حوار: محمد زيدان– خاص وطن- تعد أزمة التي تقوم بتشييده دولة إثيوبيا كارثة تهدد الوجود المصري مستقبلا ، ويعد الاتفاق الذى وقعه السيسي مع إثيوبيا في مارس 2015 هو بداية التفريط في مياه نهر وحصة من المياه ، حيث أعطى لإثيوبيا حقا قانونيا ودوليا في استكمال بناء السد ، ومنذ أيام وصلت المفاوضات بين الدول الثلاث ” والسودان وإثيوبيا ” لطريق مسدود ، كما تغير الموقف السوداني ليتماهى مع الموقف الإثيوبي مما عقد الموقف كثير ، خاصة وهناك مطامع إسرائيلية في مياه ، وتعمل على وصول مياه إليها ليتحقق حلمها القديم من للفرات .

 

صحيفة ” وطن” حاورت الدكتور زكى البحيري ، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ، بكلية التربية جامعة المنصورة، وخبير الدراسات الإفريقية وحوض النيل في هذا الشأن لنعرف منه المخاطر التي تنتظر مصر وكيفية التخلص من المناورات الإثيوبية التي تدعمها إسرائيل ، خاصة وأن البحيري متخصص في هذا الشأن وله مؤلفات عديدة عن دول حوض النيل وعن أزمة سد النهضة .

 

وإلى نص حوار “البحيري” مع ” وطن ” …

*لماذا فكرت إثيوبيا في بناء سد النهضة بالحجم الذى عليه الآن ؟

–           يرجع الموضوع عندما فكرت مصر في بناء السد العإلى منذ عام 1952 حتى عام 1954 عندما أحضرت مصر خبراء من عدة بلدان لدراسة بناء سد على النيل ، وكان ضروريا توفير الأموال اللازمة لذلك ، وعندما رفض البنك الدولى إقراض مصر بعد موافقته الأولية بعد أن رفضت مصر شروط البنك ،ومن أهمها التفاوض مع إسرائيل ، بعدها لجأت مصر للاتحاد السوفيتي لتمويل بناء السد ، مما جعل أمريكيا تقوم بإرسال بعثة إلى إثيوبيا عام 1958 ظلت 6 سنوات تدرس إمكانية إقامة مشروعات على النيل الأزرق ، وهو الفرع الذى يغذى النيل بحوالى 60% من مياهه وقاموا بعمل 17 مجلدا لدراسة هذا الموضوع ووضعوا 33 مشروعا يمكن تنفيذها على النيل الأزرق بهدف منع المياه عن مصر وتجفيف النيل ، وكان سد النهضة من ضمن هذه المشروعات على أن يتم إقامته في وقت مناسب بالنسبة لإثيوبيا ، وعندما سنحت لهم الفرصة عقب ثورة 25 يناير وضعوا القواعد الاساسية في أبريل 2011 لأنهم كانوا يمتلكوا دراسات أولية مسبقة  وسموه سد النهضة العظيم .

 

*ما هى الدول التي تمول سد النهضة ؟

–           التمويل جزء منه من إثيوبيا كما يقولون وهذا غير صحيح لأن إثيوبيا ضمن أكثر 10 دول فقرا في العالم وليس في وسعها إقامة سد يبلغ تكلفته حوالى 8 مليار دولار تقريبا ، ولكن ساهم محمد العمودي السعودي الجنسية حيث مول هذا السد بكل ما يحتاجه من أسمنت ، وكذلك دولة من ضمن الممولين ، كما يقال أن قطر ساهمت في بعض  المشروعات الأخرى في إثيوبيا ، بالإضافة للشركة الإيطالية التي تقوم بتنفيذ جميع أعمال السد ، بالإضافة إلى إسرائيل التي لها ترتيبات في عملية بناء السد ولكنها لا تترك اثرا ورائها كما نعلم ، ثم الصين التي مولت الطرق المؤدية للسد .

 

*هل ترى أن الكيان الصهيوني له يد في بناء السد وما هي المطامع الإسرائيلية في مياه النيل؟

–           الكيان الصهيونى له يد كبيرة لأن إسرائيل منذ فترة مبكرة تتغلغل في إثيوبيا ، إما عن طريق خبراء في الزراعة أو الصحة ، وفي بناء القوات الجوية الإثيوبية وإثيوبيا من أول الدول التي افتتحت سفارة لإسرائيل بها، والمطامع الإسرائيلية تقوم على محاولة حرمان مصر من مياه النيل التي تصل إليها لخلق مشاكل في مصر من خلال ذلك ، ومنذ إعادة سيناء لمصر بعد المعاهدة وهم يروا أن من حقهم ألا تصل مياه النيل لسيناء حتى لا يتم تنميتها زراعيا أو صناعيا ، وهى تريد أن توقف مثل هذه التنمية المتوقعة حتى لا تكون عقبة أمامها أذا ما قررت استعادة سيناء مرة أخرى في ظروف معينة ، كما أن من التخطيط الصهيوني أنهم يروا أن لهم حق في مياه النيل منذ أن فكر ” تيودور هرتزل ” في إقامة مستعمرة لليهود في العريش ، وتوصيل المياه لها عبر “صحارات ” أسفل قناة السويس ولكن تم رفض ذلك من الاحتلال البريطانى حتى لا يسبب ذلك في التأثير على زراعة القطن في مصر .

 

وعندما تم عمل معاهدة السلام كانت هناك مفاوضات لتوصيل المياه لإسرائيل حتى تقوم بزراعة صحراء النقب ، وتوطين 4 ونصف مليون يهودى فيها مما يجعلها قادرة على تجنيد مليون مجند إسرائيلى في أى حرب قادمة ، وكان السادات موافقا على ذلك بالفعل ، ولكن حدثت ضده معارضة في الجيش وصلت لمحاولة الانقلاب عليه مرتين ، مما جعله يتخلى عن هذه الفكرة حتى تم اغتياله ، وفي عهد مبارك توقف المشروع ، ولما وجدت إسرائيل أن تحقيق هذا الهدف وهو وصول حوالى مليار متر مكعب من المياه صعب تحقيقه من خلال هذا الطرح ، لفت إسرائيل حول مصر والسودان عن طريق القرن الإفريقى وخاصة إثيوبيا ، في تمويل مشروعات وعن طريق المخابرات واللعب في الحديقة الخلفية لمنابع النيل التي تمثل الحياة لمصر ، حتى تكون رقما مهما في دول حوض النيل على الرغم أنها ليست منهم جغرافيا ، ولكن من خلال تأثيرها على هذه الدول لكى يصبح لها كلمة في تقسيم مياه النيل .

 

*كيف ترى مخاطر ندرة المياه في المنطقة العربية ؟

–           المنطقة العربية عدد سكانها 5%  من سكان العالم ومساحتها حوالى 15 مليون كيلو متر مربع ونصيبها من المياه لا يتجاوز النصف في المئة من مياه العالم ، مما جعلها تعانى من ندرة المياه والتصحر ، بالإضافة إلى المحاولات الأمريكية والإسرائيلية لتقسيم الوطن العربى لدويلات وكنتونات .

 

*ما مدى تأثير بناء السد على حصة مصر من المياه ؟

–           إثيوبيا تراهن على حجز  حوالى 74 مليار متر مكعب من المياه خلف سد النهضة في مدة ثلاث سنوات وهذه مصيبة وكارثة بالنسبة لمصر لأن معنى ذلك أن تفقد مصر سنويا حوالى 25 مليار متر مكعب من حصتها من المياه وى حالة فقد مصر هذه الكمية سوف يؤدى ذلك إلى بوار نصف مساحة الأراضى الزراعية في مصر ، ومصر تحاول جعل إثيوبيا تجعل تخزين المياه على 7 سنوات أى حوالى 10 مليار متر مكعب تتحمل مصر نصفها والسودان نصفها ، مع العلم أن هذه الـ 5 مليارات سوف تؤثر على أكثر من مليون فدان ، ولولا احتياطى السد العالى الذى يبلغ حوالى 130 مليار متر مكعب لحدث جفاف في مصر ، حيث تبلغ حاجة مصر سنويا حوالى 100 مليار متر مكعب من أصل 55 ونصف مليار حصة مصر التي تأتى من النيل .

 

*ما رأيك في الموقف السوداني الأخير من مصر بشأن السد ؟

–           دائما كان الموقف السوداني متسقا ومتشابها ومتطابقا مع الموقف المصري وذلك فقط ليس للمصالح المشتركة والتاريخ المشترك فقط ، ولكن أيضا تطبيقا لنص من نصوص اتفاقية مياه النيل عام 1959 حيث يؤكد هذا النص على أن الموقف المصري والسوداني يكون موقفا واحدا تجاه أى قضية تخص المياه ، إلا أن التغير الأخير في المواقف بخصوص علاقة السودان بإثيوبيا وسد النهضة يرجع إلى أن النظام الذى يحكم السودان الآن متعاطفا إلى حد ما مع الإخوان وقطر ولذلك نرى موقفه متناقض ومناوئ للموقف المصري حيث التناقض والاضطراب .

 

*ما مدى تأثير السد على مصر مستقبلا ؟

–           ممكن ألا يكون للسد أى تأثير حقيقى مستقبلا في حالة إذا لم تستخدم إثيوبيا مياه السد للزراعة واستخدمته فقط لتوليد الكهرباء كما يدعون ، ولكن في حالة استخدام هذه المياه خلف السد للزراعة ستكون كارثة وخطر على مصر .

 

*هل هناك تقصير من النظام الحالى المصري في التصدى للمشكلة ؟

–           النظام السياسي في عهد مبارك هو عهد السقوط والضياع حيث ضعف دور مصر إفريقيا وعربيا لأن مبارك لم يحضر أى قمة إفريقية منذ محاولة اغتياله عام 1995 في إثيوبيا وحتى خلعه ، مما أضر بمصر ضررا بالغا وبمصالحها مع الدول الافريقية لأنه ادار ظهره للأفارقة وتعامل معهم بعنصرية بدلا من فتح قنوات معهم واحتضانهم وهو ما ندفع ثمنه الأن ، والنظام الحالى حاول استعادة مكانة مصر ، ولم يفرط في حصتها من المياه لأن اتفاق المبادئ الذى تم في 15 مارس 2015 ، هو لا ضرر ولا ضرار حيث تمر لمصر حصة مقدارها 55 ونصف مليار متر مكعب بعد بناء السد العالى ومصر بدون هذه المياه لا وجود لها ،ولذا لا يمكن التفريط في قطرة مياه واحدة من نصيبها .

 

*كيف ترى اتفاق المبادئ بين الدول الثلاث والذى وقع عليه السيسي في 2015 ؟

–           هذا الاتفاق الذى تم باتفاق الدول الثلاثة مصر والسودان وإثيوبيا تحدث عن مسألة عدم الاضرار بمصالح دولتى المصب وهما مصر والسودان وركز على ضرورة العمل المشترك.

 

*هل يمكن التراجع عن هذا الاتفاق ؟

–           لا يمكن التراجع عن هذا الاتفاق لأنه تحرصه المصالح المشتركة بين الدول الثلاثة ، وطالما الدول ثابتة وقوية فلا يمكن التراجع عن هذا الاتفاق .

 

*كيف ترى وصول أزمة المفاوضات لطريق مسدود مؤخرا ؟

–           الاختلاف الذى حدث أن اللجنة الدولية التي عقدت لكى تفحص البيان الاستهلالى للتقرير الخاص بسد النهضة فيه نقطة أساسية خاصة بحصة مصر وهى 55 ونصف مليار متر مكعب ، وحصة السودان 18 ونصف مليار ، وإثيوبيا غير موافقة على هذا ، ومسألة ملء الخزان مصر ترى أنه يجب أن تكون على مدى سبع سنوات وإثيوبيا لها رأى آخر ، أيضا عمليات دراسة الأثار البيئية والمائية المترتبة على بناء السد على مصر والسودان يجب أن تستخدم معادلات رياضية دقيقة لتحديد الضرر وهم رفضوا ذلك ، ويريدون ترك كل شئ نسبى ، لذلك وصلوا لطريق مسدود ومصر طلبت من الإثيوبيين التأجيل ورفضوا أيضا ، ومن الممكن أن تلجأ مصر إلى وسيط بينها وبين إثيوبيا مثل البحيرية أو الامارات أو جنوب إفريقيا أو فرنسا ، وفي حالة الرفض قد تلجأ لمجلس الأمن لأن المياه بالنسبة لمصر أمن قومى وقد تضطر إلى اللجوء للتحكيم الدولى لأخذ حقها وعدم الوصول لنتيجة قد يؤدى إلى الصدام والحرب وهو ليس في صالح شعوبهم .

 

*ما هو تعليقك على تصريحات السيسي الأخيرة بخصوص هذه المفاوضات ؟

–   معناها أن مياه النيل حقنا وأن الاتفاق الذى تم في مارس 2015 بيننا وبين السودان وإثيوبيا لا ضرر ولا ضرار وأن حقوق مصر والسودان مضمونة ولا يستطيع أحد أن يجور عليها ومعناها أن مصر تصل لنهاية العالم لضمان حقوقها في مياه النيل لأنها موجودة منذ آلاف السنين وتعتبر بالنسبة للشعب المصري حياة أو موت وخط أحمر لا يمكن التفريط فيه لأنها أمن قومى وليس مسألة تنمية فقط .

 

*ما هى تصوراتك لعملية ترشيد المياه كما قال السيسي في لقائه الأخير أثناء افتتاحه لمزرعة سمكية ؟

–  يجب الترشيد العالى في عمليات الزراعة عن طريق استخدام الرى بالتنقيط والرش ، وهو ما يحدث في معظم دول العالم ، كما يجب أن تكون ليلا واستبعاد المحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه كالقصب والارز ، حيث يكفي مصر زراعة 1.1مليون فدان فقط بالأرز على ألا يتم التصدير منه ، والقصب يحل محله زراعة البنجر واستخدام المياه في المنازل ، ويجب إعادة استخدامه مرات عديدة والاستفادة من الصحراء الغربية التي يوجد بها حوالى 400 مليار متر مكعب من المياه الجوفية بالإضافة إلى تحلية المياه للمدن التي تقع على البحر الاحمر والبحر المتوسط .

 

*وماذا عن قوله بنية الدولة العمل على استخدام مياه الصرف ؟

–           الصرف الصحى لا يستخدم للزراعة أو الشرب لأن استخدامه يؤدى إلى أمراض خطيرة ولكن يمكن استخدامه في زراعة الغابات .

 

*هل ترى أن محطات تحلية المياه هى الحل كما يقول السيسي ؟

–           أرى أن مستقبل المنطقة العربية يتوقف على تحلية المياه من البحار وتكلفة هذه العملية حيث تصل الآن إلى ما يوازى 6 جنيهات ، والمطلوب أن نقلل التكلفة حتى تصل إلى جنيها واحدا للمتر المكعب من المياه وعندما تنخفض التكلفة على مستوى الوطن العربى باعتباره منطقة تعانى من التصحر وندرة المياه من الممكن أن يكون الأمر ذو جدوى ، ولكن في الوقت الحإلى لا تعتبر حلا ولكنها تبقى وسيلة لتوفير كميات من المياه للاستخدام الأدمى حتى نبقى على المياه لاستخدامها في الزراعة .

 

*هل ترى أن إثيوبيا ستضغط على مصر لتوصيل المياه لإسرائيل ؟

–           أعتقد أن إثيوبيا تتمنى ذلك ، لأن هناك علاقات ود بينها وبين إسرائيل إلا أن الأمر يرتبط بدولتي مرور المياه وهما مصر والسودان وحتى الآن نحن لم نوافق ، وإذا تم ذلك فهذا معناه تحقيق حلم إسرائيل من النيل لفرات .