AlexaMetrics سطورٌ من مُعجم الغربة! | وطن يغرد خارج السرب

سطورٌ من مُعجم الغربة!

في طيّات الشعور..ليلة بعد أخرى، وضوء شفق يتنفس بعد مساء شتوي طويل، ينمو في الصمت احساس بأن اللغة صارت ذات دلالات أخرى، ومعجم مختلف تحسه في قرارة الروح ومنه تقرأ، ويال صعوبة ما تقرأ أمام الليل الطويل يُفني آمالاً وأحلاماً، وما تفنى الذكريات ولا الليالي.

    ومع جريان الليل والنهار، وافتقاد الأهل والأصدقاء اللصيقين، والديار ومسارح الصبا، يبقى حلم شغوف متكرر بالمدرسة الابتدائية الأولية، الحديقة والبستاني، والمُصلاة بين الأشجار، وإمامة الأقران بسورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، الآية الأولى من سورة (الكافرون)، كما كُنّا نسميها في الصغر، ومُعلمات الصبا، وبقية أجيال ارتشفتْ من الاحترام والقيم حتى ذابت فيهما، وعصيات المدير، ونقاء الصبا، لفتات وآمال، وأحزان صغرى لوفاة أم زميل، أو رحيل أب إلى المعتقل..!

    أُمة وجماعات ودول كان مأمول الخير بها وفيها، تُساق إلى مواقف لا تسر، فيما طوفان الغربة يأكل من كبد الحياة، تترك وطنك مع عشرات الألوف، وتلوذ بالصقيع، وتُقلّب ناظريك في سقف الغرفة..فلكم كانت المعركة في وطنك، على الأقل، جد غير متكافئة، الخيانة في مواجهة الغباء، جَرّةٌ قاعها غير نظيف في مواجهة أخرى نقية لكن بقعر مُتأكل، وفي المنتصف تفنى حياة الملايين..اللهم إلا مَنْ لطف بهم رب العزة..

    مرات في تلك الوهدة، التي تحاول أن تجعلها كذلك، تتساءل:

هذه اللحظة الراهنة، نعم هذه الحالية.. التي تمر الآن، أين هي؟

   لماذا تمر مر السحاب؟ كأنها مرج البحرين إذ يلتقيان: الماضي والمستقبل، وليس بينهما برزخ، فيبغيان ويُبالغان في الظلم، ويمحوانها فلا تكاد تجدها!

   فأما حاسدو الغريب على غربته فخير ما يصدق فيهم بيت شعر “المتنبي”، رحمه الله، إذ يُخاطب نفسه، رحمه الله، متعجباً من غريب عنه، وإن كان قريباً قرب الأجساد، ودنو مادة الخلق الأولى من بعضها..الطين من الطين، رأى “أبو الطيب” حاسداً يرقبه، ولا يدعه في غدوه أو رواحه، صباح مساء، فقال في بيت من أروع مفرداته، التي تقرأها بلا سوابق أو لواحق، بلا سابق أو قادم، فتشعر أنك أمام قصيدة متكاملة:

            ماذا لَقيتُ منَ الدّنْيَا وَأعْجَبُهُ..أني بمَا أنَا شاكٍ مِنْهُ مَحْسُودُ؟

والسؤال المرير سفر، أو جزء منفرد من كتاب الغربة، فحين يكون أمسك مثل غدك، وتستشعر أنك صرتَ في انقطاع، لولا أنك تتنفس، وترقب الحياة والآخرين في أسئلة متعاقبة، صباح مساء.

   أما معجم الغربة مكتمل فمعانيه أكثر من مؤلمة، وأمّر ما فيه تلاشي حاضرك وذوبانه في ماضي لحظات البعاد عن الوطن والأهل، وخطوك في طرق شهدتك حزيناً واجماً مرة، وفرحاً جزلاً مرة، وفي عادي حالاتك مرات، يكفيك أنك تقرأ هاهنا في الفراغ!

    يمر اليوم تلو اليوم، وتلحظ تفلت التواريخ من بين يمينك، كقطرات الماء الذي كنت تظنها استقرتْ في كفك، عقب أيام الثورة الأولى، كان اليوم له رونقه، والحلم ممتد في الثوار ووحدتهم، فأفاق الخيال على مرارة الواقع، فلم يأذن بعد رب العباد، ولم يلتزم الثوار بأسباب الرفعة والسيادة في الكون، وظن الجانب الأعقل من الحراك، المُفترض فيهم أن الله ناصرهم لمجرد محاولتهم الانتساب إليه، وما كان الله ليعين مع التقصير!

    ومع مرور قطرة فقطرة من العمر من بين يمينك، وقدرتك مع الوقت على الاستسلام إلى أن الأيام تمر، وإن لم تحب مرورها، فأنت بين عالمين آناس ركنتُ إليهم، واخترتَ الحياة في ظلال من مبادئهم، وانحزتَ لتجربتهم، وإخوتهم، ومحاولتهم التجرد من أسباب الدنيا، وعاصرتَ الحلم في العدل المُطلق الأرضي في صورة واقعهم، ولم تكن تدري أن الملائكة لا تسكن الأرض، وأن الطغاة أسوأ ما يفعلونه بالبشر هو تقسيمهم إلى طبيعتين على اتساع رقعتهم الفكرية..مع أنهم مشتركون في الطباع، لديهم مساحة من الخير تتمايز الفئة الأقرب إلى الصواب بها، لكن أنصار الظالم لا يخلون من خير، أيضاً، والعاملون لخدمة قضايا الأمة لا يخلون من جانب غير مشرق!

     وببقاء الأزمة، وانجلاء سحب الأمل في سرعة ذوبانها وانقضائها، فلا الشعب خرج في مواكب كافية كما فعل الفنزويليين في 14 من أبريل/نيسان 2012م، مع الرئيس الراحل “هوغو شافيز”، بعد يومين من خلعه من منصبه، في انقلاب قاده مجموعة من ضباط الجيش ليصل  قصر ميرافلوريس الرئاسي قادما من منفاه في جزيرة أورشيللا، ولا الغمام كان راعداً كما بشرت القيادات، بل كانت معركة الوعي خاسرة من الأساس، فلا أهلنا وشعبنا فهموا معنى للصندوق والانتخابات، ولا الجماعة استطاعت تقريب الصورة إليهم، وإنما عمدتْ إلى مدح أهلينا لما أعطوهم أصواتهم الانتخابية في أكثر من استحقاق، ثم ضاقوا بهم ذرعاً لما قام الانقلاب، ليعمل البعض معول الهدم في نفس الشعب، ولعل الأخير لم يستوعب من الأساس..في أي شيء كان تقصيره، فهو مُدحَ بحسن اختياره، وأسئ إليه بما لم يفهمه أو يستوعبه من عدم قدرات الجماعة على احتواء الواقع المصري، والتعامل مع الأوقات الانتقالية بنجاح، ثم إن الاستكانة إلى الأقوياء هي في النهاية من مستوجبات طرف غير قليل من مجتمعاتنا شئنا أم أبينا!

    رغم إفاقة البعض وتحذيره من سوء عاقبة ترك الثوار في الشوارع بمفردهم، من جانب قيادات الجماعة، وإن نزل شبابها، في أحداث عاصفة عقب توهم نجاح الثورة، والارتكان الكامل إلى الجيش، ورغم تنديد كثيرين، ومنهم صاحب الكلمات بتحمل تبعة الحكم في وقت سيرث الحاكم تقصير عشرات السنين الماضية، إلا أن الوعي الجمعي انساق إلى الفخ المحكم، كما تنساق الفراشة إلى ما تظنه ضوءً!

    على أن أسوأ ما في الامر أنه بعد المذابح وعشرات بل مئات الآلاف من المُضارين من بعد الشهداء..سقطت الجماعة في نفس الفخ، جاعلة من الغربة غربات، والكربة كربات، باقتناع العقل الجمعي من جديد بأنهم عائدون، وأن النصر قادم، كما تركوا التفكير في قدرتهم على استعادة الحكم، أو تأجيل نظر المشروع كله، والاقتناع بأنهم أدخلوا أنفسهم بأنفسهم في خضم تجربة مُهلكة لم يكن لا وقتها ولا أوانها، ولم يتملكوا إمكاناتها، إلا في القدرة على الحلم، كما تركوا من قبل مرير واقع الانقلاب وتفرغوا للشعارات والصلاة في ميدانيّ رابعة والنهضة، مع كامل تقديري للصلاة واحترامي لكل ثائر شريف فيهما، مع جلب الإخوان لعشرات الألوف من قلب مصر وقراها ونجوعها ومدنها البعيدة، من التنظيميّ العراة الصدور، الأنقياء الضمير لم يكن الحل لموقف الإخوان الصعب بعد الانقلاب.

     وحتى في الغربة، ووشيك التيّه، ترى الجماعة أمام ناظريك إما قليل نادر معترف بالخطأ والخطيئة، وهؤلاء يرحمون أنفسهم من طوفان الادعاءات بالمؤسسية في اتخاذ القرارات، والنصر الغريب التركيب اللفظي والذهني المُنتظر، فيما يُزلزل الصف كله في مصر، أما البقية فما يزالون يحلمون بالنصر القريب المُشتهى المنتظر، دون إعداد أو مجرد تفكير جدي، وصارت الاستراتيجية يقوم عليها إعلاميون لا يعرفون إلا فرش الطرق بالورود والتنفيس عن مقهوريّ المصريين.

     سررتُ في مصر في العمر عاماً وبضعة أشهر، جمعنا وأصدقاء من مختلف كتب الغربة ، وجئنا سعداء إلى أحضان بلدنا، يملؤنا الأمل في أنها ستعود حاضنة للأمة العربية، ومركزاً لما هو أبعد، واحتمل حلمنا عام 2012م، فما انتصف التالي عليه إلا وآلمنا بيت أبي العلا المعري:

            تقفون والفلك المسخر دائر ..وتقدرون فتضحك الأقدار!

    ويوم ينعم الله على الشرفاء بتنقية صفوفهم، وإعمال عقولهم، ودفع الرابح المتجني على الحقائق والسنن الكونية، إما بالعمل على إفاقته، أو إخراجه من الصف، ويوم يتم تقدير الموقف بدقة، والعمل الصادق الجاد على إنهائه دون الأخذ بطرف، أو انحياز إلى حل يرضي الخيال ولا محل له من الواقع ..يومئذ يأذن الله بزوال غربة عشرات الآلاف من المصريين، ويجري على أيديهم بعض الخير للأمة بدلاً من ثلاجات تجميد المواقف الحالية..فلعل الله لا يخلف لنا أملاً في واقع عملي يسر أرواحنا، ولو بعد حين!

قد يعجبك ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *