قطر بين خصمٍ جديد و حليفٍ عتيد

ما تزال أروقة السياسة و غرفُها مشغولةً و بإعياء، بالحدث الأبرز على الساحة الخليجية،  حيث تشهد تلك الساحة انقساماً مؤلماً لم تشهد له مثيلاً في سنواتٍ طِوَال..

فالسعودية و الإمارات و من بعدهما البحرين و مصر ثم موريتانيا،  قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع قطر قُبيل بزوغ الفجر،  ليستيقظ المواطن القطري و يجد نفسه محاصراً اقتصادياً ، و منبوذاً سياسيّاً ، و ليس لديه وقتٌ كافٍ لترتيب أوراق انسجامه مع الواقع الجديد الذي لا يُحسَد عليه..

الجدير في الذّكْرِ هو أنّ الإمارات العربية المتحدة راحت تبالغ و بشكلٍ ملحوظ في خصومتها للقطريّين من خلال سنّ قوانين تجرّم كل من يعارض قرار المقاطعة أو يبدي تضامنه مع دولة قطر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، و راحت تفرض عليه غرامات مالية باهظة ، و وصل الأمر بالسلطات الإماراتية إلى منع رضيع إماراتي من مغادرة البلاد مع أمّه القطرية التي أُجبرَت على المغادرة بعد قرار المقاطعة ، ثم بعد ذلك راح الإعلام السعودي و الإماراتي يشنّ حرباً لاهوادة فيها على دولة قطر متّهمَها بدعم الإرهاب ، و زعزعة استقرار الخليج العربي و إيواء جماعة الإخوان المسلمين التي زعموا أنها تشكّل خطراً حقيقيّاً على أمن الخليج ..

و لعلّ السبب الحقيقي وراء هذا التصادم اللامسبوق هو ازدياد النفوذ القطري في المنطقة ، و هيمنة الرأي القطري على مُجمل ملفّات المنطقة ، الأمر الذي لم يعجب دولاً خليجيّة كبرى و في مقدّمتها المملكة العربية السعودية التي كانت و ماتزال تقدّم نفسَها على أنّها رائدة العالم الإسلامي ، و مركز ثقله الذي يحتوي على المقدّسات الإسلامية ..

أضفْ إلى ذلك التضارب الحاصل بين قطر من جهة و السعودية و الإمارات من جهة أخرى ، فيما يخصّ دعم بعض التيارات الجديدة الصاعدة في المنطقة .

فعلى سبيل المثال ، لوحظَ موّخراً وجود تقارب متين بين حركة حماس و قطر و ذلك من خلال استضافة الدوحة لمسؤولين كبار في الحركة و على رأسهم الرئيس السابق للمكتب السياسي خالد مشعل،  و قد اعتبر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بأنّ حماس منظمة إرهابية يجب طردها من منطقة الخليج،  مُتَناسياً أو متجاهلاً البساط الأحمر الذي افتَرَشَتهُ المملكة لخالد مشعل قُبيل توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية في مكّة المكرّمة،  و ضارباً عرض الحائط الاستقبال العظيم الذي كانت تلقاه قادة حماس في أرض الحرمين الشريفين،  فالمسألة إذاً لا علاقة لها ما إذا كانت حماس إرهابية أم لا،  بل تتعلق بضرورة انسجام الموقف السعودي مع الموقف الأميركي فيما يخص حماس،  و ذلك إثرَ الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرياض و التي وصفَ خلالها حركة حماس بأنها منظّمة إرهابية،  فلم تجد السعودية بعد هذه التصريحات من وسيلة لتقريب وجهات النظر،  سوى المسارعة بمقاطعة قطر و مطالبتها بطرد قادة حماس،  و ذلك نزولاً عند رغبة دونالد ترامب ..

في حين نجد أنّ الإمارات اتجهت في الآونة الأخيرة إلى دعم محمد دحلان المحسوب على التيار الفتحاوي،  و كذلك كان هناك تقارب واضح بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز،  و رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس،  لا سيما في القمة الاسلامية الأميركية التي انعقدت في الرياض..

إذاً هنا نلاحظ شتاتاً خليجياً فيما يتعلق فقط بالقضية الفلسطينية، و الأمر ذاته ينطبق كذلك على جُلّ ملفات المنطقة،  فَـ قَطر دعمت تيّارات إسلامية في سورية،  و هذا الدعم لم يعجب الجوار الخليجي،  و كثيراً ما لعبت قطر دور الوسيط في عمليات تبادل الأسرى في سورية و لبنان،  و كانت الضامن الحقيقي للأطراف الإسلامية في تلك العمليات،  ثم راحت تلك الأطراف المحسوبة على قطر،  تقاتل أطرافاً أخرى مدعومة من السعودية و الإمارات  ، و الأمر يتكرر كذلك في ليبيا،  ففي حين تدعم الإمارات و بشكل واضح اللواء المتقاعد خليفة حفتر،  و عملياته البرية و الجوية،  نجد أنّ قطر تدعم أطرافاً أخرى متصارعةً مع حفتر ..

و لكنّ الأمر الذي فاجأ السعودية و الامارات و جميع الدول التي قاطعت قطر،  هو أنّ قطر لم تكن وحدها،  و سرعان ما بدأ حلفاؤها بالتحرك لتخفيف وطأة الحصار،  و مساندة الحكومة القطرية اقتصادياً و عسكرياً،  فتركيّا أصدرت و بشكل عاجل قراراً بإرسال قوات عسكرية إلى قطر، و قد وافق البرلمان التركي على ذلك،  متحدّياً حليفه السعودي الذي تربطه معه علاقات وُصِفت بالمتينة والتي ربّما تشهد توتّرات في المرحلة المقبلة،  خاصّةً أنّ بوادر الخلاف السعودي التركي بدأت تلوح في الأفق بعد إصرار الرئيس التركي رجب طيب آردوغان على عدم تركِ دولة قطر وحيدة في هذه الفترة العصيبة،  كذلك اتهمت السعودية قطر بأنها استقدمت قوات برية من الحرس الثوري الإيراني إلى حدودها البرّيّة معها و بأنّ أمير قطر لديه الآن حراسة خاصة مُستَقدَمة من إيران،  في حين قالت إيران و على لسان وزير خارجيّتها بأنّ قطر تتعرض لحصار ظالم ولابد من الوقوف معها لتخفيف مشقّة هذا الحصار ..

كذلك لا يمكن تجاهل مساعي أمير الكويت لاحتواء هذه الأزمة،  من خلال جولته الخليجية التي قام بها محاولاً تقريب وجهات النظر،  و لكنّ السعودية و الإمارات كانتا قد حمّلتاه مطالب تعجيزية،  و على الدوحة تنفيذها فوراً و بدون تلكّؤ ، لإعادة الأمور إلى نصابها السابق ..

و لكنّ التساؤل المثير هو كيف ستتمكن قطر من التوفيق بين حلفائها الأتراك و الإيرانيين و الروس من جهة،  و بين خصومها الخليجيين كذلك من جهة أخرى؟ ؟

هذا ما ينتظره عالم السياسة..

قد يعجبك أيضاً

تعليقات

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعنا

الأحدث