توصف مدينة جوادر الباكستانية التي تأوي ميناء ضخما “ميناء جوادر” بأنها أخرى تنشأ على بحر العرب بالقرب من مضيق هرمز، لكن في الوقت نفسه فقد أشعل الميناء حربًا باردة بين العديد من الدول على رأسها والهند وأمريكا من ناحية والصين وباكستان وقطر وروسيا من ناحية أخرى.

 

ويعتبر الميناء جزءًا من مشروع حزام واحد وطريق واحد الذي أعلنت عنه في عام 2013 في سياق صعودها المستمر كقوةٍ اقتصاديةٍ عظمى.

 

والمشروع عبارة عن مجموعة من الطرق البحرية والبرية العملاقة، سيتمّ إنشاؤها خلال خطة زمنية بلا تعاون مع 68 دولة بهدف إيصال البضائع الصينية مباشرة إلى أنحاء العالم.

 

وتكمن أهمية ميناء جوادر في قربه للصين؛ حيث يعدّ أقرب ميناء لإقليم شينجيانج الصناعي، إذا ما قُورن بالموانئ الصينية الواقعة شرقها.

 

لذلك ستعبر التجارة الصينية برًا على طول جغرافيا من خلال الطرق التي تَمَّ إنشاؤها حتى تصل إلى جوادر، ومن هناك يتم نقل البضائع إلى دول الخليج والشرق الأوسط.

 

في عام 2015 سلّمت الحكومة الباكستانية أراضي بمساحة 152 هكتارًا في منطقة التجارة بميناء جوادر للشركة الصينية بحقّ استغلال لمدة 43 عامًا، بهدف تسهيل وصول البضائع الصينية مباشرة إلى منطقة الخليج والشرق الأوسط عبر الميناء.

 

وأعلنت الصين استعدادها لاستثمار نحو 4.5 مليار دولار في لوجيستيات المشروع من إنشاء الطرق والفنادق والمطارات وغيرها من البنى التحتية حول ميناء جوادر.

 

وفي العام الماضي 2016 وصل ميناء جوادر أولَى شحنات البضائع الصينية بعد أن قطعت مسافة 3 آلاف كيلو متر من إقليم شينجيانج.

 

وتقدّر تكلفة الاستثمار السنوي في المشروع الصيني بنحو 150 مليار دولار سنويًا؛ حيث ينقسم المشروع إلى حزام برّي وطريق بحري ويقع جوادر ضمن خطة الحزام البري الذي يتكون من 6 طرق رئيسية أشهرها طريق قطار لندن الصور العظيم الذي يقطع 18 ألف كيلومتر ويمر بتسع دول (الصين، كازاخستان، روسيا، بلاروسيا، بولندا، ألمانيا، بلجيكا، بريطانيا، وفرنسا).

 

ومما يعزّز أهمية الميناء، موقعه الاستراتيجي جنوب غرب باكستان، حيث يطلّ على بحر العرب بالقرب من مضيق هرمز الذي تعبر منه ثلث تجارة النفط العالمية، والذي تسيطر عليه حاليًا الإمارات من خلال احتلالها لأغلب الجزر اليمنية الواقعة على المضيق.

 

كما يساعد موقع الميناء في تقليل الوقت والمال على الرحلات التجارية، ويعدّ موقع الميناء ذا أهمية استراتيجية أخرى لوقوعه بين جنوب ووسط آسيا والشرق الأوسط، كما يمثل جزءًا هامًا من طريق الحرير القديم الذي يربط الصين مع أوروبا وآسيا وإفريقيا.

 

وفي السابق كان جوادر تحت سيطرة سلطنة “” حتى استعادته باكستان في عام 1958 وظلّ معطلًا حتى عام 2002 قبل بدء باكستان في الاستفادة من عمق مياهه وصلاحيته لاستقبال السفن الكبيرة.

 

حاولت دبي الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي للخليج العربي التغلب على فقر مواردها الطبيعية باستثمارها في البُنَى التحتية لتصبح أكبر مركز عالمي للتجارة والمال والسياحة، لتستقبل سنويًا الملايين من السائحين ورجال الأعمال، وموطنًا لأكثر من 5 آلاف شركة عالمية تنتمي لأكثر من 120 دولة.

 

واستطاعت المدينة أن تقدّم العديد من الخدمات المتميزة للشركات، حيث يوجد بها ميناءان تجاريان رئيسيان “ميناء راشد”، و”ميناء جبل علي”، ويعدّ هذا الميناء أكبر ميناء من صنع الإنسان في العالم والشرق الأوسط.

 

ويعتمد اقتصادها على الخدمات المقدمة من خلال هذه الموانئ لكن مع ظهور المشروع الصيني الضخم باتت دبي مهددة بالتوقف عن العمل في غضون 10 سنوات بحسب تقارير إعلامية.

 

لذلك عمدت الإمارات على محاربة المشروع الصيني الباكستاني وبدأت خطواتها في هذه الحرب بدعم المعارضة الباكستانية، حتى استطاعت الإطاحة برئيس الوزراء السابق نواز شريف في يوليو الماضي، بعد أن ألصقت به تهمًا بالفساد عبر وثائق كانت الإمارات مصدرها.

 

وكانت الخطوة الأخرى في محاربة الإمارات للمشروع بتكوين تحالف مع الهند العدو التقليدي لباكستان وزار رئيس وزراء الهند  نارندار مودي دولة الإمارات في نفس عام توقيع اتفاقية جوادر الباكستانية الصينية وكانت تلك الزيارة الأولى لرئيس وزراء هندي منذ 37 عامًا.

 

ومما يعزّز الشراكة الإماراتية الهندية تضرر الدولتين من المشروع فالأولى مهددة بتوقف موانئها والثانية تتخوف من مرور المشروع في إقليم كشمير المتنازع عليه مع باكستان، وهو ما يعني أن الإقليم سيخضع للحماية الصينية بعد أن أصبح ممرًا لبضائعها.

 

كما زاد المشروع من التقارب الإماراتي الهندي الإيراني، حيث تخشى الأخيرة من ميناء جوادر وقامت بتعجيل تطوير ميناء تشابهار الذي يبتعد 165 كيلو مترًا عن جوادر، وقامت بتسليم الميناء بشكل كامل للهند ضمن خطة تكلف نحو نصف مليار دولار.

 

ويفسر البعض الهجمة الشرسة التي شنّتها الإمارات بالتحالف مع ضد كون الأخيرة أعلنت استعدادها لدفع 15% من كلفة تطوير وبناء الممر الباكستاني بميناء جوادر لنتنقل بذلك الأزمة الخليجية إلى سواحل باكستان.

 

ويزداد الصراع الإقليمي على الميناء بوقوف الولايات المتحدة في صف الهند والإمارات فيما تدخل غريمها الروسي ليدعم كلًا من الصين وباكستان وقطر مما يشير إلى أنَّ المسألة أصبحت صراعًا دوليًا على النفوذ والسيطرة في بحر العرب.

 

فالخطوات الصينية الباكستانية القطرية تقوم على صياغة أجندة اقتصادية جديدة للمنطقة على أساس الاقتصاد الجيولوجي لميناء جوادر، في حين تعمل كل من الإمارات والهند على إفشال المشروع وعرقلته من خلال ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية للاستثمار في دبي وعدم توجيه استثماراتهم إلى “جوادر”.

 

كما أنَّ نجاح الصين وباكستان وقطر في إطلاق هذا المشروع يحول الصراع بين باكستان والهند إلى نقطة نجاح للأولى كما يعدّ امتدادًا إضافيًا للنفوذ الروسي في آسيا الوسطى لتتقدم هي الأخرى على غريمتها الأمريكية.

 

ويعني المشروع أيضًا انتهاء حتميًا لدور دبي المعهود كمركز تجاري عالمي في غضون 10 سنوات من الآن ولن يكون بذلك محطة بحرية خاسرة للإمارات في حرب موانئها، فحسب بل سيكون بديلًا عن دبي نفسها.