الرئيسيةتحرر الكلام"السّقوط نحو السّماء"

“السّقوط نحو السّماء”

إنها  الثامنة صباحاٌ أو ذاك ما كانت تشير إليه عقارب الساعة

في يدي، فعقارب المكان كانت توحي للمارّة و أنا أوّلهم أنّها على مشارف  الثامنة مساء ، فاليوم لم يُكتب للشّمس أن تظهر من مخبأها خلف تلك الغيوم الّتي استقرّت على عرض السماء و كأنها لم و لن تبرح مكانها مقدار ذرة من ذرّات هدا الكون على اتّساعه ..

وقفت أتأمل المكان للحظات ، فليس ظلمة المكان و لا غرابته هما اللّذان استوقفاني هذه المرّة …

كيف لا ، و مع حلول فجر هذا اليوم يكون قد كتب لي أن أهدر من سنين عمري المكتوب في اللّوح المحفوظ عامين كاملين على هذه الأرض،  ليمسي طرقات المكان و حتّى وجوه المارّة مألوفة بالنّسبة إليّ..

تلك اللحظات الٰتي جعلتني اتبسّم ضاحكة عازمةً إكمال ذاك المسير أم تراني أقول محاولة المسير مجّدداً في صباح هذا اليوم ..

كنت قد لاحظت تواجد رجل على يميني كان قد ارتدى في قدميه حذاء التزلّج ليباشر تلك الهواية الّتي اعتاد ممارستها على أسطح الجليد المخصصة لذلك سواء في الأماكن المغلقة أو على أحد البحيرات المتجمّدة هنا ..

و هناك على القارعة،  شاب راح يترنح ذات اليمين و ذات الشمال خوفاً من السقوط مجدداً  فعلى ما يبدو مازال هاوياً مستجدّاً على هذه المرآة الجليديّة أم تراني أقول على هذه المدينة ..

و على مرمى من  ناظريّ إمرأة جعلت من باب سيّارتها مسنداً لها يحميها من الانزلاق نحو ذلك السّطح القاسي الملمس و الأشبه بلوح زجاج لأحد ناطحات السحاب الّتي راحت تعكس لون السّماء في يومٍ توضعت فيه الغيوم على عرض السّماء كهذا اليوم  ..

إنّ كل ما سبق كان ليمسي مشهداً عابراً سهل الاستيعاب للمتلقّي إذا ما كان في أحد الأماكن المخصّصة للتزلّج، و لكن  ما إن تقطن هنا في هذه البقعة من الأرض حتي يُكتب عليك أن تخرج من منزلك لتمارس هواية التزلج تلك دون سابق إنذار أو استئذان بل و دون علم لك أو دراية ..

و الجميل بالأمر أنّه لا يتوجّب عليك اليوم أن تُظهر شهادة تثبت أنك مارست هذه الهواية من قبل، و كلّ ذلك لم يكن في حسباني …

لترى النّاس اليوم سكارى و ما هم بسكارى  ، فكلُّ ما في الأمر أن لعنة جديدة من لعنات هذا المكان و الزمان كانت قد ضربت بنا في ساعات النّهار الأولى من هذا الصّباح..

أمسكت نفسي عن الضحك بصعوبة بعد أن لاحظت أنّ قدماي أبتا أن تتزحزحا من مكانيهما ذاك مقدار خطوة واحدة،  بعد أن استشعَرت مجدداً انعدام الأمان فأمسَتْ متحيّرة في أمرها وسط واقع أيّامها بأحداثه و غرابته..

لم أشهد مثل ازدحام الشوارع هذا الصباح من قبل ،فسائقي السيّارات باتت تخاف المسير تماماً كالمرتجلين عليها …

آه أين أريكتي الآن ..قلت قاطعةً ضجيج هذه المدينة الغاضبة..

كم كنت آمل الاعتكاف في منزلي دون أن أبرح تلك الأريكة الدافئة ، فجُلَّ ما أرغبُ فيه هذه اللحظات هو بضع رشفات من كوب شّاي ساخن ، حتّى و لو كانت في منزل لا يحمل دفئ منزل عائلتي الكبرى حين توضّع على أطرافك يا دمشق ..

فاليوم تأكّدت للمرّة الأخرى أن برودة ذاك المنزل في شهر كانون الأول و الّذي يقبع  على ذاك الجبل حيث بلدة صغيرة جميلةٍ كانت على أطراف دمشق، يقصدها الناس صيفاً بحسب ما جرت العادة للهروب من حرارة الجو العالية بات أحنّ و أدفئ من منازل هذا المكان و من هذا اليوم المجنون بأحداثه و احداثيّاته..

و الجّدير بالذّكر أنّ ليس الطّبيعة و حسب من كانت غاضبة حزينة في هذه الآونة من العام دوناً عن غيرها ،فترى الناس بعضهم  حزانى و آخرون راحوا  يرمون إليك بنظراتٍ ملؤها النّدم اذا ما استنبطوا أو استشفّوا  ديانتك من ملبسك  ليمسوا نادمين على ذنب لم يقترفوه هم أنفسهم أو على الأقل ذاك ما حدث معي  ..

كان يتوجب عليّ الحضور إلى أحد مكاتب الجامعة للقاء أحد أساتذتي بناءً على موعد كنت قد أبرمته معها مسبقاً و ذلك بحسب ما جرت العادة هنا ..

كان ذلك لأخذ استشارة حول موضوع بحثي القصير الذي كنت أجريه في هذه الآونة حول حقبة الستّينات هنا و ما حدث في ذلك العصر من أحداث وصلت إلينا و أخرى اختبأت تأن من الظّلم إلى فترة ليست ببعيدة عن اليوم وسط ماضي هذه المدينة الجائرة   ..

ما إن أغلقت ذاك الباب حتى أخذَتْ بيدي نحو ماضيها، ذاك الماضي حيث طفولتها والدتها و ذكرياتها و كأنها  تدخلني من أحد أبواب ذاكرتها لتعيدني بالزمن إلى مكان لم و لن أشهده مهما اختلفت الأزمان يوماً..

إنّ البحث الذي أنا بصدد فتح نقاشٍ حوله خلال أسبوعين من الآن أمام زملائي التلامذة كنوع من أنواع الامتحانات المختلفة عن مفهوم الامتحانات التي اعتدنا أو اعتدت عليها خارج حدود هذه المدينة  هو عن أسباب التغيير في نظام التّعليم و كيف بدء عصر يطلقون عليه هنا اسم عصر الثورة الهادئة ..

لاحظت في تلك الجلسة أن رحلة الزمن عندها بدأت عند أبواب والدتها حينما قالت :

إن أمي لم تكن من أولئك المحظوظين أو بتعبير آخر أولئك الأقلة الأغنياء في تلك الحقبة و بالتّالي لم تكن من المتعلّمين و لا من المثقفين أيضاً فهي من قرية صغيرة تبعد عن مدينة مونتريال خمس و أربعون دقيقة إذا ما استقلّينا السيارة من موقعنا هذا ..

فقلت مقاطعة كعادتي :

هلّا حدثتني قليلاً عن نظام التّعليم في تلك الآونة .

قالت : بالطبع، قبل أن تعود بظهرها نحو مسند ذاك الكرسيّ المنجّد و كأنها مازالت إلى اليوم تخاف فتح و لو حتى نافذةً صغيرة من نوافذ ذاك الماضي الذي لم ترث منه عن  أمها غير حزنه دموعه و شجنه على ما يبدو ،و كأن النّسمات القادمة من تلك النافذة مازالت مليئة بعفن الظّلم و رائحة ماريجوانا ذاك الزمن الذي ينم عن فسادٍ من نوع آخر فساد له تأثير المنوّم  لأجيال و أجيال قبل تلك الثورة ..

أعادتني من أفكاري صوتها الأجش ذاك حينما قالت :

كان التعليم في تلك الآونة مرتبط بالكنيسة  أي لتكون إنساناً غير أمّي يتوجب عليك أن تتبع تلك الديّانة و شرائعها و تبتعد عن محرّماتها ..

ثم سألتني قائلة :

لربّما سمعتي بالدّيانة المسيحية أليس كذلك ؟

فابتسمت قائلة :

سيدتي إن في موطني حيث مسقط رأسي عشنا منذ الأزل في مجتمع متعدد الأديان حيث المسلم،  اليهودي ،المسيحي،  و من لم يعترف بأي من الأديان أيضاً.

فبادلتني الابتسامة قبل أن تكمل :

و بفرض أنك اتّبعت تلك الديانة عن قناعة أو العكس في ذاك الزّمان ، فإن حدود علمكِ لا تتوقف على حدود قدراتك العقلية مهما بلغْتِ من الذّكاء أم لم تبلغِ، فتلك الحدود مرسومةً عند حدود قدراتكِ المالية فالجّامعات و الاختصاصات خصّصت لأبناء الطبقة الارستقراطية و ذويهم في ذاك المجتمع الّذي كان يلقّب بالمخمليّ!

حيث احتكروا مهن الطب، الهندسة، الصيدلة و غيرها من المهن الأخرى التي باتت هوية تعريف تدل على مستوى صاحبها الماديّ لا العلميّ..

و بما أن العلم كان حكراً لهم و هو حق فما بالك يا عزيزتي بالكهرباء التّلفاز المذياع و غيرها الكثير  التي لم  تصل إلى بيوت العامّة إلا منذ بضعةٍ  من الأعوام ….

بل لم يكتفي من بيده زمام الأمور هنا في تلك الآونة عند هذا الحد فقد وصل به الأمر إلى الرضّع فأنت إذا ما علمتِ في تلك الحقبة أن مولود قد ولد نتيجة لعلاقة غير شرعية توجّب عليك و على الفور أن تؤيدي القانون السّاري آنذاك ليتم وضع ذاك المولود ذو البضع ساعات من عمره في أحد المصحّات التي كانت مخصصة للأمراض العقلية ليُكتب على هذا الطفل عقاباً على ذنب لم يكن فيه سوى النتيجة ..

هنا لم أتمالك نفسي و رحت أقاطعها قائلة :

أتراني فهمتك جيداّ أم هل يا ترى مستوى ذكائي قد خانني هذه المّرة؟

أتقصدين مشفى مخصصة للأمراض النفسية و العقلية ..

عقّبَتْ: هذا إذا ما أطلقنا عليها مجازاً مصطلح “مشفى ” !

و لكن هذا جنون قلت مقاطعة مرة أخرى ..

فاستغربت ردّة فعلي تلك و كأن عيونها تتكلم قائلة :

أأنت من يقول ذلك؟ بحجابك و ديانتك التي فيها من الوقوف عند المحرمات الكثير بل هي الأوسع من تلك التي توجد بين صفحات الدّيانة التي نتكلم عنها ؟..

فابتسمت مجيبةً على تلك النّطرات الحائرة قائلةً: صحيح أننّي  مسلمة و ديانتي لا تقبل بما ذكرت سابقاً ولكن إذا ما حصل مع احداهنّ لأي سبب كان فإننا لا نحكم على المولود الذي لا ذنب له بالجنون أو الموت ..

فأحد قواعد ديانتي تقول :

“لا تزر وازرة وزر أخرى “

فاتسعت عيناها اشراقاً قائلة :

لذلك أنا أقول ليس كل متديّن انسان سيّء…

لتجيبها أعيني بعدم الفهم مجدداً فاستدركَتْ قائلة :

إن ما أود قوله أن أثر تلك الحقبة لم تبقى في تلك الحقبة بل امتدت إلى اليوم فما إن قامت الثورة الملقّبة بالثّورة الهادئة حينها و قاموا بفصل الدين عن التعليم و أُٰنْشِئَ أول وزارة للتّعليم و عُيّنَ فيها وزير للمرة الأولى حتى رأينا معظم النّاس في ذلك العام  يرفضون حتّى مسمى الدّين مهما كان و أينما كان ليتبنّوا ” العلمانيّة ” لذلك نرى اليوم أن العلمانيّة هي الشّائعة  و لذلك أيضاً و إلى اليوم أمي تحدّثني طالبةً خائفة راجية منّي أن أترك عملي الذي يغلب عليه الاحتكاك مع المهاجرين الجدد فأنا أستاذة للغتي لمن ينطقون هذه اللغة كلغة ثانية و هذا يعني أنّني أقابل في كل عام مئات من المسلمين المسيحيّن البوذيّين و غيرهم من الملل الثقافات و الأديان الكثير الكثير و لكن في كل مرّة يكن جوابي لها كالآتي :

أمّي ليس كل متديّن انسان سيّء..

ثم استقامت في كرسيها ذاك و كأنها تغلق نافذة الماضي و تنفض غبار تلك الذكريات من على كاهليها لتتَّجه بكلامها نحو ماضٍ ليس ببعيد حيث بداية هذا الأسبوع قائلة:

رغم أننّي ضد تلك الحركة العنصريّة التي حدثت في مقاطعة “كيبك” هذا الأسبوع إلّا أنّني أتفهّم جيداً الدّافع وراء تلك الحركة الهمجيّة و لو أنّه أمر غير مقبول ليس بوجهة نظري  و حسب بل في نظر كل المجتمع الكنديّ أيضاً..

و لكن كلُّ ما في الأمر أنهم ليسوا مستعدّين بعد أن يروا شعائر لديانة ما، مهما كانت، على أرض حاضرهم خوفاً من ذاك الماضي الذي مهما طال عليه الزّمن أو قصر سيبقى كصفحة سوداء طويلة المقال قابعة بين صفحات تاريخ هذه المدينة فهم يرون أنّ أفكاركم و دياناتكم مهما كانت ستأتي من جديد لتعيد اغلاق مجتمعنا و اخذه نحو الجهل و التّطرف لنبتعد عن تحرّرنا من كل تلك القيود، ذاك التحرّر الذي حاربنا من أجله سنين عدداً ليصل بنا نحو  هذا الانفتاح ..

هنا شعرت أن رائحة ذاك العفن قد باتت تخنق حنجرتي لأظن للحظات بأنّني سأغرق بوحل من الهوّة الدّينيّة و الثّقافيّة و انّه لن تسعفني كلماتي الفرنسيّة منها و لا حتّى العربيّة بعد الآن ليس لأني أشعر بالعار من ديانتي و العياذ بالله و لكن لأني لم أستطع أن أبتلع هذه الأهانة المبطّنة بعد…

ما إن التمسَتْ حزن عينيّ حتّى قالت مجدّداً:

إن والديّ يا رنا يقطنون في قرية لا يمر منها الغريب، فالجميع هناك يعرف  بعضهم بعضاً و لا يصل من ديانتك أو من الدّيانات الأخرى سوى ما يتلقّونه من شاشات التّلفزة و لم يحالفهم الحظ مثلي ليقتربوا من الثّقافات الأخرى ..

فهنا استجمعت ربط جأشي مجدداً قائلة :

نعم ، إن من أكبر الأخطاء الّتي اقترفناه بحقّ أنفسنا أننا تركنا لإعلامنا المُباع أن يتحدث  بالنيّابة عنّا  ليقوم بتشويهنا كما يحلو له ..

“هنا يتوجّب التنويه أنّ مقاطعة ” كيبك”هي المقاطعة التي تتبع لها مدينة “مونتريال”حيث أقطن و أمّا عن الحادثة التي تم ذكرها في الخاطرة فهي حادثة إطلاق النّار على المصلّين في أحد أكبر جوامع كيبك و الّتي حصلت في التاسع و العشرين من شهر كانون الثاني من هذا العام  ..”

و أما عمّا حدث في نهاية ذاك اللّقاء فهو كالآتي…

ما إن هممت بالمغادرة حتى استوقفني سؤالها مقاطعة خروجي ذاك قائلة :

هل تشعرين بالخوف؟

قلت: من ماذا يا ترى؟

قالت: لكونه يستدل على ديانتك بسهولة ” تقصد ملبسي بالطبع”, أقصد بعد هذه الحادثة المأساويّة ، أكملت..

فابتسمت مُجيبةً حينها:

يا سيدتي….

يوماً ما سيكتب لي أنا و من على هذه المعمورة أن نكون جثث لأناس قد عبروا من هذه الحياة ثم ماتوا..

و حينها لا فرق عندي  كيف ستكون الطريقة نحو تلك النهاية المحتومة بل إلى أين ستأخذني تلك النّهاية المؤقّته و الّتي ما هي إلّا نهاية توصلني نحو بداية أخرى حيث الأبديّة ….

و لكن أتخيّل أنك خرجت من موطنك التماساً للأمان ، قالت معقّبةً..

ربما و لكن و بعد خمس سنوات من الاغتراب و التي كنت أتلقّى فيها ذات الرّسالة في كلٍّ من البلدان التي حططت برحالي عليها ،بات الأمر عندي الآن مختلف ، أجبت ..

و ما هي تلك الرسالة يا ترى ؟

اكتشفت يا سيدتي أن الأمان هو شعور داخلي لا علاقة له بالأحداث الخارجية و أنّك أينما رحلت أو ارتحلت لن تستطيع إيجاده إلا إذا ما استشعرته داخلك و ذاك ما أطلق عليه السّلام الداخلي..

و هل تملكين ذاك السًلام الدًاخلي يا ترى؟و هل هو أبديّ عندك؟

إنه  تماماً كأحد إشعارات البورصة.

لم أفهم قالت ..

أقصد أنه يزور داخلك بين الحين و الآخر و لكن بنسب متفاوتة من السّلام و ذلك يعتمد على جهدك انت تماماً كما البورصة مع فارق أنه لا خسران فيه مهما كُتب لقدرك أن يشهد..

و كيف لي أن أنهل منه يا ترى…

انّه بسيط للغاية، أن تطلب ذاك السلام ممّن يمتلكه…

و منذا الّذي يمتلكه ؟قاطعتني سائلة مجدّداً..

إنه الله سبحانه و تعالى ، فالشّيء الذي اجتمع عليه كل الأديان أنّه هو السّلام..

ما ان دقّت ساعة المغادرة حتى فتحتُ ذاك الباب التمس برودة الخارج مجدداً لأهرب من رائحة ذاك العفن الذي ملأ تلك الغرفة المربّعة الشكل فيبدو أن برودة المكان و خطورته بل و الخوف من السّقوط على أرضه الزّلقة غدت أكثر رحمةً  من السقوط على صفحات ذاك الماضي سواءً أكان بعيداً أم قريباً…

و إذا بي أرفع رأسي نحو السّماء متمتمة قائلة:

كم اشتاق السقوط عليك أيّتها السّماء..

رنا جلنبو
رنا جلنبو
كاتبة عربية مقيمة في كندا
اقرأ أيضاً

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -

الأحدث