة ولم يظهر منه شيء. لا أعرف كيف ضربه”.