في هذا الزمن العربي ما بعد الرديء لم تعد الخيانة وجهة نظر، بل تعدت ذلك لتتحول إلى الثابت الأكبر في المتغير اليومي لدى أنظمة العار والشنار، وكالأوكسجين الذي تستحيل الحياة بدونه أضحت الخيانة لازمة وجودية لهذه الأنظمة، تتنفسـها كي لا تموت، وتسـري في عروقها حتى تغذي خلايا ديمومتها، ولهذا فقد أصبح من الغرابة بمكان أن يستغرب أحدنا من مألوف الحال حين تقع عينه على مشهد خياني عربي فاجر هنا أو هناك ، تجاه هذه القضية أو تلك، كأن تأخذه الدهشة أو الحيرة عندما يرى بمكانتها الرمزية العربية والإسلامية والمسيحية الجامعة وقد تحولت سيوف الأنظمة الخيانية عليها لا إليها، ضدها لا معها ، فهذا هو العادي في زماننا العربي المعادي لذاته ، الهائم في لجّة الظلام العميم ، لا تعرف له رأساً من قدم ولا يميناً من يسار ولا وجهاً من قفا ، مشـوّهٌ كما لو أنه طفرة جينية هرائية فريدة أفضت إلى شكله الهرائي الفريد الماثل أمامك ، فتسقط في يدك مشفقاً على نقمة الإبصار ، فالعمى والحال هذه نعمة ، وتندب حظك العاثر إذ تعيش لترى الخيانات فرادى وزرافات ، تأتيك من كل الجهات ، وتنهال عليك من حيث تدري ولا تدري ، بخنجر هذا العُتُـلّ أو سكين ذاك الديّوث ، فيثخنوك بجراحاتٍ لا تندمل ولكنها لا تميت ، كأنهم بذلك يتعمدون تعذيبك ، بل هم يفعلون ، هؤلاء الجلادون السّاديون على شعوبهم، كمثل هذا الطاغية العسكرتاري الإنقلابي الذي أطاح بأول تجربة ديمقراطية حقيقية في بلده ليجلس على عرش الجماجم ديكتاتوراً متجبراً على شعبه ، أجيراً بالمياومة عند أربابه الصهاينة ، يُملون عليه واجباته الآنية والمستقبلية ، تفعل كذا وتقول كيت ، فيفعل ما يريدون ويزيد ، ويقول ما يشاؤون ويتبرع لهم بالمفيد ، حتى أنهم يبدون في حال من الإندهاش العظيم غير مُصدّقين ، فهو يتصهين لهم بأكثر مما هم يتصهينون ، ويروج لبضاعتهم كما هم لا يقدرون ، ولعل موقفه الأدنى من دونيّ تجاه الشريف واحد من أحدث الأمثلة على مدى مغالاته في التّصهين المارق الخارق ، فقد ذهب في مروقه ما بعد الصهيوني إلى تمهيد الطريق التعبوي لإلغاء العربية من الذاكرة الجمعية لمواطنيه ، فراح يوجّه جيشه الإعلامي المتصهين لا فحسب لإحتلال العقل الجمعي لشعبه ولكن لإقتلاع أولى القبلتين وثالث الحرمين من جذورها التاريخية الممتدة في تلافيفه ، وهذه بحق كارثة الكوارث العربية القومية التي إن خطرت على بال الصهاينة فقد وجدوا ضالتهم في هذا الطاغية الملعون لتحقيقها ، فطوال سبعين عاماً من عمر اللقيطة الصهيونية لم يحلم قادتها بما صار الان كابوساً يقض مضاجعنا من مثل هكذا خونة من أوقح طراز وعملاء من أرخص متاع ، والحال هذا حري بأن يدفع الأحرار من العرب إلى تصويب البوصلة نحو هؤلاء الجبناء ، فهم العلة فيما نحن فيه من هوان ما بعده هوان ، وهم العقبة الكارثية الكبرى أمام الإنعتاق العربي من عبودية ، ومن العبث تصوّر أي خلاص من مأساتنا القومية الجماعية بوجود مثل هكذا أوغاد تصل الخيانة بأحدهم إلى تجاوز حدود المعقول حتى عند العقل الصهيوني ذاته .