“زهرة نبتت من رحم الأشواك”

0

ها هي الطبيعة مجدداً تخاطب روحي و وقع أقدامي على مخلفاتها و أوراق أشجارها التي أسقطتها طول تلك الليالي و قساوة خريف أيامها بعد صيف طويل اعتادت فيه الروح قبل تلك الأشجار و أوراقها على الهدوء بعيداً عن العواصف ، جامحةً كانت أو عابرة ، تلك العواصف التي أردت تلك الأوراق قتيلة على أرصفة الشوارع الحدائق و الساحات تماماً كأرواحنا عند منعطف خريف جديد من خريف هذا العمر …

كان لون الشارع قد سرق من شعاع الشمس لونه حينما أسدلت الأشجار ذاك  الغطاء الحنون عليه معرّية أغصانها  ، جاعلة منها طواحيناً للهواء ، طواحيناً أضنتها العواصف و النسمات العابرة  التي  لم  تفارقها إلا حينما تأكدت أنها أمست أكثر خشونة ، صلابة و قسوة ..

تلك الصلابة التي ستمكنها من أن تبقى على قيد الحياة و ربما بين قيود الطبيعة  حتى ربيع آخر …

لم تنهل روحي من صوت حفيف الأوراق و صوت تكسرها نتيجة وقع أقدامي عليها ، عازفة في طبيعة أيامي و روتينها الجديد لحناً متناغماً جميل المحيا و الذكرى حينما وصلت عند إحدى بوابات الكلية الرئيسية ليعيق مسيري حشدٌ غفيرٌ من الطلاب و ليستوقفني الفضول

بعد أن رأيتهم يتهافتون لشراء شيء ما ..

ظننت حينها أن أحد بائعي الحلوى المتجولين  قد قرر أن يبحث عن قوت يومه عند هذه البوابة  ، و لكن لا فأنا لست في دمشق و لا يوجد مكان لبائعي الحلوى على طرقات هذا المكان …

إذا لا بد أن أحد بائعي الكتب قد نقل قسم من مكتبته إلى هنا ، فالشيء الذي لا يكلّون منه هنا هو القراءة ، فكنت قد رأيت عدد كبير من البسطات المنتشرة في الزوايا و الممرات القابعة تحت الأرض و المودية إلى أحد سكك  القطار السريع …

و لكن لم أشاهد مثل ذلك على أبواب الجامعة من قبل !!!

إذا لا بد أنه أحد الاستعراضات الموسيقية أو حتى الأدائية الراقصة  المنتشرة هنا  في الشوارع و على أبواب المجمّعات و الأسواق …

و لكن ما الذي سيفعل مثل أولئك عند هذا الحرم !

ثم أنه لم يتوارد أي من المعزوفات الموسيقية الشهيرة أو غير الشهيرة لتقرع مسامعي في تلك اللحظات !

كل تلك الأسئلة كانت تراودني و أنا آحاول أن آخذ طريقاً لي بين ذاك الحشد ، علّي أسترق النظر و اطفئ فضولي الذي اتّقد داخلي مجدداً منسياً أيّاي أن الحصة الدراسية قد بدأت منذ بضع دقائق  و أني على وشك أن أطرق أبواب التأخيرمجدداً ..

ذاك الشيء الذي أكره طرق بابه  بين الحين و الآخر،  على الرغم من أن زياراته في واقع أيامي نادرة قليلة ..

ما إن استجلب ناظري المشهد حتى رحت أخفي رسم تلك الابتسامة التي غزت ملامح وجهي على حين غرّة كابتةً صوت ضحكةٍ كادت على وشك أن تغافلني حينها، لأعزم الأمر على الابتعاد عن ذاك الحشد مكملة طريقي دون أن أعلم مجدداً انه يوم أخر من أيام واقعي يحاكي روحي و يستجدي قلمها لتبدأ بالكتابة من جديد ..

كانت المحاضرة قد بدأت منذ نيّف من الزمن حينما دخلت معتذرة  بصوت أقرب إلى الهمس بعد ملاحظتي للمرشدة المتخصصة بالتربية و هي تبدأ بتقديم نفسها للتو ..

في الواقع ،  كنا على علم بتلك الزيارة من استاذتنا المشرفة على الحوار و التي سقوم بتقييم محادثتنا و نقاشاتنا بهذه اللغة كما جرت العادة   ..

كان حديث عادي يتناول الطرق الحديثة في تربية الأطفال و تحسين نموّهم العقلي ، الجسدي و النفسي إلى أن طَلبت من الحاضرين مشاركتهم بأرائهم و طرقهم في تربية أطفالهم ..

كانت الآراء عاديّة ، روتينيّة ،  بين التأييد تارّة و الاختلاف في بعض النقاط تارّة أخرى ، و ذلك كله خوفاً من فقدان السّيطرة و القدرة على توجيه الطفل إلى المسار الصحيح  خاصةً  إذا لم يكن الأبوين أو أحدهما على الأقل  له مواقف صارمة و طرق حازمة بعض الشيء في تربية أطفالهم …

كان حوار مكرّر ممل إلى حدٍّ ما ،  حتّى أدلى أحد الحاضرين بدلو جهله الذي نهل منه منذ الصغر على ما يبدو قبل أن يسقي منه مرارة ماءه  إلى أبنائه حينما قال :

” أنا يا سادة عندي من الأطفال ثلاثة و لكن فعلياً أنا مسؤول عن ستة لا ثلاثة و حسب ، فأنا الأخ الأكبر في عائلة تعتبر إلى حدٍّ ما كبيرة …”

ثم أكمل :

” أنا و بحسب تجربتي و تعاملي اليومي مع الأطفال  بأعمارهم المختلفة فإنّي أرى أن الشّدة و الحزم هما الطريقان الوحيدان في قيادتهم ”

لا أعلم لماذا استخدم مصطلح قيادة بوجود ذاك الكم الهائل من المصطلحات و المفردات التي تُغرق عقولنا وسط بحر هذه اللغة الأعجمية الهائج على الدوام !! أتراه يراهم كأحد الآلات !

استخدمت كلمة الآلات احتراماً لعقل القارئ ، لأن حديثة لا يمت بصلة إلى مستوى الفكر و لا حتى  التحليل  العقلي و المنطقي  ..

و بالعودة إلى تلك الكلمات التي أقل ما يقال عنها أنها غبية ، ساذجة و جاهلة…

قال يكمل :

” فإذا ما فقدنا طرق السيطرة و القيادة أمسوا ضائعين وسط بقع هذه الحياة و أزقتها الموبوءة ،

و لا بد لكي نمسك بزمام الأمور من الحزم بل و الضرب في كثير من الأحيان ”

كانت المرشدة قد اتسعت حدقتا عينيها من الدهشة ..

  أما عن الحاضرين فقد أصابهم الصمت بعد أن تخيل كلّ منهم حال أولئك الأطفال الستة ، خاصّةً بعد أن استرسل في الحديث ليثبت رأيه ذاك مستخدما بعضاً من الأحداث التي واجهته مع أطفاله و التي نجدها عند كل طفل و التي من الممكن التعامل معها دون ضرب و لا حتّى نهر …

لم يسلم ذاك الشخص من كلماتي حينها بالطبع ، و لكن لم أجد لكلماتي منفذاً إلى رأسه المتصلّب الحجري ذاك رغم أنها وصلت إلى قناعة كل الحاضرين ما عداه ، فحدثت نفسي من جديد قائلة :

وا أسفاه على أطفال لآباء أتصفوا بقول الرسول حينما أخبر عنهم قائلاً :

” أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة ”

و إذا بصوت أنثوي  يقطع ضجيج تلك العيون رغم صمتها قائلة : سأخبركم يا سادة بقصّتي علّي بذلك أقنعك بآراء من حولك بما فيهم أنا …

كانت امرأة  في الثلاثين من العمر قادمة من إحدى دول شرق آسيا ، فما أن تلمح تلك العينين

اللوزاوتين المبطنتين حتى تستنبط موضع جذورها الأولى …

أطْرَقَت للحظات قبل أن تسترسل في الحديث مجدداً و كأنها تعيد التفكير بالأمر قبل أن تحسم أمرها قائلة :

كنت في السادسة من العمر حين بدأت معاناتي ، رغم أنّي يا سادة  لم أتعرض للضرب الشديد أو المبرح يوماً ، كل ما أذكره هي ضربات خفيفة على يدي ، مرتين أو لعلّها ثلاث لا أكثر لذنب كان بنظر والدي حينها عظيم …

و لكن مأساتي كانت مسبّباتها و عواقبها نفسية أكثر من أن تكون جسدية ، مأساة قد تكون محطّ لأماني الكثيرين إذا ما راقبوا حياتي من على بُعد ، و لكننا لطالما ننسى أو ربما  نتناسى  أننا لن نستطع يوماً أن نستشعر حجم ألمٍ ما مهما كان حجمه ، إلا إذا استطعمنا مذاقه بين أحداث أيامنا  و على أحداثيّات واقعنا،  و أنا كان لي من مرارة الكأس الحظ الكثير الوفير إذا ما صح التعبير ..

قصتي بدأت عندما توقف عمر والديّ عند التاسعة عشر ، فعدّاد عمرهم  بات عالقاً عند أحلامهم التي لم تتحقّق رغم تقدّمهم بالعمر ..

أنا يا سيدي وحيدة لعائلة مثقّفة حرمها القدر من إكمال دراستها الجامعية ، و ذلك بسبب مأساة عاشتها بلادي في تلك الآونة مغلقة بذلك الكلّيات و المدارس مدة تقارب العشر سنوات ..

أبواب حينما أُغلقت لم يعلم من أغلقها حينها أنها ستغدو قبواً لسجناء لم يقبعوا بها و لا حتّى يوماً واحداً هذه المرة ، فالسّجن كان على أبوابها و ليس خلف تلك الأبواب …

لم أستطيع أن ألتقط ما تريدين إيصاله ، قال ذاك المتشدّق مقاطعاً من جديد ..

ثم أردف :

و ما علاقة كل ذلك بالحزم في تربية أطفالي ..

إني ما أريد أن أصبو إليه يقبع في نهاية كلماتي فهلّا سمحت لي أن أفرغ ما في جعبتي تماماً كما فعلنا حينما كنت تدلو بدلو  آرائك 

” السّامة” قلت هامسة لنفسي مجدداً…

ثم راحت تكمل بعد أن نجحت في اسكاته بضعاً من الوقت ..

كنت في كلّ يوم بل كلّ دقيقة أسابق الزمن لأحقق ما زرعاه  والديّ في مخيلتي الصغيرة دون هوادة أو راحة و لا  حتى بضعاً من الدّقائق بعيداً عن تلك الفكرة الساذجة 

فما أن بدأ الوعي ينسج خيوطه على صباحات أيّامي حتى بدأت أذناي تتلقى أوامر والديّ الواحدة تلو الأخرى دون رحمة …

أوامر كانت تصب مجملها عند جملة واحدة ألا و هي :

“إما أن تكوني يا ابنتي ترتيبك هو الاول بين زملائك أو ستمسي في الغد لا شيء ، تماماً كإنسان أتى هذه الحياة ليرسم عليها فقط آثار أقدامه على رمال يزورها مد و جزر أحد البحار على شاطئ من شواطئ  جزيرة منفيّةً مهجورة ، لتمسي خطواته ترسم فقط خط سيره  نحو ذاك الخندق القابع تحت الأرض دون أثر يذكر 

لم أكن بالفتاة المتمرّدة يوماً ، بل  على العكس ، فلم أكتفي بأن يكن ترتيبي  بين زملاء الدراسة حينها الأول  و حسب بل اختزلت سنتين من سنين  حياتي الدراسية قافزة إلى الحياة الجامعية و  أنا  في عمر السّابعة عشر …

و لأكن صادقة لم تكن العلوم المدرسيّة وحدها التي أمست هاجساً عندي بعد أن كانت هاجساً عند والديّ ، لتنتقل لي بالعدوى…

فقد كنت  مطالبة حتى بالكمال في إنجاز و اكتساب الهوايات التي لم تكن بهواياتي و لا حتى  من اختياري يوماً..

فعلى سبيل المثال كان ذاك البيانو اللعين أمامي كسدّاً منيعاً يقبع على أبواب طفولتي المنسية تلك ..

فعلى حين أن أطفال جيراننا ،  الذين كانوا بأعمار قريبة من عمري آنذاك ، يلعبون في الشارع الخلفي لمنزلنا ،  تلك الألعاب  التي لم أعرف مذاقها يوماً ، كنت أنا أعاني مأساة أخرى على ذاك البيانو و بين أصابعي الصغيرة الحجم التي لم تستطع يوماً احتواء الأزرار اللازمة لإنجاز المقطوعة الموسيقية  المطلوبة …

لا أخفيك أنني كنت متميزة  و جميع معارفنا يصلّون و يبتهلون علّ فتياتهن يمتلكون بضعاً من تفوقي ذاك و لكن لم يتساءلوا يوماً ما الذي سيصيب شخصيتي من تشوه ، تشوه قد يؤثر سلباً على كل  قراراتي المصيريّة في الحياة و التي ستكلفني الكثير الكثير ليس على صعيد حياتي  الدّراسية و المهنية و حسب بل أيضاً الشّخصية منها …

لن أدخل في ذلك الآن و لكن أريد أن أخبرك أنني اليوم بتّ أمتلك أحد أفخم أنواع تلك الآلات الموسيقية في منزلي و لكن الغبار كان قد كسى سطحه منذ أعوام بل إني أمسيت أحبّ كلّ انواع الموسيقى ما عدا صوته الناعم ذاك …

فيا سيد فلان ، سوف  ترى آثار تلك الطّرق الخاطئة التي ربما تربيت عليها يوماً على نفسية أطفالك تماماً كما نراها اليوم بين ثنايا روحك ..

و ستجد أطفالك في الغد يفعلون عكس ما تتمناه لهم  و لو كان ما كنت تأمرهم به هو الأصح ، إلّا أنهم لن ينسوا يوماً أنه  سيِّر بطريقة خاطئة قبل أن يصل إليهم 

ما إن انتهت تلك الجلسة حتى راحت خطواتي تتسابق متّجهة نحو ذاك البائع المتجول من جديد علّي ألحق به قبل أن يعزم الرحيل ..

لأجده يهمُّ بالرحيل بعد أن  باع كل ما كان يمتلك في الصباح …

أباع ذاك الشيء بتلك السرعة رغم غرابته تلك ! وا عجبي !

لأستنبط حينها أن البشر قد توصلوا قبلي ببرهة من الزمن و ربما برهتين  أن تلك الصبارة الصغيرة بذاك الوعاء الأرجوني اللون أكثر جمالاً و رقّة من أرواح و قلوب الكثيرين ، كيف لا و رغم تواجد كل تلك الأشواك و خشونتها  إلّا أن هناك سبيل لأن تزور ساقها زهرة صغيرة  إذا ما زار الدفئ أشواكها ، زهرة  لها من الجمال و الفوائد ما لا يعدّ و لا يحصى على عكس الكثير من أصناف البشر الذين اتخذوا من تسميم حياة الآخرين بأشواكهم الضارة هدفاً ، سبيلاً و ربما منجياً من أمراضهم النفسية و اعتلالهم الدينيّ ، الاخلاقي و ربما الثقافي أيضاً …

أكملت المسير  حزينة على ضياع تلك الفرصة ، عازمة أمري هذه المرة أن أقتني إحداها في اول فرصة ستسنح لي…

لأخرج من تلك البوابة  مؤمنة أن هناك أشواك اكثر غدراً و إيلاماً، كيف لا و تلك الأخيرة غير واضحة الرؤية للعين البشرية كما في هذه النبتة ، و أذا ما قرّرت ان تزور احدنا فإنّها تشد الرحال نحو أكثر الأماكن ضعفاً ،حزناً  وربّما ألماً أيضاً قبل أن تغرز تلك النفوس أشواكها في أيّام حياتنا و تفاصيلها لتزيدها صعوبةً ، تعقيداً و أحزاناً..

كنت في طريق العودة حينما استقبلتني أمطار هذا الخريف مجدداً …

لم تكن قطرات المطر الناعمة تلك وحدها من زارت  كفّي حينها،  فأوراق ذاك الخريف كان يرسم لوحة فنية أخرى من لوحات الزمن ، مضفيةً على أروح العابرين لوناً آخر من ألوان الخريف ، لون امتزج هذه المرة مع الأمطار قبل أن يرسوَا كليهما عند شاطئهما الأخير ألا وهو هذه الأرض بما تحمل من ورود وأشواك …

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.